الرئيسية / احدث التدوينات / الحَقيبة من التُراث 3

الحَقيبة من التُراث 3

_56886_meo

إن الأغنية الشعبية القديمة، التي قامت على نغم الصوت البشري،والآلات الإيقاعية الشعبية، ثم بناء مربع الدوبَيت، تعتبر الأساس الذي قام عليه غناء الحقيبة في المرحلة الأولى. ويظل المديح الشعبي السوداني هو صاحب النصيب الأكبر في عملية الاستلهام تلك، حيث يمكنني وضع تسلسل ظهوره في ثلاثة مراحل كالآتي:

المرحلة الأولى: كان فيها الإيقاع مستلهمًا من البيئة الطبيعية، والآلة الإيقاعية نفسها.

المرحلة الثانية: ظهرت المجاراة اللحنية، وتطورت أساليب الأداء.

المرحلة الثالثة: تم فيها بناء قصيدة الحقيبة بشكلها المعروف.

قال الأستاذ عوض بابكر، في حديث تلفزيوني، لعبد المطلب الفحل، أنه يرى أن مجموعة كبيرة من أغاني الحقيبة قامت على لحن قصيدة حاج الماحي:

حبيبي .. يا أحمد طبيبي

يا حسين الخلق الجميل

كما يعتقد بعض الباحثين، أن قصيدة “يا حبيبي” هي للماحي الصغير، ولكنها الأقدم، والأستاذ علي مصطفى، الشهير “بالدكشنري”، ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تحدث لي عن مجاراة أغاني كثيرة للحن المديح، وذلك في مرحلة سرور الأولى. وبحكم معرفتي بإيقاعات الطار، وألحان القصيد داخل المسيد الصوفي، أرى أن مجاراة أغنية الحقيبة كانت للقصيد القومي عند الصوفية، وهم بدورهم أخذوها من تراث القبائل الغنائي. ومن الأمثلة على ذلك نجد أغنية “بَبَكي وبَنوح وبَصيّح”، و “زَمن الربيع حَلا”. و “خَمرَة هَواك يا مي”، ثم مجموعة من الألحان، منها “بَرضي لِيكَ المَولى المِوالي … وفِيكَ لازم الصَبر الجَميل”، التي تبعتها عدة قصائد أخرى في الحقيبة.

أما الأمر الأكثر وضوحًا هو بناء القصيدة نفسها، وهذا في الفن السوداني، أعتبره من إبداعات شعراء المديح، مثالًا لذلك الوصف الحسي، والغزل الصريح. حيث كانت هناك في مراحل المديح الشعبي، حاجة للترميز والغزل، في عهد الثورة المهدية خاصة، حيث منع الإمام المهدي ما دون الأغنية الدينية، وأغنية الحماس، فكان الشعراء يستخدمون الرمزية، والنغم الشعبي للترغيب، ومن ثم راج القصيد الذي يتم فيه وصف الحور الحسان، وإن كان حاج الماحي – بحكم أنه مغني – قد سبق شعراء المهدية في هذا الوصف المغري، فنجده يقول في قصيدته “إلهي صلي على الخيارا”:

مَع عَجَبّنَا … يَزيّـد طَربّنَـا

يَزَخرِفولنّـا الثِمـان دِيـارَا

مَعاهو فُزنَـا … نَعيـما حُزنـا

لابـِس العِـز والإفتِخـَارا

مِسِك تُرابا … الحِسان شَبابا

صَبايَا عِين كُلّهـِن صِغَـارَا

بُنَاهَا عَالي … وسكونا فَالى

 بُنَاهَا لا نِسـوم ولا تِجـارَة

بَنَاتَا بِكّر … طَعاما سُكَـر

عِقُودُنَـا اللولي والكَنَارا

وجوهَا تَضوي … وحِجولا تَعوي

وتَدهِشَك من حُسن وقَارا

وكِت يَجَنَـك … يَعجِبنّك

مَسَاويَات … ما فِيهِن قُصَارا

في كُلِ أصبَع مَسَوى خَاتِم

تَجِيك تَاله إيـدَا بِالسُـوارَا

وأيضًا قال الشيخ أحمد ود سعد، الذي عاش في زمن المهدية، في وصف الحور:

 سَمحَات القَامة

مَا هِن عير طُوَال

لَينَات جِلودِن

أكفَالهِن كُبَار

سَابلات شِعورِن

في ظُهورِهن قُصَار

ضَامرَات حَشَاهِن

كيف حِكمَة الجَبَار

واقفَات نِهودِن

مَا لجن الصُغار

سَمحَات سِنونِن

والفَم فَاقِع طَار

 الرَقَبة في المِقدَار

نَايرَات جِلودِن

 يَضَون كَما الأقمَار

كالفِضَة سَاقِن

 ما كَاسَن بِالجِوَار

ماشَالَن قُلَة

ما جَابَن مُبخَر نَار

الوَاحدة إن جَاتكُم

يا أخواتي الحُضّار

كَان شُفـتو جَمَالها

بِيدهِشَـن الأبصَار

وفي الترميز الشعبي، نجد في المهدية أيضًا الشريف أبو القاسم. وهكذا خرجت قصيدة الحقيبة من المديح إلى النمط الدائري، والأبعد من ذلك ما يسمى بالمسدس، أو السداسي، فهو من ابتكارات ود سعد في المهدية، وقد قامت عليه قصائد عديدة في الحقيبة. وهذا نموذج أيضًا للشريف الكوقلي:

