الرئيسية / احدث التدوينات / الرسام ” لوحة إستثنائية “

الرسام ” لوحة إستثنائية “

A5p40W_CMAANHVm

      حالما جهّز مامدوت الحامل، ووضع عليه اللوح المربع، وعليه ورق كانفاس ثقيل، بدأت أفكارٌ خلّاقة تفيض من مخيلته، حتى قبل أن يقرب إليه لوح الألوان المائية، التي سببت له هوس الرسم منذ طفولته. وبالنسبة لشاب ثلاثيني، أنفق قرابة خمسة عشر عاماً من حياته مع الألوان المائية، فمسألة مهارته في استخدامها ليست محل جدل بأي معنى. لكن بسبب هوسه بالأصالة، بالإضافة إلى أنه حتى ذلك الوقت، وبعد كل التحضيرات، لم يكن متأكداً مما ستشكله الريشة على لوح الكانفاس، فقد راودته فكرة عبقرية، أصابته بحماس هستيري على تفانيه وحبه للرسم.

      لحظات، وكان قد نصب مرآة، بضعف حجم لوح الرسم، على بعد خطوتين عن مجلسه. ثم ضبط زواياها، بحيث تعكس صورته، ما أن يميل برأسه ناحية اليسار، ويفلت من لوح الرسم، الذي يحجب المرآة جزئياً، من النظرة المطلقة، وكلياً من زاوية جلوسه. حتى هذه اللحظة؛ كان مامدوت قد حدد تماماً هدفه، والتفاصيل التي سيصب فيها إبداعه. أراد التركيز على رصد تعابير وجهه في كل مرة يميل فيها، ليعكس وجهه على المرآة، ومحاولة رسم لوحة استثنائية، تحمل كل التعابير، التي يمكن أن تصدر من شخص واحد، خلال فترة زمنية معينة، في مكان واحد لا يتغير، ماذا سيكون المنتج النهائي؟!.

      أمسك مامدوت بالريشة، وغمسها في خليط بدرجات مختلفة من الألوان: الأحمر، والأسود، والأبيض، بحيث كان المزيج درجة من السمرة، تقارب لون بشرته، ثم مال إلى يساره للمرة الأولى. كانت الملامح صارخة، ولم يكن هناك داع لاستخدام عينيه البارعتين في التقاط التفاصيل، عينان تشعان بريقاً، وجبين منفرد، يوحي برضاً وحماس، وفتحات أنف منتفخة، وابتسامة كالتي ترتسم على محيا أحدهم، حينما يُقبَل في وظيفة ما. التقط أيضاً بعض التفاصيل الأخرى، كاستواء بشرة وجهه، وانبساطها. وبما أنها كانت تجربته الأولى للفكرة، وربما الأولى على كوكب الأرض، فقد واجه صعوبة في التلاعب بانعكاسه في المرآة، وحاول جاهدًا إقناع عقله ووعيه أن تلك الصورة المعكوسة تخص شخصًا غيره. المشكلة تحديداً، كانت في تعابير العينين، فبينما يجب أن توحي بشعور حماس محايد، كانتا انعكاساً للحيرة، التي وقع فيها حينها. كان مدركاً أن المرآة تعكس الأشياء كما هي، ولا قدرة لها لغير ذلك، وإلا لطلب تعاونها. وبما أن وجهه موضوع متغير بسبب الحيرة، والحركة، وتضارب الأفكار، فما أفاده ذلك غير مزيد من الضياع والارتباك. ثم تبدأ الحالة تسوء، كلما حاول معالجة الأمر، إنها متاهة لا منتهية، وعبثية، تستمد غموضها من وضوح أفكاره!.

       نصف ساعة انقضت. نصف ساعة في متاهة بصرية، وألاعيب ذهنية، أصابته بشيء من الفتور، إنما فكرة متفائلة تسلّطت عليه، استمد منها طاقة للمحاولة مرة أخرى. استطاع بحيلة ذكية، أن يتجاوز المعضلة، توصل إلى أنه إن تمكن من الميلان مرة واحدة، وخزن أول ملامح يقع عليها بصره، فسيتمكن من استدعاء هذه التفاصيل، وتجاهل ما تلاها. ثم بدأ الرسم، مستدعياً من ذاكرته تلك التفاصيل، لكن مع انقضاء نصف الساعة التالي، كان قد أجهد عقله، ومخيلته تماماً، وأصابه التشوش، ثم عجز عن استدعاء أي شيء، حتى وجهه بات يسبب له ارتباكاً وشكوكاً، هل الحقيقي هو المعكوس في المرآة أم الممسك بالريشة؟! وهكذا تسلل إليه السأم، وبهت مفعول حيلته.

