الرئيسية / احدث التدوينات / Paul McCartney / إلينور ريغبي – Eleanor Rigby*

Paul McCartney / إلينور ريغبي – Eleanor Rigby*

%d9%85%d8%a7%d9%83%d8%b1%d8%ab%d9%8a

       تفكير، صمت، تفكير، صمت، تفكير، صمت…

      اتأملُّ وَقْعَ هذهِ الكلمات التي كتبتُها للتو. أصداؤها تَنْحَتُ داخلَ رأسي عبارةً بِتُّ أسمعُها كثيراً في الأونة الأخيرة. “تكرارٌ مملٌّ”. لطالما حاولتُ أنْ افهم أيَّ إعتراضٍ يَختَبِئ خلف تِلك العبارة بعالمٍ مُعْتَلٍّ يَضِجُّ بالمَلَلِ والتِّكرار، بل تلك هي السِّمَة اللازمة لتَكوِينِه، تِريَاقه السماويّ الذي يَمنَحُ الأشياءَ نَكهَتَهَا المُتَخَيَّلَة، كمَا يَجعلنا القُبح نَتَلمّسُ جَمَال الأشيَاء. وقَبْلَ كلِّ ذلك يَحذُونِي أنْ أتساءَل: ألَا تَقطعُ لحظاتُ التَّفكِيرِ نَطَفــًا مِنَ الصمتِ المُطرق؟ جُمودٌ لحظيٌّ نَتَخلَّى فِيهِ عَنِ كُلِّ شيءٍ، أليسَ الصمتُ هو سِياجُ التَّفكيرِ المُحِيط؟ الجِدَار العازِل الذي يَحمِيهِ مِن صَخَبِ العَالَم؟

      لا    لا   لا فتِلكَ حَالةُ وُجُودِيَّة، تَحوِي على قَدْرٍ مِنْ الضَجِيجِ يَكتَمِنُ اصحابَ النُّفوسِ القَلِقَة.

      أستَمِعُ إلى أغنيةٍ مَا، لا ادري ما الذي إستَوقَفَنِي لأبحثَ عَنِ القِصَّة الخَفِيَّة الكَامِنَة خَلفَ وِلادَتِهَا. طَابِعَهَا الحَزِينُ يَجعَلُنِي أفَكِّر فِي المُوسِيقَى. فِي الكَلِمَاتِ التي لا شَكّ وقد خرجتْ من جُحْرٍ واحدٍ أو هكذا تَبْدُو. أفكِّر فِي المُؤِلِّفِ، فِي المِزَاجِ المُضطَّرِبِ، وكَيفَ أمكنه أنْ يأتي بِمثلِ هَذِهِ الفِكْرَة. تَتَمَلَّكُنِي الرَّغبةُ في إعَادَةِ تَرتِيبِ الكَلِمَاتِ المُكتُوبة فِي أوَّلِ سَطرٍ؛ لسَردِ المَشهَد: تَفكِير، صَمْت، تَفْكِير، صَمْت، تَفكِير، صَمْت. حسنًا أظَنُّ أنَّهُ كَثِيرًا مَا وقع أسَيرُ هَذَا الإيقَاع، تَحتَلُّهُ  تِلكَ الحَالةُ فِي مَرحَلَةٍ مَا مِنْ كُلِّ عَمِلٍ جَدِيدٍ عِندَ تَوَاجُدِهِ بالإستيدِيُو، ربَّمَا يَتَخَلَّلُ ذَلِك بَعضُ العَزْفِ عَلَى الجِيتَار، ولا بَأسَ بِتَدخِينِ بَعْضِ لُفَافَاتٍ مِن التَّبْغِ لخَلْقِ مِسَاحةٍ.. أو هَكذا أظنّ. لا بُدَّ أنَّ سِحَابةً مِنَ الضَجَرِ رَاحَتْ تَغمِرُ المَكَان حِينَمَا غَلَبَتْهُ الحِيلَة؛ فَجَعَلَتْهُ يَهَمُّ  بالمُغَادِرة.

      أحاوِل أنْ أتَخيَّلَ الطريقةً التي سَارَ بِها فِي شَوَارِع برِيستول. تَأمُّلَاتِهِ فِي مَشَاهِد الحَيَاة الرَّتِيبَة والمُرتَسِمَة على خَدِّ المُدُن. تَحدِيقَهُ فِي جمُودِ المَلَامِح، الخَوف المُعَلَّق عَلَى أكتَافِ المَارَّة. فِي الحَيَواتِ المٌغْلَقَة، وكيف تَرفُض البَوحَ بِأسرَارِها، يَقَفُ عِندَ حَانَة. يَدلُفُ الى الدَّاخِل، يَمسحُ بِعَينَيهِ المَكَان المُعْتَم بَعضَ الشَّيء. الأضَوَاءَ خَافِتة مَوَزَّعة عِندَ المَشْربِ والمَقَاعِد الأمَامِيَّة وفِي الأرْكَان. الطَّاوِلَات مُوَزَّعة بِتَنَاسُقٍ بَارِد، تَحتَضِنُ رُوَّاد الحَانَة أفْرَادًا  كُلٌّ يُقَارِعُ  الهَوَاجِسَ بالشًّرابِ دُونَ رِفْقَة.  يَبْدُو المَكَانُ هَادِئًا عَلى غَيرِ المُعْتَاد. ولًا أحَدَ يَحفُلُ بِحُضِورِ أحدٍ.. يَجْلِسُ امَامَ المَشْربِ، يَطلُبُ كأسًا مِنَ الجَعَّة، يُفَكِّر. يُمكِننا أيضًا أنْ نَتَخَيَّلَ حَالَتَهُ الشَّعُورِيَّة وَهوَ يُحَاول إقتِنَاصَ الكَلِمَاتِ المُنَاسِبَة لمَقْطُوعَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ مُنْجَزَة. قِصَّةٍ مَا عَلَى الأرجَحِ تُحَاكِي الأجوَاء.. قَد يَبدُو الأمرُ غَرِيبًا خِلَافًا للتَرتِيبِ المَعْرُوف: قَصِيدَةٌ، لَحْنٌ، ثُمَّ مُقْطُوعَة مُوسِيقِيَّة تَلبَسُ ذاتَ القَمِيصِ ولكِن مَنْ يَأبَه؟! فَعَلَهَا سابقًا ويُكمِنُه فِعْلَهَا مَرَّةً أخرى..

