تقسيم سوريا

cdfb5571ac3de29b59125a1197268a33
سوريا هي واحدة من الدول العربية التي طالها التغيير، وإن كانت تُمثل المشهد الأكثر دمويةً وعنفًا في الثورات العربية، حيث بدأ الأمر باحتجاجات صغيرة في 15/3/2011 في مدينة دمشق بدعوات مسبقة قبل ذلك بأسابيع، لكن الأمن اعتقل المتظاهرين جميعهم، ثم مظاهرة أخرى في اليوم التالي شارك فيها أكثر من مئة شخص مطالبين بالإفراج عن معتقلي المظاهرة الأولى، وفي 18 آذار خرجت مظاهرات حاشدة في خمسة مدن سوريا، هي درعا وحمص ودمشق ودير الزور وبانياس تحت شعار جمعة الكرامة، واستمرت المظاهرات بشكل دوري وتحولت إلى اشتباكات بعد ذلك، فقد أعطي الجيش السوري دورًا يقضي بفرض النظام والأمن بقوة السلاح مما زاد من حدة الاحتجاجات الداخلية، ومن استياء المنظمات الحقوقية، حيث أطلق الجيش السوري عمليات واسعة في مدينتي درعا ودوما، إذ اتهمت منظمة العفو الدولية الجيش بارتكابه ما قد يرتقي إلى جرائم ضد الإنسانية، توالت حملات الجيش السوري لتشمل مدن عديدة بأنحاء سوريا، من جانبه فقد اتخذ النظام السوري مجموعة من القوانين والقرارات التي تهدف إلى إصلاح الواقع السياسي للبلاد، ورفع مستوى الحريات، منها إعلانه في 7 نيسان/ابريل2011 منح الجنسية للمواطنين الأكراد في سوريا، وكذلك في 14 من نفس الشهر شكلت حكومة جديدة للبلاد وتم إلغاء قانون الطوارئ المعمول بها منذ 1963، وأعلن عفوًا عامًا عن المعتقلين السياسيين جميعهم بما فيهم جماعة الإخوان المسلمين.

      إنَّ التغيير في سوريا تعيقه عوائق عدَّة منها ما يتعلق في المجموعة القائمة على النظام في سوريا، بما يمتلك من أدوات الإكراه المادي، والإمكانات السياسية والاقتصادية، والعائق الآخر يتمثل بالقوى الدولية والإقليمية التي لا تؤيد التغيير في سوريا وترى له تأثيرًا سلبيًا عليها كروسيا والصين وإيران، ومن جهة أخرى فإن الأزمة السورية كانت ولا تزال تثير الكثير من الجدل والنقاش في الأوساط السياسية والأكاديمية حول أسبابها وتداعياتها على الأوضاع الداخلية في سوريا وعلى الأوضاع الإقليمية والدولية، ويعود هذا الجدل لأسباب عدة:

أولاً:

      إنّ العنف في سوريا وصل إلى مستويات عالية، واستخدمت فيه الأسلحة المحرمة دوليًا، كالأسلحة الكيماوية، والبراميل المتفجرة، وان معظم ضحايا هذا العنف هم المدنيين، فضلًا عن اتسام هذا العنف بالفوضوية، فهو مشخص بين عدة جماعات تمارس العنف، وهي جماعات في اغلبها غير معروفة الهوية، وغير معروفة الأهداف مما يعطي الانطباع بأن سيناريو ما بعد الأزمة قد يكون أسوء بكثير من الأزمة نفسها، كما حصل في أفغانستان سابقًا وفي ليبيا حاليًا.

ثانيًا:

إن الأزمة أصبحت بفضل الدور الإيراني فيها متداخلة مع أزمات ساخنة أخرى كالملف النووي الإيراني، والأزمة العراقية، والأزمة اليمنية، بحيث أصبح من الصعب الفصل بينهما لدرجة تدفع بالاعتقاد أن حل الأزمة السورية ربما يمهد السبل لإيجاد حلول لهذه الأزمات.

ثالثًا:

      إنّ دخول تنظيم الدولة الإسلامية على خط الأزمة قد خلق تضاربًا في رؤية القوى الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة، بحيث انقسمت هذه القوى على فريقين:

الأول:  يرى أن رحيل نظام الأسد يسهل الطريق للقضاء على هذا التنظيم، باعتبار أن هذا النظام هو الذي سهل وجوده في سوريا والعراق، وهذه هي رؤية الولايات المتحدة الأميركية، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية خاصة دول الخليج.

