الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : أزمة الليبرالية (الجزء الأول)

ترجمات خاصة : أزمة الليبرالية (الجزء الأول)

download

بقلم : هنري ويسماير (*)

لقراءة المقال الأصلي إضغط ( هنا )

كيف أصبحت الليبرالية كلمة قذرة؟ في الفترة الباردة ما قبل بزوغ فجر عهد ترامب الرئاسي ما زال هذا السؤال يربك العديد من اليسار الأمريكي وكيف كانت خسارتهم مقابل إقحام نجم تلفاز الواقع المقارب للفاشية في التفكير .

إن الشرح المختصر لكيفية خسارة الفلسفة السياسية التي بقيت مسيطرة خلال الثلاثين سنة الماضية طريقتها هو بهذا الشكل : تؤمن الحركة المضادة لليبرالية حاليًا بأن النخبة الليبرالية -المتضمنة لسياسي أحزاب اليسار التقليدي-  نمت بمعزل ورضا عن الذات وهجر “للأشخاص” الذي كان من المفترض أن تؤيدهم .

وكخنازير أورويل في عمله مزرعة الحيوان أداروا ظهورهم للفقراء وفرضوا مبدأ من التصحيح السياسي والهوية السياسية التي لا تسمح بالمخالفة ولا باضطهاد العاملين الأمناء بإذابة ثقافتهم والقضاء عليها وتصدير أعمالهم إلى الخارج . في تغريدات ترامب وخطاباته وفي ازدياد مد ديموقراطية اليمين في أوروبا و ما عداها أصبحت هذه المؤامرة الليبرالية تشكل مسوغًا مقوسًا لأكبر انقلاب سياسي عرفه الناس .

لكن هذا السرد وكغيره في السياسة هذه الأيام ما هو إلا إفراط جاني في تصغير الصورة الحقيقية وتبسيطها. فلنفكك هذه المجادلة إلى أجزاء وسيبدأ خزي الحركة المضادة لليبرالية بالتبعثر والتحطم بين أيدينا ، ولنفكر لوهلة بطبيعة الكراهية التي ساعدت ترامب على الفوز والانتصار، فنوع الازدراء الليبرالي الذي تمتع به داعموه ما هو إلا كائن مشوش ومتناقض. إن الليبرالي اليساري مدافع صاخب عن العدالة الاجتماعية ، عاجز، “يساري” ضعيف، وهذا الليبرالي نفسه يجسد أيضًا قوة النخبة المعصومة تلك التي تتحكم في كل جهاز من أجهزة الحكومة بالإضافة إلى القضاء ، الإعلام والأعمال الضخمة.

يبدو الأمر كما لو أن الليبرالي هو القابض على كل شيء وهو ذاك النوع من الأشخاص– العاملين في الجامعة خلال أيام الأسبوع – المتحولين إلى الصادحين بالمزايا و المحتجين المحترفين، أولئك الحيويين في المصرف و عند نوافذ ممتلكات العملاء في نهاية الأسبوع.

من المؤكد أن لليبرالية معايير مميزة أولها هو الليبرالية الاجتماعية أي بناء مذهب سياسي حول قلب عقيدة المساواة و حق التمثيل الديموقراطي . أما الحجة المعارضة لهذا من باب الليبرالية و ازدراءيتها في الكلمة المتداولة ” التصحيح السياسي”، تلك التي ناضلت لتتغير وتتحول بمرور الوقت إلى نموذج للاستبداد الأخلاقي. ولمناقشة أرثوذكسيتها أشار النقاد إلى أنها تكسبك خزيًا وذلًا لحظيًا ومقارنات بهتلر. هذا كله تسبب بتهميش جزء كبير من جمهور الناخبين والزلازل السياسية كترامب و انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليكونا انتقامهم.

أما الاقتصاد الليبرالي فهو مختلف، حيث أنه راسخ ومتأصل في فكرة السوق المفتوحة الحرة وهي نظرية القرن التاسع عشر التي تؤيد التجارة الحرة والاتجاه إلى مادة المصلحة الشخصية. وكان مؤيدوا الاقتصاد الليبرالي قد آمنوا بالحكومة الصغيرة والضرائب المنخفضة مُبقين عوضًا عن ذلك على العرض والطلب – وهو ما أسماه آدم سميث ” اليد الخفية” –  والذي سيعود على الأرجح تلقائيًا بفوائد على المجتمع على نطاق واسع. وقد صاغ نتاجها المعاصر والليبرالية الجديدة أكاديميون متطرفون من أمثال فريدتش هايك و ميلتون فريدمان – ثم تحولت لاحقًا إلى سياسية حكومية صلبة بفعل ريغان و ثاتشر – كشكل من الرأسمالية الليبرالية التي شكلت عالمنا المعولم. لقد لوحظ وجود شركات تنمي السلطة الكلية ، تجميد لأجور العمال، تقييد للاتحادات ، تصدير للوظائف خارج البلاد، كما سُلمت تسجيلات بمستويات من اللامساواة الاقتصادية حقن وملأ لنمو الطبقة فوق الغنية بالرغم من انزلاق نسبة كبيرة من الطبقة الوسطى إلى البريكاريا وكان الدخل المنفرد انزلاقًا إلى الكارثة.

