الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : قصة من الأدب التركي “القرية مخنوقة الثياب”

ترجمات خاصة : قصة من الأدب التركي “القرية مخنوقة الثياب”

16467234_1394761213878520_1443996037_n

 إذا شرحت كل شيء الآن سوف تفهمون ، أنا واثق من ذلك .

أصلُ الحادثة وقعت في قريتنا ، مدير المدرسة ، أقصد مدير المدرسة المتقاعد المعزول ، جاء في وقت الظهيرة موصّلًا حبل الكرناب في يد ، و في اليد الأخرى كان يحمل الكرسي ، كان يحدق في الجزء الأعلى من حقول الحنطة المستلقية على الأرض و تحفها أشجار السنديان ، وضع الكرسي الخشبي في المكان و جلس ، مسك الحبل الذي في يده و طرحه أمامه ، استخرج صابونًا من جيب سُترته ، طلى به الحبل . صنع مِعلاقًا  بديعًا من حبل السنديان المطلي بالصابون ، الفلسفة الجمالية التي أظهرها في صنع المعلاق تجعلك تظن أنه قد تلقى تمارين مكثفة في هذه المهنة في دولة إيران .

أدخل الحبل الذي جهّزه في رقبته ، تأكد من مقاسه من الأمام و الخلف ، تجول عدة مرات حول الشجرة لكي يربط الطرف الآخر من الحبل عليها ، اجتهد جدًا في تحديد أنسب فرع ليربط الحبل عليه ، أخيراً وجد الفرع الذي سيربط فيه الحبل ، لكن كان طرف الحبل لا يدخل في فرع الشجرة .

أطفال القرية الذين وقفوا يركلون كرة قديمة لا قيمة لها ، عندما وقعت أعينهم على المعلم المتقاعد و هو يحاول ربط الحبل الذي في يده على فرع الشجرة ، ضحكوا على هذا السلوك المُشين . أستاذنا المتقاعد ، مدير المدرسة سابقاً ، نادى الأطفال و أخبرهم بأنهم إذا ربطوا الحبل  على فرع من فروع الشجرة سيدفع لهم نقوداً . تسلق الأطفال الشجرة بسرعة كما القرود ، وضع الأستاذ كرسي الخشب تحت قدميه ، فتح الأطفال الحبل الذي ربطوه على فرع الشجرة ، فتحوه فتحة بمقاس حلق المعلم المتقاعد ، و من ثم طلب منهم أن يربطوه بشكل مشدود ، وزّع عليهم كل النقود التي في جيبه ، فرِح الأطفال .

اختفى الأطفال من الأنظار و هم يركلون الكرة المتهالكة ، صعد  المعلم المتقاعد على الكرسي الخشبي ، وصّل الحبل بحلقه ، ثبّته من خلف عنقه ، رفع بنطاله إلى أعلى الخصر ، شدّ حزامه ، زرّر سُترته ، جاذب الكرفتة يمينًا و يسارًا ، ربطها في مكانها أخذت رئته عدة أنفاس من هواء القرية الذي برائحة المسك ،  الكرسي الخشبي الذي تحت قدمه دفعه إلى الخلف . و بعد برهة من الزمن بينما كان جيرانه من الأطفال يعودون من المدرسة ، عندما نظروا إليه عرفوه مباشرة . صوّر الأطفال الأستاذ المتقاعد بالهاتف الذي كان معهم ، و بعد فترة ليست طويلة نشروا الصورة على الإنترنت ، و من ثم كالعادة جروا إلى منازلهم لكي يخففوا من وطأة جوع ما بعد المدرسة .

واحدة من زوجات المعلم المتقاعد ذهبت إلى السبيل لأخذ الماء ، و عندما وقعت عينها عليه عرفته فورًا ، و بنشاط عال جاءت تحت شجرة السنديان ، أخذت الكرسي الخشبي الذي يوجد تحت قدمي المعلم المتقاعد ، جلست عليه ، بكت بسبب الخطأ الذي ارتكبه المعلم ، عرفت حزنه الشديد ، أخذت الكرسي الخشبي ورجعت به إلى البيت . أمطرت الزوجةُ الحياة بوابل من الشتائم البذيئة .

