الرئيسية / احدث التدوينات / الرجل الزاحف

الرجل الزاحف

tumblr_ni3pwuFUbs1u7fq20o1_1280

الهواء ثقيل وكثيف والنافذة مغلقة والبنادق تصعق وتصرخ في الخارج .

أنا أحدق في مروحة السقف المتوقفة أراقب تأرجحها الطفيف بسبب الانفجارات التي حولي .

نائم في ما يشبه قبرًا داخل غرفتي ،قبر صنعته للنجاة ،فبسبب الطلقات الطائشة المجنونة والتي تحب أن تأتي من كل مكان حفرت لي حفرةً داخل الغرفة .

أنام فيها مطمئنًا فمهما كان صوت القذف هائلًا فأنا أشعر بأني آمن في حضن أمي الأرض .

أزحف مثل ثعبان داخل منزلي ،وأتنقل بين غرفة وغرفة مثل فأر؛إذ حفرت لي أنفاقًا بين الغرف ،فللمطبخ نفق ،ولغرفة الجلوس – والتي داخلها حفرة كبيرة تسع لأكثر من عشرة أشخاص يحبون الحياة ويكرهون الحرب مثلي – نفق أيضًا.

لكن حتى الآن لم يأتني ضيف يزحف على الأرض مثل ثعبان تفاديًا لطلقات الرصاص الطائش ليستريح في غرفة الجلوس .

حفرت أنفاقًا تقودني لبيوت الجيران فوجدتهم جميعًا موتى ؛لأنهم لم يزحفوا على الأرض مثل الثعابين كانوا يحسبون أنفسهم بشرًا من حقهم أن يمشوا منتصبي القامة ،لم يدروا مثلي أن المليشيات لا تكترث بإنسانيتنا ويعتبروننا مجرد زائدة دودية يجب إزالتها .

منذ أن عدت من مناطق التعدين الأهلي عن الذهب إلى المدينة وقرأت الصحف وشاهدت الأخبار علمت أن معارك عظيمة ستحدث داخلها ،وعندما بدأت الحرب وأخذت البنادق تنهب والطلقات الطائشة تقتل المواطنين كنت جاهزًا بشعار المرحلة (ازحف مثل ثعبان ولا تقف على قدميك لأي سبب كان )

الرصاص الطائش أصبح في الهواء بعدد ذرات الغبار ،رائحة البارود في كل مكان ،في المساء ضوء الطلقات الحارة يكون كافيًا لأن أقرأ كتابًا صغيرًا وأن أرى نملةً تجر إصبعًا بشريًا .

عندما أشعر بالجوع أراقب الجدران جيدًا أحيانًا يتهور قط فيحاول أن يمشي فوق الحائط ،تصيبه رصاصة طائشة فترديه قتيلًا ،أزحف أنا مثل ثعبان- إلا أن ليس للثعبان يدين أظن أنني أسبح فوق الأرض- وآخذ جثة القط وأعود به إلى حفرتي داخل المطبخ حيث أقطعه هناك وأشعل نارًا مستخدمًا أغصان الشجر .

في الشهور الأولى استمتعت باستخدام عبوات غاز جيراني الموتى لكنها نفدت ،وكان لبعضهم أشجار وحدائق ماتت من العطش ومن هذه الأشجار كنت أحضر الحطب .

كنت أنام وأجد أن شجرة جاري قد مزق الرصاص أغصانها العالية إربًا .

وعندما انقرضت قطط المدينة استبدلتها بالسحالي ؛كان هناك الكثير والكثير من السحالي الخضراء والتي تشبه التنانين التي تحرك لسانها مثل الأفاعي .

لحسن الحظ لم تنقطع المياه من الماسورة ،ولكن المشكلة أن الماء بسبب قلة عدد مستهلكيه ينفجر إلى الخارج ليخلق بحيرات ومنتجعات للبعوض والضفادع .

ملايين الضفادع تغني ..الأمر قد يسبب الجنون ،لكن هناك شيئين تعلمتهما من العمل في التعدين الأهلي ،لا تستسلم أبدًا ولكل مشكلة حل .

لحل مشكلة نقيق الضفادع صنعت لي واق لأذني ،الواقي سبب لي دوارًا في الرأس لكن اعتدت عليه .