الثاني: يرى أن الأولوية هي في محاربة التنظيم، وأن بقاء نظام الأسد هو الضامن لذلك، وهذه هي رؤية روسيا والصين وإيران والعراق، وهذا بالطبع عقد إلى حد كبير من سبل تسوية الأزمة.

رابعًا:

      إنّ أخطر ما في الأزمة السورية ربما يكون في مرحلة تسويتها وزوال العنف فيها، فرحيل الأسد وقيام نظام تتولاه الجماعات المسلحة قد يكون البداية لعنف جديد، لكون هذه الجماعات غير موحدة ومؤتلفة، وبقاء الأسد مع قوى المعارضة في الحكم لا يعني إطلاقًا نهاية للأحقاد بين الفريقين، خصوصًا بعد أن وصل مستوى العنف إلى الكارثية كما اشرنا، واصطبغ باللون الطائفي، ومن ثم فأن تسوية الأزمة قد تتطلب تدخل مؤسسات دولية مهمة، بتحويل الصراعات المسلحة، بمعنى جعل الأطراف التي تصارعت ومارست العنف تتقبل بعضها البعض وهو أمر قد يستغرق وقت طويل.

      تتمحور إحدى نقاط النقاش الرئيسة، حول النظام السياسي الأمثل، الذي من شأنه أن يحافظ على تماسك سوريا. ففي ظل انقسام سوريا إلى شمال شرقي غني بالنفط، وجنوب حظري، ومناطق شمالية حيث تنظيم الدولة الإسلامية يتمتع بتواجد كبير، وساحل تهيمن عليه الأقلية العلوية، ثمة قلق فعلي من أن تترجم انقسامات سوريا نفسها إلى انهيار للدولة في حال سقطت الحكومة المركزية. لذا، بحث البعض على الساحة الدولية في فكرة تطبيق نظام سياسي يستند إلى التمثيل الطائفي، كوسيلة لحل الصراع السوري، بيد أن النموذجين اللبناني والعراقي اظهرا بوضوح أن هذه الطريقة لحل الصراع على المدى القصير تؤدي إلى صراعات طويلة الأمد مستقبلًا.

      تستند فكرة التقسيم من الوقائع الراهنة الحالية في سوريا، والتي يشير إلى تشكل عدد من الكيانات: أولها كيان يسيطر عليه الجيش الحر في جنوب البلاد في درعا والقنيطرة. وينازع فيه النظام على السويداء. والثاني كيان يضع عليه نظام الأسد يده، يمتد من دمشق عبر الطريق الدولي ليشمل حمص وحماه، فضلاً عن طرطوس واللاذقية. والثالث كيان يمتد ما بين إدلب وحلب، وتسيطر عليه المعارضة. والرابع كيان يسيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية، ويمتد عبر الريف الشرقي لحلب وحماه وحمص إضافة إلى دير الزور وبعض من الرقة والحسكة. والكيان الخامس تسيطر عليه وحدات الحماية الكردية المتحالفة مع قوى من الجيش الحر شاملًا أجزاء من محافظتي الحسكة والرقة.

       وسط هذا التقسيم القائم واقعيًا، يتم الحديث عن تقسيم سوريا. إذ أن هذا الحديث واقعي أكثر مما هو رسمي، لسببين: أولهما أن الأزمة السورية متصاعدة كون التوازنات السياسية – العسكرية غير مستقرة وخاضعة لتغييرات سريعة، وفي ظل احتمالات تغيير في موقف القوى الإقليمية لاسيما السعودية وإيران في موضوع الأزمة السورية. والسبب الثاني المتمثل في عدم وجود قرارات دولية حول مستقبل سوريا(1) .

ــــــــــــ

(1) فايز سارة، تقسيم سوريا بين الوقائع والأفق المسدود، مجلة الشرق الأوسط، العدد 13361، 28/6/2015 .

 

عن زهراء غازي

mm
ماجستير في العلاقات الدولية من كلية العلوم السياسية ، جامعة بغداد . باحثة في العلاقات الدولية . محللة ومترجمة . قارئة و شغوفة بالمعرفة والعمل . مهتمة بالسياسة والعلاقات الدولية ، الفلسفة والفكر الغربي .

أضف تعليقاً