      يَطلُبُ مِنْ السَّاقِي القِيَام بِمُكَالَمةٍ هَاتِفيَّة. يشير – الساقي – بِدورِهِ الى الكَبَينَة فِي آخرِ الصَّالَة. حسنًا، يُمسِك بِسَمَّاعَةِ الهَاتِف، يُدِيرُ عَجَلةَ الأرْقَامِ بِسُرعَة، يَضَعُ السَّمَاعةَ بِأُذنِهِ..

      يَأتِيهِ الرَّدُّ مِن مَكَانٍ آخر:

– ألو.

– مَرحَبًا، هُنَا بُول مَكارثي.

– مَرحَبًا بول، كيف حالك؟

– بِخير، أوَدُّ مِنكَ مُلَاقَاتِي عِندَ حانةِ رَيجبِي، هل عَرِفتَها؟

– أجَل، إنِّها تَبْعُد عَن مِنزِليَ مَسَافَة دَقِيقَتَين. 

– جَيَّد، أحتَاجُ حُضُورَكَ الآن إنْ أمَكَنَك ذَلِك.

– عَمَل جَدِيد؟

– ربَّما..

– حَسَنًا، انَا قَادِمٌ إلَيك.

– فِي إنتَظَارك.

      يُغْلِقُ الهَاتِف، يُطْفِقُ عَائِدًا الى مَكَانِهِ بالمَشْرَب، يَجْلُسُ مُرَيحًا رَأسَهُ مِنَ التَّفْكِير، يَنتَظِر ويَنْتَظِر ويَنتَظِرُ.. تَلقُمُهُ الحِيره المُتَخَلِّقِة مِن فَرَاغ بفكرة، هَوَ الآن وَحِيد فِي حَانَةٍ مَغْمُورَةٍ كُلِّ يُحَدِّقُ فِي كَأسِهِ، هَوَ أيضًا يَفعَل، يَتَذَكَّرُ هَذهِ الرَّاهبة، إعتَادَ رُؤيَتِهَا لسَنَواتٍ تُنَظِّفُ السَّاحةَ الأمَامِيَّة للدِّير المُقَابِل لِمَنزِلهِ. وَحِيدَة؟ دائمًا تَجمَعُ ما تَسَاقَطَ مِن ثِمَارِ البلُّوط كَلَّ صَبِاحٍ ثُمَّ تَخْتِفِي دَاخِل الدِّير حتَّى الصَبَاح. لا يَدرِي لِمَاذَا تَلَوحُ بِرَأسِهِ كُلَّمِا أنْجَزَ مَقْطُوعَةً بِطَابِعٍ كَئِيبٍ، أو كُلَّما وَجَد نَفْسَهُ وحِيدًا. تَفْكِيرٌ، صَمْتٌ، تَفْكِيرٌ، صِمْتٌ، تَفْكِيرٌ.. وأخِيرًا تَلمَعُ بِرَأسِهِ،  يَنْتَفِضُ مِن مَكَانِهِ  صَارِخًا:

  • Yeeees, I got it!

      إحسَاسٌ بالحَرَجِ يَضَعُ تَعَابِيرَهُ عَلَى وَجْهِهِ حِينَ يَنْتَبِهُ للإبْتِسَامَاتِ والأعْيُنِ المُتَسَائِلة والمُحَدِّقَةِ فِيهِ. يأتِيهِ صَوت عجوزٍ مخمورٍ مِن آخِرِ الصَّالَة..

  • Yeah, Yeah, Yeah, we are trying, too.

      يبتسم.

       أخيرًا  يَصِل مِن يُفتَرضُ بِهِ أنْ يَكتُب الكَلِمَات لكنَّه لا يَفْعَل، يَصِلُ متَأخِّرًا بِمَقدِارِ فِكرَةٍ تَخَلَّقَتْ مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ دفَعَتْ مَكَارتني لتَألِيفِ تِلكَ المَقطُوعَة، لكَنَّهُ لم يُدرِكَهَا سِوَى في تِلكَ اللَّحظَة. هَوَ لا يَعْلَمُ “آخرون يعلمون” انَّنَي أقَفُ عَلَى بُعدِ خَمسِينَ عامًا وفِي الشَّطرِ الآخرَ مِن الكُرَةِ الأرضِيَّة مُحَاوِلًا أنْ أتَخَيَّل المَشْهَد وكَيفَ سَجَّلَ إنْتِصَارهُ الصَّغِيرَ فِي تِلكَ اللَّحْظَة … ثم مَاذَا؟ أنْتُم تَعْرِفَونَ البَقِيَّة … إنِّها أُغِنِيَة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش:

Eleanor Rigby* أعتبرت من أعظم روائع البيتلز عندما صدرت في العام 1966ضمن البومRevolver ، وقد احتلت المرتبة الاولى طوال عامين بقائمة أكثر الأغاني إستماعاً بالمملكة المتحدة.

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً