الرئيسية / مختارات قصصية مترجمة / السماء والبحر والأرض

السماء والبحر والأرض

16244595_1444855555538183_1013050842_o

• تأليف: ماريا بوزا بومبال
• ترجمة: ايزابيل كمال

أعرف الكثير عن أشياء لا يعرفها أحد. علاقتي حميمة بعدد هائل من الأسرار السحرية الصغيرة للبحر والأرض.
أعرف مثلاً أنه في أعماق المحيط ، وفي منطقة كثيفة العتمة ، يعيد المحيط إضاءة ذاته ، وينبت ضوء ذهبي ساكن من إسفنج هائل أصفر ومشع كالشموس. تعيش هناك كل أنواع النباتات والأحياء الجليدية مغمورة في ضوء ذلك الصيف البارد والخالد : شقائق النعمان الخضراء والحمراء تلتف حول ذاتها في مروج رحبة حيث يوجد قنديل البحر الشفاف الذي لم تفصم عرا جدائله قبل أن تحط على قدر طواف في البحور ، ويشتبك حجر المرجان الأبيض الصلب في أدغال ساحرة حيث تنزلق أسماك ذات مخامل ظليلة تنفتح وتنقلق بنعومة كالزهور ، حيث خيل البحر يتبعثر شعره الطحلبي حوله في هالة راكدة حين يعدو في صمت ، وإذا رفع أحدهم قوقعة معينة رمادية متواضعة الشكل فمن المؤكد أنه سيجد تحتها حورية البحر تبكي.
أعرف الكثير عن بركان تحت الماء متواصل الفوران ، فوهاته تفور بلا تعب ليلاً ونهاراً ، وتنفث فقاعات كثيفة من الحمم الفضية نحو سطح المياه.
أعرف أنه أثناء المد المنخفض ، تبقى قيعان البحر المزخرفة بشقائق النعمان الطيفة العارية على الصخور ، وأنا أرسو مع ذلك الذي يتشمم البساط المتوهج الذي يلتهمه.
أعرف الخلجان المفعمة بالزبد الأبدي ، حيث تسحب الرياح الشرقية ذيولها الملونة التي لا تحصى ببطء.
هناك امرأة شديدة البياض عارية تغرق. يحاول كل صيادي الشاطئ اصطيادها في شباكهم بلا جدوى .. لكنها ربما لا تكون أكثر من طائر نورس مبتهج تسحبه تيارات مياه المحيط الهادئ جيئة وذهاباً.
علاقتي حميمة بالطرق الخفية والقنوات الأرضية حيث يصفي المحيط المد ، ليصعد إلى تلاميذ امرأة معينة تتطلع فجأة إلينا بعينين خضراوين عميقتين.
أعرف أن السفن التي سقطت أسفل سلم الدوامة ، لا تزال تسافر قروناً تحت ، بين الصخور المغمورة ، ذلك أن صواريها وقعت بين أذرع أخطبوط حانق والتفت حولها قناديل البحر.
كل هذا أعرفه عن البحر.
أعرف عن الأرض أن من يستطيع إزالة قشرة من أشجار معينة ، سيعثر على فراشات نائمة ملتصقة بالجذع ، وأن أول شعاع من الضوء يثقبها ويحطمها كدبوس طائش لا يمكن تهدئته.
أتذكر حديقة خريفية وأراها. أوراق الأشجار مكومة وذاوية في طرقها الواسعة ، وتحتها مستنقع من الضفادع الملونة طحلبية جبانة ترتجف ، وعلى رأسها تيجان ذهبية. لا يعرفها أحد ، لكن الحقيقة أن كل الضفادع أمراء.
أخاف من لعبة “سأريك الطريق” خوف طفل لا حد له. لعنة “سأريك الطريق” دخان ملون ، وهي تعيش مرمية أسفل الأدغال ككومة رماد بائسة. ليس لديها سيقان لتسير ، ولا عيون لترى ، لكنها عادة تطير بعيداً في ليالٍ بعينها بأجنحة سميكة وصغيرة. لا أحد يعلم أين تذهب ولا من أين تعود في الفجر ملطخة بدماء ليست دماءها.
