الرئيسية / احدث التدوينات / أسطرة الأمكنة

أسطرة الأمكنة

78499017785

في الركن الشمالي الشرقي لمدرسة “الاتحاد العليا “كنت أجلس في انتظار “علي” بائع الكتب الذي وعدني بعد طول مراجعة وتسويف بكتاب “معذبو الأرض” لفانون من مخزنه الكائن في زقاق ما من أزقة بيوت القبط العتيقة ، كانت الساعة تشير إلى ما قبل الثانية ظهرًا بمقدار ما تبقى من كوب الشاي الذي أمسكه وما أن وصلت إلى آخر جرعة، حتى ضرب جرس المدرسة الآلي ليعلن عن فوضى حشر الأطفال، وسباق العربات الفارهة الكسول بوجوه سائقيها المنبسطة التي تطارد حركات الأطفال المتشابهين ” ملبسًا وخلِقة” في أسى ونفاد حيلة من تسارعهم القاتل وضجتهم الأجنبية ،قالت طفلة بجدائل لصبي بشعر كثيف ومنكش – تنقصه نظارة وقليل تجاعيد مع كثيرًا من الذكاء والوعي ليصبح اينشتاين آخر.

-عيد ميلاد سعيد

قالتها بصيغة ولكنة أجنبيتين أنفقت قرابة الخمس سنوات في تعلمهما ولم يطاوعني لساني بمثل ما أخرجت تلك الصغيرة، كانت شمس الظهيرة قائظة كما عهد شموس الاستواء ولكني لم أحس باختناقها القاتل قط، وذلك بفضل كتاب “غورقي” لمباني غانا كابيه، الذي كان يحدثني فيه بصدق عن صناعة الإرادة الوطنية في بلده الطيب “السنغال ” مع خفشات ساخرة مما يعانيه مجتمعه من أمراض، وبينما أنا غارق في حكمة الزعيم عبدا لله واد انسحبت الضجة ومعها الفارهات، إلى ما لا يهم مريم بائعة الشاي وهي تلتقط أكوابها من تحت أرجل زبائنها بخفة فراشة، قطع تفكري السنغالي ذلك شاب وسيم قشيب الثياب ذو حذاء لامع مطابق للون الحزام؛ سائلاً بعد السلام:

– أين علي ؟

– ذهب إلى المخزن

أتت إجابتي بلامبالاة وغطرسة لم أحسبني يومًا أستطيعها؛ جلس الوسيم بجانبي وقد أثارت إجابتي شي من الغِل بداخله المغتر بقميص الكتان الزاهي، فأراد أن يتشفى قائلاً:

– هل قرأت الرواية الجديدة لمنصور الصويم؟ والتي فازت بالجائزة الوحيدة لهذه البلاد الواسعة ( ودون مجال للإجابة استطرد) تدور أحداث الرواية التي مسرحها المساحة التي بين المسجد الكبير وسينما كلوزيوم في….

استوقفته مستوضحًا. سينما كلوزيوم! أين تقع هذه السينما؟

– أين تقع هذه السينما؟

“تساءل بنشوة وحبور من وجد شيئًا”

– ألا تعرف أين تقع كلوزيوم؟

– مؤسف أن يجد أحدنا من لا يعرف سينما كلوزيوم في هذا العالم ! ولكن ليس خطأي على كل حال.

– أسف لم أكن لأقصد أهانتك ولكن غريبة!.. الم تدخلها وأنت صغير مع والدك؟ لابد من انك ليس من هذه المدينة.

– نعم أنا لست من سكان مدينة النفايات والجبايات هذه.

