الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : تعلم عدم الموت !

ترجمات خاصة : تعلم عدم الموت !

livingforever1-607x400

بقلم  : باتريك ستوكس – 20 مارس 2015

لقراءة الموضوع الأصلي  (هنا)

أقدم قطعة باقية على قيد الحياة من الأدب هو توق الإنس للتغلب على الموت .

تحكي دورة الشعر السومرية والمعروفة لدينا باسم ملحمة جلجامش عن حزن البطل على وفاة صديقه أنكيدو، ومن ثم بدء رحلته إلى أقاصي الأرض للبحث عن سر الخلود والذي تمكن من الوصول إليه إنسان واحد فقط يدعى أوتنابشتم وهو شخصية مقاربة لنوح لدى المسلمين إذ أنه نجا من الطوفان العالمي.

يلتقي جلجامش بامرأة حكيمة تدعى سيدوري خلال مسيرته والتي تحاول أن توضح له عدم جدوى مسعاه بنصحه :

” إلى أين تحث الخطى يا جلجامش ؟ لن تفلح أبدًا في العثور على الحياة التي تطمح إليها إذ لما خلقت الآلهة البشر قدرت الموت نصابًا على البشرية واستأثرت هي بالحياة “

بالطبع ، لم تغن هذه الفكرة جلجامش عن الإلحاح بالمحاولة ولا قولنا كذلك ! الخبر السار هو أننا أصبحنا بارعين في غش الموت وخداعه بالآونة الأخيرة إذ تزايد العمر المتوقع عند الولادة في الدول الغربية لعدة أسابيع كل عام ، وإذا ما استمر هذا المعدل في النمو 52 مرة سنويًا ، سوف نصل إلى مرحلة تدعى ” سرعة الهروب الاكتوارية ” وهي تمثل النقطة التي تبدأ فيه حياتنا بالنمو أسرع مما يمكن أن نعيشها .

على الرغم من أن مجالات الطب التجديدي وتكنولوجيا الخلايا الجذعية لا زالت في مهدها إلا أنها متقدمة وترجح احتمالية بعيدة الأمد على أنه من الممكن لنا أو لذريتنا فهم سر الخلود الذي استعصى على جلجامش !

تسبح سمكة لقبتها بالاسم ( تيني ) في حوض على بعد عدة أمتار من حيث أكتب وربما قد تكون ( تيني ) سببًا لطفرة علمية لا تعلم هي حتى بها !سمكة مثل تيني من نوع الزرد ، لديها قدرات هائلة ورائعة في تجديد القلب ، والأعصاب ، وأنسجة شبكية العين ، ويمكن للإنسان أن ينجح في إبطاء أو عكس عملية الشيخوخة والانحلال لو تمكن من تسخير قدرات سمك الزرد.

بالتأكيد ، لا يمكن أن نكون خالدين تمامًا أو ذوي حصانة ضد الموت إذ أن الحوادث وجرائم القتل قد تسبب لنا الموت بديهيًا، ولكن حياتنا سوف تستمر على نطاق أوسع، وستتغير علاقتنا مع الموت على نحو جذري .

الخبر السيئ ، هو عدم وضوح ما إذا كان يجدر بنا أن نرغب بمثل هكذا خيار !

بصرف النظر عن طمع جلجامش ولهفته نحو الخلود إلا أنه أمر تم تصويره في الأدب كلعنة تلاحق صاحبها، فعلى سبيل المثال : تطارد قصة صانع الأحذية ( والذي قدر له أن يمشي على الأرض حتى مجيء صانع أحذية آخر لأنه استهزأ بالمسيح ) مخيلة الأوروبيين ؛ إذ أنهم يرونه كشخصية تثير فيهم عواطف الشفقة ومشاعر الحذر عوضًا عن أن يحسدوه على خلوده .

إلى حد ما ورغم عدم إقرارنا بذلك، نحن نعلم في ذواتنا بأنه لا بد من أن يزورنا الموت وإن كنا نراه ضيفًا ثقيلًا .

أعاد الفيلسوف البريطاني برنارد ويليامز نسخة من أوبرا يوس جاناسيك في – ذا ماركوبولس افير – إلى أذهاننا عبر ورقة في أوائل السبعينات. وفقا لويليامز : تناولت إيلينا ماركوبلوس والبالغة من العمر 42 عامًا إكسيرًا ضد الشيخوخة ، والذي نجح بالفعل ، وأتاح لها فرصة العيش لمدة 300 سنة أخرى، وفي نهاية مطاف كل تلك السنوات ورغم أن خيار تناول الإكسير لا زال متاحًا لإيلينا إلا أنها فضلت الموت لأنها ملت من الحياة !