منذ زمن قدم بقدم سنة 1999 كان نعوم تشومسكي يجادل في كتابه الربح مقدم على الشعب بكون الليبرالية الجديدة أنتجت واقعًا اقتصاديًا يناقض الليبرالية الاجتماعية ، رافضًا كونها تتبع مذهب المساواة و الإستحقاقراطية ذلك الذي قاومه أتباع الليبرالية الجديدة بتقديس . كتب تشومشكسي : ” إنها تنتج مستهلكين عوضًا عن مواطنين، وعوضًا عن المجتمعات تنتج مجمعات للتسوق. ستكون النتيجة الصافية لذلك مجتمع متفتت بأفراد مفككين يشعرون بالإحباط والعجز الاجتماعي”.

إن الجدال حول كون الليبرالية الجديدة تمثل أكثر القوة الخبيثة في القرن الواحد العشرين في أمريكا – كما مال عددٌ من مراقبي الجناح الأيسر إلى الاعتقاد – هو ليس لتبرئة الليبرالية الاجتماعية من دورها  اليوم في إغاظة ردة الفعل العنيفة لمتبعي النظرية الشعبية. يميل واضعي السياسات الليبراليين إلى إعطاء الأولوية للحملات الأخلاقية وتقديمها على حاجات الأمريكي العادي بطريقة غير قابلة للنقاش وبإبعاد لملايين الناخبين . كتب ثوماس فرانك في كتابه أنصت أيها الليبرالي – وهو نقد لنخبوية الحزب الديموقراطي ونفاقه – المنشور في أوائل سنة 2016 : ” ارتبط عجز الحزب بمعدل المواطنين الذي كان أكثر مما صنعوه بفائضهم الضخم في الميزة الأخلاقية “.

أيًا يكن فإن أكثر المتعنتين المخالفين لرأي الأغلبية – أو المصابون بالخوف من الأجانب (هناك عدد كبير من النوعين على تويتر) – سيجادلون بكون الاستياء الاجتماعي المحرك الوحيد في دائرة ترامب الانتخابية. فاستطلاعات الرأي التي أجرتها قناة السي إن إن عقب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة تقترح أن انتصار ترامب مرتبطٌ بالتوتر الاقتصادي السابق بنفس قدر ارتباطه بالانتقال العاطفي . ففي بيانات أكملها جُمعت من أكثر من 24 ألف مشارك أجاب ما نسبته 52% بأن الاقتصاد كان أهم قضية انتخابية، شكل منتخبو ترامب نسبة 77%  ممن شعروا بأن أحوالهم المالية قد ساءت بمقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات، كما كان من مشاركي ترامب من نسبتهم 79% ممن قيموا وضع الاقتصاد الوطني ب “ضعيف” الذي وعد باستعادة وظائف كانت حجر أساس في حملتها الانتخابية المُسماة بـ جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى .

انطلاقًا من هذا يبدو الأمر مغريًا بالتأمل/ بالتفكير بكون انتصار ترامب الاستثنائي يدين على الأقل بشيء للمنصب الغامض البسيط . الليبرالية الاجتماعية، الليبرالية الجديدة، التفاهة لم يكن في هذه الانتخابات أي أيدولوجية فارقة. فبالنسبة لداعمي ترامب كانت الليبرالية هدف مفرد ونظرية سقوط لكل ما يزعج الديموقراطية الغربية العصرية.

كيف حدث هذا ؟ في حالة حدثين مزلزلين في سنة 2016 – خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب ترامب – ويمكن تتبع أصل هذا الخليط بسهولة.

في التسعينات وعلى جانبي الأطلسي عزمت حكومتي بيل كلينتون وتوني بلير على نقل سياسية الجناح الأيسر إلى مركز وسط ، بتبني السياسية الاقتصادية بعدوانية و بلا رقابة، و بهذه الطريقة ستُقيد بطريقة تقليدية أحزاب الجناح الأيسر – الديموقراطي في الولايات المتحدة، والعمال في المملكة المتحدة –  بأجندة ليبرالية جديدة.

لاحقت سياسة “الطريقة الثالثة” هذه القيم الاجتماعية والاقتصادية الليبرالية ليس بسبب كون الفلسفتين متناغمة أيدولوجيًا، ولكن بسبب كون كلاهما وسائل سياسي بطرق مختلفة.