وما أن فرغت من إجابتي حتى عقب ليسألني سؤال من يعرف الإجابة وقد بدت السخرية في ( جضومه) إذاً من أي المدن أنت؟

– أنا يا صديقي من مدينة لا تحف جوانبها أكواخ الفقراء، ولا يملأ وسطها فقراء يطاردون الكفاف، مدينة ليس بها محصلي جبايات لكل شي؛ النفايات، المياه، الصحة ، الكروت الصحية، المحلية ، العتب ،الدرداقات، ليس بها بائعي مياه عند ملتقى نيلين ولا عربة كشه للباعة المتجولين لان ليس هناك باعة متجولين ليُكشوا أو سماسرة أو تجار للعملة حتى.

تبسم وانفرجت جفونه مع جبينه الذي يندي أسف واعتذار خجول قائلاً بتلعثم

– يبدو …يبدو أنك من مدينة خارج السودان

– أتدري يا صاحب، ليس مهما أن تكون خارجه أو داخله فهناك الكثير من المدن الآن داخله وستكون خارجه بجرة قلم، المهم هو أنها ليست خارج الكرة الأرضية .

– لقد أربكتني يا أستاذ بالله قل من أي المدن أنت؟

– في مدينتي لا يوجد لصوص أو محتالين -ولكنها ليست مدينة فاضلة بالطبع- قلت ضاحكًا ومن ثم أخرجت قارورة عطر صغيرة، تعطرت منها ثم ممدتها إليه، تناولها بلهفة درويش لأسأله بعدها

-هل أعجبك عطري ؟

أجاب بنشوة من يجالس احد المشاهير؛ “نعم نعم أستاذي انه عطر جميل لابد انه من النوع ( الأصلي )”.

– للأسف ليس من النوع الأصلي لأنه لا وجود لذلك النوع بين بضائع سارقي نقود الفقراء بالتمويه في شوارع السوق العربي الذي اشتريته منهم بعد مسرحية سيئة الإخراج؛ وهذا مالا يوجد في مدينتي إضافة إلى عدم وجود خبراء الأعشاب ذوي عربات الأجرة الأنيقة ومكبرات الصوت المزعجة بالنسبة لمرتادي المقاهي العشوائية والتي لا وجود لها هي الأخرى في مدينتي .

سألني والفضول يقتله “أين مدينتك هذه، هل هي في أوروبا أو اليابان، أم هي في أمريكا؟”.

لأجيبه من بين ثنايا دخان سيجارتي

– كلها بلاد الله يا صديقي؛ ولكن توجد احتمالات أخرى لا ادري لِمَ تجاهلتها! ففي طشقند مثلاً يوجد الفقر ولكن لا توجد الفوضى ولا الاحتيال المقنن والأمر كذلك في تونس العاصمة ومقاطعة الكيب تاون؛ أما في عموم نيوزلاند فلا وجود للأول ولا الأخيرين هذا إذا أهملنا بكين سهوًا ودبي قصدًا وآلاف المدن الأخرى جهلًا طبعًا.

– قل لي سيدي، متى أتيت إلى هذه المدينة ؟سألني قشيب الثياب.

– ومذ متى فارقتها لأتي إليها؟!

– قتلتني بأجوبتك الملتوية يا صديقي قل لي – برب الرؤى- من أنت؟

– أنا إنسان وإنسان فقط لا يثير الزوابع ولا يتربص بالجنادب ، أنا يا ربيب الشاشات لا أحيك أحلام النائمين ولا ادوزن غطيطهم ،لا اقتل السلاحف ،ولا أهشها لتتسرع في مشيها فتنزلق وتنكسر أقدحتها ، وأيضًا لا أوقع الجنود في الكمائن ولا ارشد المحاربين إلى المكامن؛ أنا لا استوقف المسافرين شاحذًا ولا أرغمهم على الدفع أمرًا؛ أنا يا صاحبي لا افرق بين امرأة وفنجان قهوتها ، أو تثيرني بسمات الإثيوبيات فادفع ( دم قلبي )؛ لا اصلب النساء ولا أتوعدهن بل لا أبه بهن أصلاً، السادر في غيه أنا؛ السابح نحو سراب روحه،تراني الآن جالس معك ولكني ليس معك ، قائل بحكمة غيري، منصتًا دائمًا للجنادب، فالجندب حكيم أدهم لو تدرون ، قوله لا يطاق، لأن الحق يُخرس، لعنة الأزمنة أنا، الأنا التي توخزكم لتحثكم على فعل شي ما، ولكنها لا تلزم أحد؛ على جنبات الطرق أنام وعلى جادتها أتلقى ثمن الخبز من أيادي جبارة ثم بأزقتها المنتهية دائماً إلى النتانة أخذ سر الحياة وملذات الروح لا يستطيع “الصويم” أن يحصر ذاكرتي ولا محسن خالد أستطاع وضعي في سجنه ذي الكلب ومن أين “لبركة ساكن” بطاقة طيي بين دفتين .