يرى وليامز بأن هذا ما سيحدث لأي منا لو كنا في مكان إيلينا بدلًا عنها، إذ أن فكرة الخلود تمثل معضلة حقيقة، فعلى سبيل المثال : لا يوجد شيء ممتع يمكن أن نستمر بفعله مدى الدهر، وحتى المتع الأساسية والمتكررة في حياة الإنسان كالطعام ، والشراب ، والجنس ، والموسيقى ستصبح مملة بشكل بالغ إذا ما استمرت وقتًا طويلًا بما فيه الكفاية .

وعلى الجانب الآخر ، يمكن أن نجد فكرة الأجل غير المسمى في الحياة ممتعة، إذا كانت لدينا القدرة على تغيير الأشياء الممتعة التي نفعلها على سبيل المثال : أنا أكتب وأحب الكتابة، وأكثر ما يسعدني هو البقاء في المكتبة ، وعلى الرغم من ذلك أعلم في صميم قلبي بأن حياة الكتب ستصبح مملة إذا إستمريت فيها مائتي سنة ! ولكن لنفترض بأن اهتماماتي بالكتب تحولت إلى مجال آخر كالرياضة ، وأصبحت شغوفًا بها ! هكذا اهتمام سيبقيني مشغولًا لعقود أخرى وربما أعود بعدها إلى القراءة لأنني افتقدت متعتها أو أنتقل إلى مرحلة أخرى مختلفة من حياتي .

تكمن المشكلة وفقًا لويليامز بالتالي ، إذا قمنا باتخاذ هذا الأسلوب وغيرنا الكثير في حياتنا سنصبح أشخاصًا آخرين مختلفين تمامًا ولن يتضح ما إذا كانت هوياتنا الحقيقية على قيد الحياة أم لا !

تغيير شخصيتك، واهتماماتك يعني بأن نزعتك الجدلية للدفاع عما تؤمن به من عادات وأهواء سيختفي وسوف يحل بدلًا عنه معتقداتك الجديدة .. إذًا فأنت شخص جديد ولست الشخص القديم ذاته، مثال ذلك الشخص الشغوف بالرياضة ، قد يكون أقرب إلى أن يكون نسخة مختلفة مني عوضًا عن أن يكون أنا بالفعل وهذا يجعلنا أمام خيارين، إما أن نعيش حياة مملة بالبقاء على ما نحن عليه ، أو أن نمارس التغيير ولن نكون نحن فعلًا من نعيش على أية حال .

عارض جون مارتن فيشير فلسفة وليايمز في هذا الشأن بقوله بأنه ليس من الواضح ضرورة أن البشر سوف تمل من المتع المتكررة كالطعام ، والشراب ، والجنس .

أيضًا ، يجادل رومان التشلر في عمل قادم بأنه من المهم معرفة ما تصبو عليه في المستقبل ؛ إذ ربما تبدو فكرة بقائك على قيد الحياة في الألف سنة القادمة غير جذابة ولكنك بعد ألف سنة من الآن ستنظر باقتناع إلى الوراء على الألف عام الماضية، ومن يدري ربما تبدي رغبتك في البقاء لألف سنة أخرى !  وأشار إلى أن ويليام يستهين بمقدرتنا على إمتاع أنفسنا.

ليس هذا فحسب ، قد تكون هناك مشاكل أخرى في مسألة الخلود .. هناك قضية واضحة تنص على أنه إذا كان هناك مجتمع يعيش أفراده فيه إلى الأبد فإما أن يكون مجتمعًا لا يوجد به أطفال منعًا لنمو السكان ، أو مجتمعًا يستنفذ موارده بسهولة.

بدلًا من ذلك – وهذا قد يكون الاحتمال الأكثر ترجيحًا – ، قد يكون عالمًا يمكن للبعض فيه الوصول إلى عقار الخلود بينما لا يمكن للآخرين الوصول إليه وهذا ما يقودنا إلى استنتاج آخر حول نوعية من سيبقون على قيد الحياة !

اقتصرت منتجات الرعاية الصحية على الأثرياء بشكل لا متناهي وغير مناسب، وفكرة وجود عقار للخلود ترجح بأنه لمن المؤكد بأن الأثرياء وحدهم هم من سيكونون قادرين على ابتياعه، ولك أن تتخيل كمية استمتاع فرد واحد ثري من دول العالم الأول بالسلع المادية مقابل عدم قدرة أحد الفقراء في دول العالم الثالث على شراء احتياجاته اليومية ! والآن تخيل بأن هذا الفرد الثري سيعيش لأجيال عديدة في حين أن الفقير ربما سيموت قبل أوانه نظرًا لانعدام موارده !