في الكِتيف مَعَدوم نَظيرو

واليَدين جَدلة حَريَره

كالقَطيف بَارِد صِديرو

غَافيَة في كَجَرت حَريرَه

*****

النِهيد في الحُسنِ بَاين

كالرُمَان الفِي الجَنَاين

الضَمير ما شَافو خَاين

والكِفيل عِلبَة خَزاين

وفي المجاراة الحرفية، نجد الشيخ أحمد ود سليمان، موجود داخل الحقيبة، بقصيدة “سيد بقعة أم ضبان … وسيد بقعة أمدرمان”، وتقابلها قصائد عدة، مثل: “أذكر بقعة أمدرمان” لخليل فرح.

اجتهد أهل الحقيبة كثيرًا في الابتعاد عن قصيدة المديح، ولكنني أرى المُلحّن الفعلي، والأول في الحقيبة هو الفنان كرومة، لكونه استطاع أن يُخرجها من جلباب المديح، رغم أنها ظلت على نمطه في البناء. ولكن بعد ظهور شعراء الروح أمثال: عبد الرحمن الريح، تكاد تكون الحقيبة انفصلت تمامًا عن المديح، الذي كان على ارتباط قوي بالأغاني الشعبية القديمة. حيث نجد أن هناك أشياء كانت، وما زالت، أشبه بالقاعدة في بناء قصيدة المديح، منها مثلًا: في البداية نجد التوحيد، ثُم الثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ثُم ذكر بعض المعاجز، ثُم الإشارة إلى البرق، والختام بالصلاة على النبي، مع تضمين اسم الشاعر، هذا في القصيدة النبوية، أما في القصيدة القومية، لا يكون الالتزام كامل بهذه القاعدة. وعلى سبيل المثال نأخذ قصيدة “من حور الجنان”:

سُبحَانَ مَن أنشَاك

حُسنًا في غَاية الكَمَال

يَهواكَ الجَنوب

وإليك يَنقَاد الشِمَال

وما أظن يَحصُوا حُسنَك

لو يَحصُوا عَدد الرِمَال

وبأيه يَقَدروك

يا مَلك مُلوك عَصر الجَمال

كما نجد قصيدة “زمن الربيع”، ذات الطابع الاجتماعي، والتي يقول فيها بطران:

جَاد الزَمَان بِالخِير

وضَاءت لنَا الأيام

زَار العَشَم أروَاحنا

وهَام مَعَاها هُيام

قَامَت رِجَال الدّين

بِواجِبهَا خَيرَ قِيَام

قَسَموا السِرور نِصفَين

ما بين قِصور وخِيام

نَارَت نِفوسًَا كَانَت

سَابِق غِشَاها ظَلام

وقِرانَك يا المَحجوب

حَقَق لَها الأحلام

دُام النَعيم يَغشَاك

مَع السِرور في سَلام

يَدوم هَنَاك للنَاس

وعِزةَ للإسلام

قِيل أن هذه القصيدة كانت تُغنى دَاخِل المَسيد، والحَفلات، لِما بِها مِن تَقارب في المضمون الفني والاجتماعي. أما إذا ذهبنا إلى ليلى ومي وهند، فقد نجد أن هذا من أثر التُراث العربي، على المديح الشعبي أولًا، ثُم على الحَقيبة في ما بعد. وعليه أرى أن من أكثر الارتباطات وضوحًا، بين الحقيبة والتراث، هو فن التصوف الشعبي في السودان، وهو قد مازج التراث الغنائي الشعبي الأول، وفيه كل أسرار الفنون الشعبية السودانية.

عن عبد الرحمن مساعد الكتيابي

mm
كاتب وناقد فني

6 تعليقات

  1. afinal onde é que fica esse jogo??

  2. I just could not depart your site before suggesting that I extremely loved the usual info an individual provide for your visitors? Is going to be back frequently in order to check out new posts

  3. I love my old lace frontal https://www.youtube.com/watch?v=ny8rUpI_98I, but these new are even additional elegant.

  4. Some truly interesting details you have written.Aided me a lot,
    just what I was looking for :D.

  5. Great site you’ve got here.. It’s difficult to find excellent writing like
    yours these days. I honestly appreciate individuals like you!
    Take care!!

أضف تعليقاً