أفراد المليشيات المتحاربة كانوا يفتحون النار على الضفادع وهذا سبب انتشارًا كثيفًا للذباب ،لكني لم أواجه مشاكل مع الذباب بقدر ما أرهقني البعوض .

الناموسية لم تنفعني كثيرًا ،فقد ثبتها بالحجارة فوق الحفرة التي أنام داخلها ،ولكن البعوض كان كثيرًا ومتعطشًا بحيث ألقى بثقله على الناموسية ،لحسن الحظ كانت الحجارة كبيرة وثقيلة والناموسية قوية وإلا كنت هلكت .!

بعد هذا الموقف أصبحت أغلق على نفسي الحفرة بباب ثقيل من الحديد بدلًا عن الناموسية .

ذات مرة رأيت كلبًا يهرب من البعوض ،لكن البعوض هجم عليه بكثافة وامتص دمه فأصبح الكلب نحيفًا وسقط ميتًا في الحال .

تعودت على أصوات الرصاص والبنادق حتى لو غابت فلن ألاحظ ،لا أعرف لماذا هؤلاء الأوغاد يتحاربون رغم أنهم أبناء بلد واحد؟

في الحقيقة لا اكترث بأفكارهم السياسية كل ما أريده هو أن أكل وأن اشرب وأن أمشي ،أنا لست كائنًا زاحفًا هم جعلوني كذلك .

بدأت أشعر أني سأجن قريبًا ،قرأت الكتب التي كانت عندي و عند جيراني عشرات المرات .

لم أنطق منذ أشهر ،لم أفتح فمي بكلمة لأي أحد ،أخاف من صوتي .

الأيام تكرر بعضها ،أستيقظ وأدفع بحذر باب الحديد وأبعده عن الحفرة ،أنظف أسناني بالفحم لا أعلم إن كان الفحم مفيدًا للأسنان لكني أشعر أن أسناني نظيفة بعد أن افعل ذلك. بالطبع لم أعد أتناول الشاي في الصباح بدلًا من الشاي أشرب كوب ماء مع قطع لحم الجرذان الشهي ،وبعدها أقرأ أو أغرق نفسي في أحلام اليقظة عن أنثى أمشي معها في الشارع من غير خوف ،كنت سأتزوج لكن أظن الآن أن كل النساء اللائي أعرفهن إما موتى أو لاجئات .

في العصر أزحف من أجل جولة صيد ؛أصبحت أصطاد السحالي بالحجارة ،حجر لكل سحلية ولا أخطئ أبدًا .

حتى الجرذان الشرسة لا تسلم من الحجارة التي أرميها بمهارة ،الجرذان طعمها أفضل من السحالي،الجرذان مفيدة عند حدوث المجاعات .

وقبل أن يأتي المساء بالبعوض أزحف إلى الحفرة وأقفل على نفسي بالباب الحديد ،وأنام مطمئنًا في حضن أمي الأرض .

دقات قلبي لا تتوقف وأصوات السلاح لا تتوقف ،وكنت أخشى أن تتوقف دقات قلبي أولًا رغم إصراري على النجاة .

أصبح جلدي قاسيًا مثل جلد فيل ،لم أعد أشعر بالألم ،وخشيت أني نسيت كيف أقف على قدماي .

ذات يوم شعرت بهدوء مطلق كان هذا الهدوء مخيفًا ،والهواء ثقيلاً فنظرت إلى مروحة السقف التي كانت تتأرجح بفعل سقوط قذائف على الأرض أو على متحركة عسكرية لا يهم .

كنت نائمًا على ظهري ،شعرت أن الحرب انتهت، والدليل غراب حط على النافذة لو أن الطلقات الطائشة لم تتوقف لمات هذا الغراب بسببها .

لقد قتل احد الإخوة أخاه ،زحفت خارج البيت إلى الشارع لأول مرة حتى أرى من انتصر ،وجدت الكثير من الجنود في سياراتهم وعلى الطرقات بجوارهم أسلحتهم وتحيط بهم الغربان ،وحدي أنا كنت استطيع أن أبعدها عن وجهي .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

اترك تعليقاً