مؤخرًا في أعقاب انهيار سنة 2008 كان المليونيرات المتجنبين للضرائب يضاعفون ثرواتهم بينما كانت المصارف تبحث عملية إنقاذ من الثروة العامة كُشفت منطقة الليبرالية الجديدة الحساسة المريضة. وبالنسبة لأتباع النظرية الشعبية من اليمين الباحثين عن أعداء متوحدين أتاح لهم هذا فرصة لطمس الخطوط بين نوعين من الليبرالية كجزء من المشروع المدبر لشيطنة الوضع الراهن . أصبحت الليبرالية الاجتماعية والاقتصادية كيانًا منفردًا وعلى حين غرة يُمكن أن يُلام اليسار على الضرر الذي أحدثته أجندة اليمين بوجود شخصيات مؤسسة مثل هيلاري كلينتون التي صُورت كمخططة (عوضًا عن تصويرها كوريثة) للخيانة اللامنسية .

بدمج الليبرالية الاجتماعية وما يُسمى باقتصادها الحسود، أصبح أتباع النظرية الشعبية في الولايات المتحدة وأوروبا قادرين على تركيز الاهتياج السياسي بأكمله في صورة بسيطة تحمل عنوان نحن ضدهم ، وبتلك الواحدة ” ليبرالي” أصبح للعدو اسم . أصبحت الليبرالية وفقًا لترامب ” مستنقعًا ” ، بينما أصبحت الفرصة للانتقام من النخبة الليبرالية مطلبًا شعبيًا.

وهذا ليس مجرد تشعب سياسي واختلاف ولكنه حرب ثقافية. وفي ذلك دهشة بسيطة ألا وهي أن أشد لحظات حماس دعاتها هي لتصوير الليبرالية كما لو كانت أحقر ما مر في العصور – القدم الكبيرة المجهولة جنود حركة اليمين البديل – أولئك الذين عبروا كمنبوذين يسعون إلى الثأر من السيطرة الثقافية. ففي نسختهم من الأحداث – المباعة في الأماكن الأكثر قتامةً – استراح المنقوعون في السفسطة حتى من اليمين، وعين العدو كل شخص ينتمي إلى العالم الذي يتحاشهم. كما امتلكوا حنقًا وغضبًا يلعن أي شخص يلاحظون تمتعه بعقل ليبرالي أو انه استفاد من التفكير الليبرالي . في تلك العملية غُيرت أدوار بعض أعضاء المجتمع المستبعدين- من غير ذكر أكثر الأصوات صخبًا عن العدالة الاجتماعية –  ليصبحوا طغاة بما نسبته واحدة بالمئة.

بالنسبة لأولئك في رابطة الليبرالية فإنهم يحاولون الآن مقاومة/القتال ضد الرأي الهائج المضاد لليبرالية، و يعرض نفاق الجهة المضادة مشاكل ضخمة. فكيفك تقاتل حركة ممتلئة جدًا بالتناقضات والكذب؟

أما الليبراليون الاجتماعين فعالقون بين المطرقة والسندان ، فهم غير قادرين أخلاقيًا على إنكار  سير الفوز الصعب بوجود البيض المؤمنين بسيادة المجموعة، ولكنهم محددون بفعل شيء لربح الملايين من الناخبين الساخطين أولئك الذين نبذوهم. فهم يعلمون أن قسم المقاومة ضد الليبرالية غير متجذر حصرًا في التعصب الأعمى الذي يجب أن ينفس عن غضبه وإحباطه من رجل كترامب. وبدلًا من ذلك فقد رفعوه إلى أعلى إدارة في البلد.

يعيدنا كل هذا إلى النواح لقديم لليبرالي ما بعد الحرب: لماذا لم تكن محاولاتنا لمساعدة المُتضررين اقتصاديًا مكافأةً بتقديرهم وشكرهم؟ لماذا يكرهوننا لهذه الدرجة؟ يبدو أنه لا وجود لأي طريقة أمام الليبراليين الاجتماعين لردم هذه لهوة.

بينما ما يبدو مؤكدًا فهو أن أي محاولة لإعادة تعريف سياسة اليسار في الولايات المتحدة وأوروبا يجب أن تبدأ بالتنصل من النظام الاقتصادي المزور لأجل مصلحة القلة. أما الليبرالية الجديدة فهي مشروع يميني في كل شيء إلا في اسمها، ويجب على الليبراليين الاجتماعين التأكيد على أنها الطريقة الوحيدة لتذكرها.

(*)  كاتب يقيم في لندن

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن،أُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش.

2 تعليقان

  1. Thanks for all of your efforts on this web page. Gloria take interest in going through investigations and it is easy to see why. Most people learn all of the dynamic method you offer useful techniques via the web blog and foster contribution from the others on this concern while our girl is really becoming educated so much. Enjoy the rest of the year. You have been performing a really great job.

اترك تعليقاً