وبينما أنا غارق في سحر الأنا ذلك عاد بائع الكتب بخف واحد وهو ( هكذا تكلم زرادتش) عوضًا عن مطلبي مع وعد ينز رجاءً ، أخذت كتابي وهممت بالمغادرة نحو موقف جاكسون ولكن الشاب استوقفني بوجهٍ مراق سائلاً بتزلف

– سألتك بالذي تقدس قل لي من أنت؟

ضحكت عاليًا وقهقهت طويلاً كمن يسخر من القدر، بعدها غلفت وقاحتي ببعض كلمات وقورة متأسفًا، وبدأت الجواب بهدوء صوفي بعد الجلوس في مقعدي ثانية :

أنا يا صديقي بكل بساطة احد مهبطي هذه البلاد –المهترئة- ، هداني سخفي إلى قراءة الأفكار والأخيلة ، فلم أمل تقلب أمزجة الرواة والمفكرين أو تضاربها ، تناقضهم المزعج كل بحسب نظرته للحياة وإطاره الفكري والمعرفي جعلني خبير بما يكفي في الدراما؛ لحسن حظي أنه لم يستطع كل ذلك الزخم اللحوح احتلال دواخلي -ولا ترك على ذهني شوه مثلما بعض ساسة البلاد- اسكن “انغولا “مهلًا ليست تلك الدويلة البترولية المترفة – زادها الله – ولكن انغولا الحي الفقير وراء ما سُمي وهماً بالحزام؛ هناك –يا سليل الدور العتيقة- سكنت روحي، حيث الأرض بكرًا في كل شي و أمزجة السكان عكرة؛ بوجود عربة الكشة وبدونها؛ حيث الخمر طعام، واللحم حرام؛ إلا ما مات دون تدخل يد الإنسان؛ البرد غضب لا كاظم له، والحر مرجل يغلي الدم فيعشق الدفق في نزاعات تافهة، الناس هناك يا رفيق الانتظار؛ تطبيق عملي لأغنية ” أنا من تراب وماء” ولكن بينهم وبين عشاق فرقة عقد الجلاد سور له باب من العوز، سور محروم من بكاء الكمنجات المترفة أبداً لو تدري ! ،لعلي أرهقّتك بهذا الحديث وربما سبّطك أيضًا– ولا أظن أن بك همة لزيارة انغولا- ولكن كل ذلك غير مهم في وقت ينذر فيه “بص الوالي” بمسغبة “الهايس” سأتركك بوصية نظرية المعرفة لابن رشد علك تستطيع حذق فن الاسطرة الذي سيريك كيف خلق ( صاحب البسمات ) أكذوبة التفكر وكيف بها خدع جموع أهل السودان من اجل “أكل العيش”.

سلام يا فردة؛ خليني اجري احصل بص الوالي.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان

3 تعليقات

  1. استاذ دهب
    يا قاص شكرا جميلا ايها العملاق

  2. موسى ادم دهب

    شكرا لك استاذ دهب لقد اتحفتنا بهذا السرد الجميل وايقظت فينا سحر الامكنة

  3. Very interesting info !Perfect just what I was looking for! “Water is the most neglected nutrient in your diet but one of the most vital.” by Kelly Barton.

اترك تعليقاً