الرئيسية / احدث التدوينات / بين خاطرتين “تي باق.. وفلت !!”

بين خاطرتين “تي باق.. وفلت !!”

 

560-55

الشاي الأحمر..

رفيق القهوة في المجالس.. وإن كانت القهوة للمزاج فإن الشاي لا يقل عنها في ذلك..

كنا في جلسة غداء في أحد الأيام وبعد أن فرغنا.. لملمت الأواني.. وأسرعت نحو الغلاية “البويلر” المملوءة مسبقاً بالماء ضغطت علي زر التشغيل وهممت بالأنصراف لتجهيز الأكواب “شاي أبوسريع”.. فاجأني صوت والدى

“بالله شاي مزبوط” ثم أخذ سكتة وأضاف “ماشايك أبو تي باق داك”..

“!!!!”

كان ذلك التعجب مرتسماً علي وجهي..فقد كنت أري في شاي “التي باق” كل مقومات الشاي “المزبوط”.. فهو سهل التحضير وبه منكهات داخليه.. وفوق كل ذلك لكل فرد أن يضبط مقدار تركيز الشاي الذي يحب فقلت في نفسي “في أجمل من كدا!!”. ولكن كما يقولون “كسر والدى الجرة في يدى.. وبهت الذي كان يحلم “بالشاي أبوسريع”.

هكذا إستصعبت الأمر.. لا أدري لماذا..  فجال في خاطري سريعاً.. الكفتيرة.. البوتجاز.. الشاي الفلت.. المنكه نعناع هيل قرنفل.. يا إلهي.. ولن أنسي تصفية الشاي.. كان إختصار كل ذلك في داخلي.. هو إن إعداد الشاي بهذه الطريقة “تشغيلة” وهي كما يقول أخي كناية عن إستصعاب أوإستثقال الأمر.. وللأمانة هذا الإحساس الذي لم يأخذ في نفسي الكثير أشعرني بالكسوف والإستياء مني إنه لقدر من الكسل المعيب.. الذي يجعل صناعة كوب من الشاي أمراً ثقيلاً.. لا لشئ الا لأنه خرج عن الإطار الفعلي الموضوع له مسبقاً.. ولا لشي إلا للتصور الذهني الذي لا يستغرق أكثر من ثوانٍ ليجعل من الأمور تبدو صعبة ومرهقة.. علي سهولتها.. ولا أعرف أكسوفي كان لكسلي أم لأني إستصعبت أمراً هيناً طلبه والدي.. ولا أدري لو كان الطالب شخص آخر لربما ما أخذ الأمر في داخلي هذا المنحي من التساؤل أو حتي الإستياء “بعض الإنفصام المبدئي ربما”.. هنالك مواقف تستدعينا إلي تلك النقطة التي تجعل من أحدنا شخصاً منفصلاً عن نفسه.. وعن تصوره لمدي إنضباطه.. وغيرها من التصورات التينكون فيها أكثر حوجة إلي الركون إلي محاسبة الذات.

تحركت نحو الموقد وأستخدمت إبريق الشاي “الكفتيرة J” وضعت فيه الماء المسخن مسبقاً.. وعندما وصل درجة الغليان وضعت ملعقة من حبيبات الشاي “الفلت” وأخذت أحركها.. تركته قليلاً علي النار ثم رفعته.. مرة أخري هاهنا عاودتني الخواطر.. وتذكرت عندما أكون علي عجلة من أمري.. وبدلاً من وضع ملعقة شاي واحدة لنفس كمية الماء قد أضع ملعقتين بحثاً عن سرعة الإنجاز.. مفاضلة الزمن والإتقان والتوفير.. تعتمد مثل هذه المفاضلات علي أشياء كثيرة ولكن ما كان يعنيني في هذه المسألة هو عامل “الفائدة الذاتية”. كأن أقول “نضع ملعقتين سريع ونخلص!!”.. مرجحة هنا كفة منفعة شخصية وهي اختصار الزمن علي منفعه عامه وهي اختصار الموارد.. إستعجال النتائج قد يؤدي إلي إستهلاك الموارد.. وقد لا نصل إلي النتيجة المرجوة بالنهاية.

أجدني مع كل هذا الشد والجذب والخواطر التي أخذت تدور في رأسي.. أقول لي “ماكان شاي دا!!”

 لم تأخذ تلك “الورجغة” الدماغية من زمني شيئاً.. ولكنها تركت في نفسي الكثير.. فبين الخاطرتين قرأت الكثير عني.. نحن نتغير ببطء قد لا يسعفنا الحظ لملاحظة بعض التغيرات فنجدنا عند نهاية المطاف نتعامل مع النتائج.. قد نحاول الغوص في بعض ما يدور في خلدنا.. فيقودنا إلي معرفة ما كان فينا مسلماً وبات متغيراً.. فنستطيع إدراك مايمكن إدراكه.. وأنا أتحدث هنا عن تلك المساحة الناظرة إلي علاقتنا بذواتنا.. في الحقيقة ما دعاني لكتابة هذه الكلمات هو تساؤل حقيقي يطرق بابي كثيراً مؤخراً “هل أنا انسان جيد؟”.. “وماهي المعاير التي تحدد الإنسان الجيد؟؟”.. الإحساس بأننا أُناس جيدون قد يصطدم أحياناً  ليس بممارساتنا وحسب ولكن ببعض ما نشعر به أو ببعض ما يدور في أنفسنا من حديث صامت.. يجعلنا نساؤل تلك الذات ونحاكمها على ما  هي عليه.. ولكني أجد في هذا التساؤل مدخلًا للبحث والتمحيص في منظومة القيم الذاتية.. ومدخل للتعرف على علاقتنا ليس بالآخر ولكن بذواتنا.

ثلاثة أكواب من الشاي المنكه بالنعناع الأخضر الطازج..  كان شاياً مميزاً ليس بطعمه ولكن بتجربة الأداء.. مؤكد ليست هي المرة الأولى التي أقوم فيها بإعداد الشاي.. ولكنها لحظة أضاءت في داخلي ووجدت طريقها إلى مفكرتي.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .

اترك تعليقاً