في زمن عودة البهائم من المراعي ، تجمع قطعان الضأن تحت شجرة السنديان بعض البهائم وقعت على قدم المعلم المتقاعد ، شمت فردة حذائه ، جاء الراعي الضأن ،  بعد أن طرد الضأن فتش جيوب المعلم المتقاعد بصورة محكمة ،  أخذ حذاء المعلم المتقاعد و لبسه ، و من ثم جرّد المعلم المتقاعد من كل ملابسه ، ابتداء من الشراب و انتهاء بالسُترة ، أدخل كل الملابس داخل السُترة ، أدخل حذاءه المطاطي في جيبها ، علقها في مقدمة عصاه و توشحها . و من ذلك اليوم تُجلب الضأن كالعادة إلى القرية .

عندما غربت الشمس ، العربة ذات البرميل المسطح التي يجرها الحمار ، كان برميلها فارغًا عندما دخلت تحت شجرة السنديان ، نزل شخصان من العربة ، و بما أنهما تعرّفا على المعلم المتقاعد تساءلا فيما بينهم عن سبب الحادث ، لقد حزنا جدًا من أجله .

و مباشرة فكّرا….. أنزلا البرميل من مكانه ، أدخلا العربة تحت قدميه ، واحد منهم قام برفع قدم المعلم المتقاعد ، و الآخر أخرج الحبل من عنقه ، الأول أبعد العربة منه قليلاً و من ثم سحبها إلى مكانه ، الصبي صعد  الشجرة و قام بحل الحبل ، حلّ حبل الحمار القديم و بدّله بحبل المعلم المتقاعد الجديد ، ثم ربطا البرميل جيدًا بما تبقى من حبل .

تجمع أطفال القرية مرة أُخرى و جاءوا يتقاذفون بالحجارة ، الكلب الصغير الذي كان معهم بينما كان يشمشم عثر على جسد ، صاح الأطفال في كلبهم الصغير لكي يأتي إليهم لكن دون جدوى ، وضع الكلب رأسه في بطنه ، و نظر إلى القرية من على البعد بعينيه السوداويتين .

الآن كبُر الكلب ذي العينين السوداويتين ، خرج من القرية المظلمة ، أخرج جثة من بيوت الناس بصياحه ، لذلك السبب امتلأت كل طرقات القرية بملابس الأموات ، ملابس الموتى في حالة تسرب و انتشار من أبواب المنازل و نوافذها ، لدرجة أن السراويل ، البناطيل، و أيادي السُترات ، كلها تلتف بأرجل و أيادي القرية مثل الثعبان . لا يمكن أن يمر شخص بمفرده طرقات القرية حالكة السواد ، كأن  زوايا الطرقات ، كل الزوايا حالكة السواد تبعث الثياب .

إذا نظرنا إلى الذي ذكره  بعض الشهود ، في مكان رأس ذلك الكلب نجد مكان رأس المعلم المتقاعد ، شباب القرية حتى الصباح لم تذق عيونهم مذاق النوم ، ظلوا يتجولون بحثاً عن ذلك الكلب ، و من أجل القبض على كلب القرية ، حتى الذين وضعوه في حظيرتهم كانوا واثقين أنهم سيفقدون ملابسهم ، يكفي عندها أن تعود القرية إلى حالتها القديمة .

 أنا الآن أيضاً سأذهب برفقة الرجال المسلحين ، لنبحث عن ذلك الكلب الذي له رأس إنسان  .

 

عن محمد أحمد محمد إسحق

mm
كاتب سوداني ومترجم عن الانجليزية والتركية .

تعليق واحد

  1. Aaaah ce sac… il restera dans mes rêves, mais c’est beau de rêver ?!

اترك تعليقاً