      بعد تجربة أكثر من حيلة ظن أنها عبقرية، وبعد فشله في الهروب من حقيقة الانعكاس، وتحطيم ناموس المرايا، ما كان أمامه سوى حل وحيد: أن يرسم الملامح كما تظهر على السطح العاكس، كما هي، وكما تنساب من مخيلته فيما بعد، دون اهتمام بأيها سابق وأيها لاحق. بدت له هذه الفكرة عبقرية، وأصيلة حقاً، لأن السبب الذي دفعه للتفكير بها، كان وصوله لقناعة مفادها أنه إذا لم يكترث للأشياء، فليس لها تأثير عليه، ذلك التأثير المبني على الاستجابة، وربما ليس لها وجود من الأساس. وهكذا يكون انعكاسه في المرآة، بعد تهميش الأفكار الأولى، ليس سوى شيء وهمي، لا علاقة له بذاته، وكتلته التي تمارس الرسم الآن. هي الفكرة الأولى ذاتها ولكن بقدرة أكبر على التحكم، هي وليدة الخبرة، والتأمل العميق. ومباشرةً أمال نصفه العلوي إلى شماله، وحدق في الصورة المعكوسة للحظة، ثم رجع إلى لوح الكانفاس يشكل ما انطبع في ذهنه. ووفقاً للفكرة الأصلية من اللوحة، فعليه رسم هذه الملامح الجديدة، في ذات الوجه الأولي المليء بالحماس، عليه إيجاد مكان لها، وطريقة مبدعة ليجعل التعبيرين يبدوان بوضوح، في لوح رسم واحد. هكذا كان في اللوحة وجه واحد، عليه ملامح لحالتين مختلفتين تماماً، في ذات الآن والمكان.

      فرغ من وضع ملامح التأمل بالقرب من ملامح الحماس. كانت فكرته قد بدأت تتجلّى. وفوراً سرح بخياله، وتصور ما ستحدثه اللوحة من ضجة، وكمية الإطراء التي ستنهال عليه، والمقابلات التلفزيونية والصحفية، الطارئة والمخطط لها، وعروض الشراء الباهظة، وانشغال المتذوقين باللوحة الأيقونة، وتحليلها مراراً وتكراراً، لدهور ودهور تأتي. وأثناء ذلك كان لا وعيه يصدر إشارات بالميلان شمالاً، بحركة ظلّية لم يلحظها هو نفسه، إلا حين وقعت عيناه على الانعكاس، والتقط ما ارتسم على وجهه من ملامح، لمحها لكسر من الثانية، وكان عليه مرة أخرى موضعتها في مكان ما على ذات الوجه متعدد التعابير.

      خلال الساعتين التاليتين، رصد مامدوت خمسة عشر تعبيراً عن حالاته النفسية والذهنية. عندها بدا لوح الكانفاس مثل قطعة قماش، تبقعت بكل الألوان وبكل درجاتها، في درجة داكنة تتخللها فراغات دقيقة هنا وهناك. بعد خمسة وعشرين دقيقة أخرى بدأت التعابير تتكرر، لكن لأسباب وبدرجات مختلفة تماماً، بحيث لم يقتنع مامدوت أنها مكررة بأي معنى، إنها مميزة وفريدة، ربما هو الوقت، أو تراكم الصورة في ذهنه، أو ببساطة ربما هو الإنهاك، فثلاث ساعات من الجلوس المتواصل على مقعد خشبي بلا تبطينة لابد تكون متعبة. والتعب يجلب الكوابيس. أحد هذه الكوابيس كان أن مامدوت رأى نفسه بعد خمس سنوات جالساً على ذات المقعد الخشبي، أو فلنقل عضو مامدوت الخشبي الجديد، ورأى اللوحة مثقلة بالألوان، وقد استحالت إلى فوضى ألوان. لكن رغم ذلك، فالتعابير التي تجاوزت حينها قدرة مامدوت على العد، والتصنيف، تبدو واضحة، وسهلة القراءة، مع قليل من إمعان النظر. أفزع الكابوس مامدوت، وتوهم أنه سيهوي على جنبه الأيمن، وفي الحقيقة فقد كان مستقراً في مقعده، لكنه مال ناحية الشمال، ووقعت عيناه مجدداً على لوح المرآة، وبمهارة عينين متمرستين خبيرتين، التقط كل تفصيلة في ملامحه، ووضعها حيث يجب في اللوحة.

      اغتبط مامدوت ببراعة مخيلته. وما أن فرغ من وضع آخر لمسة من ملامح الفزع تلك، حتى أحس براحة عميقة ورضاً، أراد أن يأخذ راحة لبعض الوقت، ربما غفوة قصيرة حتى يستعيد طاقته، ومن ثم يستأنف، فمرر يديه في أحشاء الهواء، شهق بعمق، ثم وقف، ومع وقفته انتبه لملامحه في المرآة، أدهشته أنها جديدة تماماً، ولا تشبه أي تعبير منذ جلس أمام لوح الكانفاس، و…

عن يس المك

mm
قاص ومترجم من السودان

أضف تعليقاً