علاقتي حميمة بدغل جنوبي بعيد في أرضه الموحلة تفتح ثقباً ضيقاً وشديد العمق فإذا أملت وجهك نحو الأرض ونظرت ، سترى على مرمى البصر شيئاً مثل سحابة من التراب الذهبي تتحرك في لفات متقلبة.
لكن لا شيء يذهلك أكثر من ميلاد الخمر. لأنه ليس حقيقاً أن الخمر تولد تحت السماء داخل كرمة معتمة من الماء والشمس. ميلاد الخمر معتم وبطئ ، أعرف الكثير عن ذلك النمو المختلس. فقط بعد إغلاق أبواب قبو الخمر الباردة وبعدما تنشر العناكب ستائرها الأولى ، تقرر الخمر أن تنمو في أعماق البراميل الكبيرة المحكمة الإغلاق. كمثل التيار تعاني الخمر من النفوذ الصامت للقمر الذي يرغمها الآن على التراجع ويساعدها على أن تطفو عائدة. وهذا هو سبب ميلادها ونموها في ظلام شتائها وصمته.
أستطيع أن أحكي شيئاً آخر عن الأرض. أعرف بقعة جدباء حيث بقيت قرية مدفونة في كثبان الرمل ، الشيء الوحيد الذي يخرج منها هو قمة برج الكنيسة. أثناء الليالي العاصفة يتحرك كل صولجان مضيء بفتور نحو السهم الوحيد ، منتصباً في منتصف السهل ، ملتفاً حوله ، يصفر حتى يغرق أخيراً في الرمال. ويقولون أنه عندئذٍ يهتز البرج المفقود من أعلى إلى أسفل ويسمع صدى رنين أجراس ناقوس تحت الأرض.
من جهة أخرى ، السماء ليس لديها ولا حتى سر صغير رقيق. بشكل لا يمكن تغييره تنشر خريطتها المرعبة فوقنا.
أحب أن أعتقد أنني أمتلك نجمي ، ذاك النجم الذي أراه يبزغ ويلمع لوهلة فقط كل يوم في العتمة ، وليست خطواتي فقط في ذلك النجم بل كذلك يصير لضكتي وصوتي صدى. لكن واحسرتاه ، تغير الجزيئات أشكالها ملاين المرات كل ثانية ، ولا يمكن لأي جزيئين أن يظلا متحدين.
يجعلني ذلك أخاف حتى أن أنطق اسم الشمس. إنها غاية في القوة ، ولو أنهم يعزلوننا عن شعاعها ، سيتوقف في التو تدفق الأنهار.
لا أكاد أتجرأ بالكلام عن نسر ضخم تدفعه الرياح خلف الغلاف الجوي للأرض ، ولا يزال حياً ساقطاً في مساحة بلا حدود لعدد لا يحصى من السنين.
ربما يجيب السقوط المفاجئ للشهب على نداء غير متوقع من الخلود الذي يقذفها ليصنع أشكالاً هندسية معينة من النجوم الساطعة المرصعة في ركنٍ ناء من السماء. ربما.
لا ، لا أريد ، لا أريد أن أتحدث أكثر من ذلك عن السماء ، لأنني أخشاها ، وأخشى الأحلام التي تلج ليالي دائماً. ثم تصعد إليّ على سلم نجمي أتسلقه نحو قبة لامعة. يكف القمر عن كونه قرصاً شاحباً في القبة الزرقاء ، ليصبح كرة قرمزية تدور في الفضاء وحيدة ، وتصبح النجوم أكبر حجماً في وميض الأشعة ، تقترب مجرة درب التبانة ، وتصب أمواج نيرانها ، ولحظة بلحظة أقترب من حافة ذلك الجرف المشتعل.
لا ، أفضل أن أتخيل سماءً نهارية بقلاع طوافة من السحب تثير فراغاتها المرتعدة أوراق الخريف الأرضية الجافة والطيرات الورقية التي تضيع من أبناء البشر وهم يلعبون.

روائية من تشيلي (1910 – 1980)

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً