المضي قتلاً

images

      رأيت أمي اليوم – لأول مرة – وهي ترتدي بزة عسكرية داكنة اللون، بينما تحمل بندقية آلية مُعبأة، يلتف شريط رصاصها حول خصرها، كأفعى مدربة، ويمتد حتى يتدلى جزء منه ليزحف خلفها. كما كان هنالك الكثير من القنابل والمتفجرات، بالإضافة لأشكال صغيرة، ومقننة، لأسلحة فتاكة لم أدرك ماهيتها، معلقة في أنحاء متفرقة من جسدها، كعناقيد ثمار تثقل فروع شجرتها. كانت تسير بتبختر غريب، وسط كومة من الجثث، والمكان يعبق برائحة البارود، وأنحاؤه ملطخة بالدماء، بينما يعلو الأنين هنا وهناك، وسط شظايا مبعثرة ومحترقة. لدرجة أفقدتني جادة الصواب، حتى بت لا أدرك إلى أي وجهة أمضي. دار رأسي، كأن أحد ما باغتني بضربة من الخلف، أحسست بصقعة كهربائية تسري في جسدي، هرعت أركض من أمامها، وهي تنادي عليّ بصوت عال:

– تعال، لا تخف، أنا أمك التي تحبها.

      كُنتُ أحاول الركض ناحيتها، والارتماء في حضنها، كالعادة، إلا أن قطعة ما في قلبي أبت ذلك بشدة، فكلما حاولت التقدم تباطأت خطواتي جداً، لدرجة التثاقل، تملكني الارتجاف، وتكاثفت الأسئلة برأسي:

– ماذا يا أمي؟، هل تحولتِ لوحش أخر في هذا العالم الدامي؟، كيف بالله عليك؟، أم أن هذا مجرد زي نسائي جديد؟!.

      أمي تحب الأناقة، ودائماً ما تسعى لمجاراة الموضة!، حاولت أن أقنع نفسي بذلك، لكن حتى في اختيارها لأشيائها لا تملك الجُرأة على اختيار الألوان الحادة، دعك من تصرف كهذا. لا لا، أنا لا أعرف من تكون تلك السيدة!. يا إلهي، من أين لي بمخرج تبريري دون تخبط؟، أريد تفسيراً مقنعاً لما أشاهده أمامي الآن، ولكن من أين؟!.

      تراجعت عنها بثقل، سقطت على ظهري، كجندي مهزوم، لم  يفلح في محاولات صد عدوه، وفشل في الخروج سالماً من حربه. سقطت حتى ثارت الأرض، وامتلأت بغبار أحمر مخيف، وساخن، تماماً كالمشهد الذي أمامي، كنت بحاجة للألم، بحاجة للنزيف أكثر، بحاجة لصفعة تعيدني لصوابي، تعيد إلي أمي. صرخت .. أمي .. عالياً، حتى تردد الصدى، ليخبرني بعودة شيء ما مفقود، هرولتْ ناحيتي، انحنتْ لتمسك برأسي بين ذراعيها، ومن ثم احتضنتني طويلاً.

      علا صخب المدافع في الجوار، بدأتُ أرتجف من ذلك الاحتواء، الذي كبل جسدي، وعيني مصوبة على المتفجرات التي كانت ترتديها، وما أن تحتك ببعضها حتى تصدر صوتاً هو الرعب مما يبدو وشيكاً، وأمي تتمتم بجنون، مرددة حديث مقاتل قديم، وأنا أتصبب عرقاً، أرتجف بشدة، كشخص أنهكه الإعياء، وأضناه الألم، عندها نظرت إلي، والتقت عينانا، في لحظة من التواصل العميق، قالت هامسة:

– أنا أمك التي تحبك.

– محال. أمي ليست سوى حمامة زاجلة، امرأة لا تجرؤ على ذبح عصفور صغير، إنها واحة حنونة، تقع بعيداً عن عبث هذا العالم .

      اتدرون؟، لقد ضاقت من كلماتي تلك!، وفسرتها كضعف مني، فنهرتني قائلة:

– لا تجحظ عيناك هكذا، اطرد هذه الرهبة التي بداخلك، لا تستلم للضعف. فأنا بحاجة لابن شرس، قادر على فك طلاسم هذه اللعنة.

– وأي لعنة أكثر مما أرى الآن؟!.

      لم ترد، حملتني بين ذراعيها، لاحظتْ دماً ينزف مني، ركضتْ وسط كومة الفوضى تلك، حيث الموت ينتشر في كل مكان. بدت تترنح، كانت مُتعَبة، ومن إنفها يسيل ما يشبه مادة مطاطية بتدافع، عيناها محمرتان، كجمرتين، أحسست أنهما تلهبان حماسها، تزيدانها قوة، لتصمد أكثر، وتواصل طريقها، بين ذلك التدافع المقيت، والمدججين الأشرار.

      على بعد لهاث، وجدتْ عربة إسعاف متهالكة، زينتها الأعيرة النارية بالثقوب!، حتى صارت أشبه بلوحة سريالية الملامح، متوقفة على أحد الأرصفة الخالية. ركلت سائقها الذي انتظرها جاثياً تحت المقود، رمته مهلوعاً خارجها، ومن ثم قذفت بي إلي داخلها، أدارت المحرك، وبدأت تقود بسرعة جنونية، حتى تناثر دخان كثيف من عادم العربة، كنت أتدحرج من أقصى العربة إلى أقصاها، كدمية في مسرح هزلي، حتى أصبت بالدوار، وملأت جسدي الرضوخ، وبدأت أنزف. تحدثت معها، لترفق بي قليلاً، وتهدئ السرعة، خوفاً عليها، صرخت بصوت غليظ، وببحة يملأها الخوف، أظنه خوف علي، اختلطت الدموع بالدماء في وجهي، وبكيت بتشنج، بينما كانت لا تكترث للمنحنيات، والأزقة، واعوجاج الطرقات. يا إلهي، لما كل هذا العبث الذي يسمى حرباً؟!، ماذا يبغي الإنسان منها؟!، لماذا يا ربي .. لماذا؟!. بدأت أسمع نياحاً، وصراخاً، يكاد يخترق جدران العربة، كانت توسلات لنتوقف، لم تعبأ بها أمي، بدأت أنظر من النافذة إلى الطريق المحتقن بالدماء، والمملوء بالجثث المتناثرة، الهياكل المتفحمة، الجنود المدججين، الرجال المكبلين، ورؤوسهم على الأرض، فوقهم جنود ينتظرون إشارة فقط، من ملك الموت، لكي يقبضوا أرواحهم!، الأطفال العراة، البيوت المشتعلة، تلتهمها النيران الكثيفة، وتتصاعد منها الأدخنة، في رحلتها للسماء، مع أرواح الابرياء، التي تتشكّل على هيئة عصافير وديعة، متناثرة الريش.

      أظن أن اللعنة لا تترك متسعاً للرحمة، بدت المدينة كجرم تشظى، كنيزك انفجر، فتناثرت ذراته في كل مكان. والناس كعقارب تلدغ بعضها، تقتل بعضها، ولا تعرف فعلاً سوى الإيذاء المسبق، فالكل يصرع من يلاقيه، بدل أن يلقي عليه التحية!، رحماك يا إلهي. أنا لا يهمني البتة في هذا العالم سوى تلك المرأة، أمي، التي كان يصفها جدي بالوديعة، عندما يحكي لي عنها في كل مساء، أو عندما نجتمع في جلسة قهوة. بالفعل كانت تبدو هادئة دوماً، حتى في أوقات تعصبها، أو في لحظة عصياني أوامرها. أنا اليوم لا أقف أمام عنف العالم، بل أنا أقف في حيرة مما أرى أمامي، هل أمي قاتلة؟، أم مضطهدة؟، هل هي مدافعة؟، أم رؤوفة؟، أم ماذا هي بالضبط؟!. فجأة أحسَستُ برج عنيف لجسدي – الذي افتقدته – ، ثم صم أذني صوت ارتطام شديد، إننا أمام مبنى ضخم، توقفت عنده، ثم حملتني مسرعة، رغم ثقل جسدي، لكني كنت خفيفاً بين يديها، كطفل وليد، دلفت بي إلى الداخل، صعدت أدارج المبنى وهي مازالت تحملني، والذي لم يكن سوى مشفى المدينة، عرفته من مدخله الواسع، لكن سكونه يدل على عدم وجود أحد به، فقط هنالك صدى المعارك، الذي يتردد ببطء ثم يختفي، لا إنارة هنا، والمكان تغمره رائحة نتنة وغريبة، أظن أنها رائحة تعفن بشري. تجولت بي في الطابق الأعلى، عابرة الممرات، راكضة هنا وهناك بين الحين والآخر. لم تكن عيناي ترمشان، كنت غير عابئ بشيء، سوى أنني مهزوز. كان يجب أن أقول لها أنني بخير، ويمكنني المسير على قدمي، لكنني كنت بحاجة لنبضها، لذارع تحملني بحنو، وتضمني بعنفوان، خوفا عليّ، أنا الذي تدهشني ملامحها الآن، وأفكر في عدد الذين قتلتهم بهذا السلاح الفتاك، متسائلاً، كم برئ يا ترى أصيب بطلق طائش منه أيضاً؟،كل ذلك يجعلني أعتقد بأنني لا أعرف هذه المرأة!. دخلت بي غرفة مظلمة، ثم فتحت نوافذها الكبيرة على اتساعها، ناظرة نحو ما خلفها بأعين فاغرة، مطلقة زخات من الرصاص على الشجر الكثيف، المنتصب في الباحة الخلفية للعنابر، خوفاً من أن يهاجمنا أحدهم، أو يباغتنا العدو، لكن من هو العدو؟!. كيف نبتت أشجار شوكية في قلوب أهل المدينة البسطاء؟، الذين كانوا يعيشون على لحاف الطيبة، متماسكين ببعضهم، ومتعاضدين، من شوه تلك اللوحة يا ترى؟!، هذا ما لا أعرفه!.

      هذه الحرب بقدر ما جعلتني أخاف على المدينة، بقدر ما انحسر خوفي على أهلي واقربائي، ثم بدأت أخاف على أسرتي، ثم انكمشت خوفاً على ذاتي، إذ لا يوجد أمان كافي لي، مما جعلني أبدو أنانياً، لكن لم أكن مخيفاً، مثلما كان الآخرون، الذين كلما ازداد خوف أحدهم، تمادى في القتل، وأردى كل من يلاقيه، ليظفر بالأمان!. أذكر شيئاً لاحظته في أثناء المعركة التي وجدت نفسي مقحماً فيها بغتة، دون سابق إنذار، وحتى هذه اللحظة، لا أعرف من العدو فيها!، ومن الذي بدأ بالهجوم!، لكن هناك شيء ما في كل الوجوه التي رأيتها، وللحق، كانت لأهل المدينة أنفسهم!، لكأنهم كانوا مقنعين، ولهم أظافر متحجرة كالصخور، الرجال ملتحون، وكأنهم خارجون للتو من مقبرة أو كهوف منسية، النساء كأنهن عجائز أتين من زمن بعيد، يسيل من أنوفهن مخاطاً يشبه ماءاً أسوداً، كلما ذرفنه أكثر، كلما صرن مفترسات أكثر، الأطفال عظام مُركبَة ومُخيفة، تسيل الدماء مع لُعابهم.

      رمتني على كنبة قريبة، ثم بدأت تقلب جسدي بعنف، حتى وجدت فتحة أسفل ظهري، ينزف منها الدم، وكثيراً من الخدوش، التي بدأت تؤلمني أكثر عندما لمستها. ركضت خارج الغرفة، وأحضرت مشرطاً وأدوات قديمة، وبدأت بلمس الجرح، ثم أتت كذلك بماء ساخن، من حنفيات مخصصة لصب الماء الحامي، خلطتها مع مادتها التي تفرزها، وهمت بغسل موضع الجرح، لتُنَظفه من الدماء، هذا ما ظننت أنها ستفعله، لكنها مسدت جسدي بشيء ما، مرددة تمتمات تشبه التعاويذ، حتى بدأت أرتجف بقوة، وجسدي بدأ يصاب بما يشبه الخدر، لدرجة أنني فقدت القدرة على التحكم فيه، عندها أردت أن أصرخ، لكن شيئاً ما تعلق بتلابيب حبالي الصوتية، حتى كدت أن أفقد الوعي، وبدأت أرى نفسي وسط حشود غريبة، يحملون مزامير الحرب، وأسلحة ثقيلة، مبتهجين بالقتل، يضعون علامات حمراء في وجوههم، كانوا يقتربون مني، حاملين أعلاماً سوداء، حاولت أن ألفُظَهم، أن أشجب ما أراه في وجوههم، لكنني شعرت بالعجز، حتى عيناي ظلتا تحدقان فيهم برهبة، صوتي مبحوح، لا يمكنهم سماعي، اقتربوا مني أكثر، كان حديثهم موجهاً لي، يصلني واهناً، كأنه ذبذبات لموجات راديو ضعيفة، تعلو ثم تهبط، كذلك كانت تصحو بداخلي حكايات شعبية، كصراصير ناقمة، تزعجني بأصواتها الحادة، كحكم قديمة عن الموت، تنقر في رأسي، مثل غراب حقود. كان ذلك يُشعلني، يُلهب دمائي، أحسست بالنار تركض في جسدي، فأحترق الهشيم بداخلي، وبدأت أنفعل معهم ، شيئاً .. فشيئاً، مددت يداي، استجابة لأمر ما، لا أدري من أين يَصدُر، حَملتُ السلاح، ورحت أتحرك، قادتني خطواتي، في طرق لا أعيها، غير أنني كنت أقتُل .. وأقتُل .. وأقتُل!، بكل إصرار، سائراً باتجاه أجهله، تتملكني الحماسة، فأسلم لها نفسي، دون مقاومة، وأشرع، بالمضي قتلاً.

عن هاشم صالح

mm
قاص وشاعر من السودان

2 تعليقان

  1. أبكيتني يا هاشم…

    المشهد عبثي مؤلم و قاس.. وخضت غماره بمنتهى الألم…

    آه يا رجل.. لقد مات الطفل و أصبح رجلا يعاود المضي قتلاً.

  2. you are truly a just right webmaster. The web site loading pace is incredible. It kind of feels that you’re doing any unique trick. Also, The contents are masterwork. you’ve performed a excellent process in this matter!

اترك تعليقاً