عوضًا عن تصحيح أثر يناصيب الولادة، سوف يقوم عقار الخلود بتصعيد المشكلة إلى أزمة وتحويل الموقف من سيء إلى أكثر قباحة، ومن يدري ربما تشاؤمنا هذا غير مبرر إذ أننا بمثل هكذا حالة كنا أذكياء بما فيه الكفاية لنكتشف عقارًا للخلود فحتمًا سنكون نابغين في التغلب على مشكلات إعادة توزيع الموارد، والعدالة بين الأجيال .

يتبقى لدينا السؤال الذي يطرح نفسه: هل يجدر بنا الاستسلام والموت؟ أو التخلي عما يمثل جزءًا منا من أجل اعتناق ما يمكن أن يصبح حياة جيدة ؟

يقول لنا راوي الإنجيل بأنه يوجد وقت لفعل كل شيء، وينصحنا الشاعر والفيلسوف الروماني كريتيوس أن لا نندم على موت لا مفر لنا منه عندما يحين الوقت إلى التقاعد على هيئة ضيف يشعر بالتخمة على وليمة الحياة !

هذا التشبيه لا يتعلق بشعور الشبع فحسب، إنما يشير إلى أمر آخر ! تشبه الوجبة الجيدة القصة فمثلًا، تأتي الأطباق في الوقت المناسب، وننتقل من طبق إلى الآخر بشعور يصاحبنا ينم عن الملائمة والحتمية بأن لا نفر خلال ذلك، ولا نتناول الحلوى في البداية، ولا نتوقع الحساء في النهاية .

بطريقة مماثلة ، يفرض علينا الأحياء قصة أخرى كإطار يسمح لنا بالارتجال من خلال مسار حياتنا بدءًا من سن البلوغ، وسن الإنجاب، وسن التقاعد، إلى أرذل العمر، وعوضًا عن تحرير أنفسنا من قيود أجسادنا المصيرية – عبر التخلص من سلسلة حياتنا العضوية والمحدودية التي تتفق معها – ، نجد أننا ندمر إطارنا المرجعي من أجل تنظيم حياة ذات معنى .

على غرار ذلك ، يقول جيف مالباس بأن أي كائن خالد سوف يفتقر إلى التماسك الحيوي والعضوي وذلك يعني بأنه لم يعش حياة رائعة حقًا؛ إذ أن العيش بشكل رائع يعني أن تعلم كيف وصلت إلى ما أنت عليه ، وأن تعلم ما تصبو أن تكون عليه مستقبلًا.

يمكن القول بأننا نحن كذلك بحاجة إلى الشعور بأن حياتنا يمكن أن يتم احتواؤها داخل إطار عام من أجل أن نتمكن من رواية قصة عن أنفسنا .

يدعي مالباس بأن القصة التي لا تنتهي ليست قصة بقدر ما هي سلسلة لا نهائية من الأحداث ولا أحد يود أن يعيش في مسلسل لا ينتهي , أليس كذلك ؟

حسنًا ، ربما تود أنت العيش في مسلسل لا متناهي لأن فكرة الحياة الأبدية لا زالت مغرية ومثيرة بالنسبة إليك رغم كل تلك المشاكل .

وفقا لسيمون دي بوفوار:

يتصور الجميع موتهم كحادثة، أو كشيء غريب وغير متوقع ! وكما ارتأى تولستوي بموت إيفان إيليتش فإنه لمن المناسب بأن يموت الجميع ولكن المثير للرهبة هو أن أموت أنا !

كذلك ، رأى سقراط الفلسفة بمثابة تدريب للموت ، ولكن التكنولوجيا الحديثة دفعت بالفلسفة إلى تكريس واعتناق إمكانيات جديدة من أجل أن نعيش بشكل أطول، وربما قد لا يرى شيء من ذلك الضوء على الإطلاق .

نحن بالفعل نعيش فترة أطول مما كانت تفعل الأجيال السابقة، وقد لا تؤتي توقعات طول العمر الهائلة والملقاة على عاتقنا من قبل المستقبليين بثمارها.

إلى حين أن يحدث شيء من ذلك ، فلنكتفي بما تبقى من نصيحة سيدوري لجلجامش :

” أما أنت يا جلجامش فاجعل بطنك مملوءًا ، وكن فرحًا مستبشرًا ليل نهار ، وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك ، وارقص والعب ليل نهار ، واجعل ثيابك نظيفة زاهية ، واستحم في الماء ، واغتنم الطفل الذي يمسك بيديك ، ودلل الزوجة التي بين أحضانك، وهذا هو نصيب البشر “

 

 

عن سارة الجريوي

mm
مترجمة من السعودية .. فتاة تؤمن بأن الكتاب يصنعون أدبا قوميا ، بينما المترجمون يصنعون أدبا عالميا لذلك هي تترجم .

اترك تعليقاً