الرئيسية / احدث التدوينات / ممرات لا تفضي إلى مكان : عن الأب الأدبي

ممرات لا تفضي إلى مكان : عن الأب الأدبي

 

book1-750x500

في مقدمة مجموعته القصصية والشعرية ” الصانع ” ، يمنح بورخيس الكتاب لليوبولدو لوغونيس – الميت حينئذ – ليقرأه ويبدي رأيه فيه ، وكأي قارئ ميت ، يثني لوغونيس على بعض النصوص – يبرر بورخيس ذلك الثناء بأن لوغونيس سمع صوته وأثره في تلك القصائد – ثم يخبرنا بورخيس بأن ذلك اللقاء مجرد حلم خلقه غروره ، وحنينه للوغونيس .

هذا الحنين للآباء والأسلاف الأدبيين ولسماع صوتهم ممتد منذ القدم ، فشعراء الجاهلية كانوا بوقوفهم على الأطلال يستعيدون صوت من سبقهم من الشعراء كما يخبرنا عبد الفتاح كيليطو ؛ فسؤالي عنترة في بيته : ” هل غادر الشعراء من متردم ؟ أم هل عرفت الدار بعد توهم ؟ ” مرتبطان ببعضهما ، فالديار التي انمحت تستعاد ويعاد خلقها من الذاكرة ، كما يستعاد صوت شعراء الماضي ؛ نقر خفيف على باب الشعر ، الأقدمون : ادخل . ثم يبدأ القول الشعري .

المدهش في هذا الحنين وتلك اللقاءات الخيالية يكمن في فكرة الكتابة للموتى ، للماضي ، هذا التحطيم لتسلسل الزمن والقفز للوراء ، والحيل المستخدمة لكي يحدث هذا اللقاء : فالمعري يتخيل قيامته الخاصة في ” رسالة الغفران ” ، ويلتقي فيها بشعراء وفلاسفة ليسألهم عن صاحب هذا البيت أو ذاك ولماذا استخدم هذا الوزن دون غيره ، وغيرها من الأسئلة المتعلقة بالأدب في يوم يعتبر فيه هذا الاهتمام تافهًا ، لكنه لا يستخدم حكمه النقدي وذائقته الشعرية لإدخال هذا الشاعر أو ذاك إلى الجنة أو النار ، ولكن يستمر بالعمل بمنطق الله وقانونه – يدخل النابغة الذبياني النار ، بينما ينعم نابغة بني جعدة في الجنة فقط لكونه مسلمًا –

 يستخدم وودي آلن حيلة أخرى و ذلك في فيلم ” midnight in paris ” : كاتب شاب ، بلا ثقة في جودة ما يكتب ، يرجع إلى باريس العشرينيات في القرن الماضي ويلتقي بالآباء : همينغواي وفيتزجيرالد وجريتورد شتاين ، تقرأ شتاين روايته – مسودة ، بلا تاريخ نشر ، وبدون تأثيرات كلون الغلاف واسم الكاتب – وتمتدحها : لم تلاحظ تغيرًا في الشكل ؟ الموضوع الذي لا ينتمي إلى تلك الحقبة ربما ؟ –

هذه اللقاءات الخيالية بالأسلاف لا بد منها ، كتبادل العصي في سباق المسافات الطويلة ، ويمكننا أن ننظر للجوائز التي تحمل أسماء كتاب عظام – ثيربانتس ، كافكا ، الطيب صالح – كطقس أدبي وحيلة أخرى لحدوث هذه اللقاءات .

يصر بورخيس أن ذلك اللقاء بينه ولوغونيس سيحدث لا محالة لكن بعد موته هو أيضًا ، عندها سينتمي ما كتبه للغة والتراث ، وسيصبح بإمكان لوغونيس أن يقرأه أيضًا ، فعندها يمكن لدوستويوفسكي أن يقرأ كافكا ، والمتنبي شكسبير ، في ذهن ومخيلة من قرأهما معًا .

إذا قبِلنا على مضض فكرة ارتحال رمزية سيكولوجية – قتل الأب – تفسر علاقة محدودة وإخضاعية ، إلى حقل آخر ” الأدب ” لوصف علاقة متشعبة ومعقدة بين نصوص سابقة وأخرى لاحقة ، وإذا سمينا اللغة \ الخيال أُماً مشتهاة عجز الكتاب الجدد عن مضاجعتها ؛ اجتراح شيء جديد ، لا لأنهم مخصيون ولكن لأن الأسلاف وضعوا سياجًا حولها . عندها يمكننا تقبل القتل المجاني الذي يقوم به البعض لأنه بلا جدوى و لأن أشباح الأسلاف ستعود من جديد وستبتدئ قصائد أبو نواس بالأطلال ، ويفقأ أوديب عينيه .

لكن قبولنا بتفسير وربط آلي كهذا ليس سوى حماقة كبيرة ، ففي الأدب – لحسن الحظ أو ربما لسوئه- يمكنك اختيار آبائك الكاتب يخلق أسلافه ؛ كما يخبرنا بورخيس ، يخضع لسلطتهم في البدء ، يكون صدى لأصواتهم ثم يتجاوزهم باكتشاف صوته ومنظوره الخاص – قصص ماركيز الأولى ليست سوى تطويرًا لأفكار ذكرها كافكا في قصصه ، ” الإذعان الثالث للموت ” تنويع على ثيمة استمرار الإنسان في التطور بعد موته –

فعلى العكس من الأسطورة حيث يقوم أوديب بالهرب من النبوءة ، من مصيره المحتوم ، ولكنه دون أن يعرف أن ” لايوس ” أباه يقوم بقتله ثم يندم بعد إدراكه لذلك . يتخذ القتل في الأدب مسارًا آخر ، فلا بد أن يستوعب الكاتب تراثه إذا أراد هدمه وتجاوزه حقَا ، عليه أن يعرف أباه جيدًا ، فالتحرر يتم عبر ذلك لا عبر محاكمات أخلاقية\ أيديولوجية – فمهاجمة أورويل لموقف هربرت جورج ويلز من ألمانيا النازية ليس تجاوزًا ، ولا تبنيه لاشتراكية علمية تناقض اشتراكية ويلز الطوباوية ، ولكن كتابته ل ” 1984 ” تمثل ذلك التجاوز الفني والرؤيوي –

يقوم التاريخ بتلك المهمة أيضًا ، فأشكال ، مواضيع وتيارات أدبية تتلاشى بفعل الزمن وتغير شكل العلاقات الاجتماعية التي تصوغ وتكون الأشكال الفنية والقيم الجمالية .

لابتكار شكل جديد ، لا يلغي الكاتب الأشكال القديمة مباشرة ، لكنه يهدمها من الداخل ، يعري عجزها عن الملائمة – عبر المحاكاة الساخرة ، كما فعل همينغواي في ” سيول الربيع ” ساخرًا من رواية لشيروود أندرسن –

هذا إذا كنا نتحدث داخل الأدب ، لا خارجه ، عن النصوص ، لا الأبوة الشعبية التي يخلقها الجمهور ، ذلك التجريد الأفلاطوني اللعين. ثم ماذا عن الآباء الغائبين ، المنسيين ؟ وماذا عن كونية ولا نهائية الأدب التي تناقضها وتحددها مفاهيم قومية ضيقة وتابوهات عشائرية ؟ ومن هو الأب التأسيسي – آدم أدبي – ؟ يزعم بورخيس أنه لم يوجد ولن يوجد

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً