زوجة التاجر

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

 

• تأليف : كارلو كاسولا
• ترجمة : صابر محمود

أنت تعرف زوجتي، تلك السيدة الطيبة التي لا تضايق أحدا. إنها أشبه بالقطة، تسير دائما خلفي دون أن تقول شيئا. كنت عندما أشرع في القيام بأحد أسفاري، ووسط الارتباك الذي ينتابنا دومًا في مثل هذه الأحوال، وبينما أبحث عن شيء هنا وأخر هناك، وأقلب جيدًا في رأسي إذا ما كنت قد نسيت شيئا، كنت أجدها أمامي مثل القطة تجلس علي ساقيها الخلفيتين، تنظر إليَّ، وبعينين دامعتين تريد أن تقول: “أعطني ولو نظرة!، انظر كم أعاني بسبب رحيلك!” آه! كان شعورها بالمعاناة واضحا، كنت أداعبها قائلا: “اهدئي! تماسكي! إنه أمر عادي”، ثم أعود من جديد منشغلا بأمر رحيلي.

والشيء نفسه – أقصد العكس – كان يحدث عند عودتي. وبينما أنا مشغول ساعتها أيضا في تفقد بضائعي ومحاسبة الحمالين أو معاقبة الخدم الكسالى، كنت أجدها أمامي فجأة بعينين باسمتين وكأنها تقول (دون أن تتحدث): “هاأنذا! كم أنا سعيدة لرؤيتك من جديد يا بيترو يا حبيبي!”

هكذا كانت الحياة جميلة ساعتها يا سيمون، كانت زوجتي مرحة مثل جرو صغير. لم أكن أعيرها اهتماما كبيرا؛ لأننا نحن التجار – كما تعلم – لقد خلقنا هكذا، لا يشغل بالنا سوي أعمالنا. لكني في النهاية كنت أفطن إليها و إلي كم كانت مغرمة بزوجها بيترو. كان عليك أن تراها حين كنت أعود، كانت تشع سعادة من كل جوارحها.

أما الآن وقد مر بنا الزمن، وحتى لا أطيل عليك صديقي العزيز، فإني عدت ذلك اليوم من رحلة عملي المعتادة؛ ومن يدري لماذا شردت للحظة؟! فقد تجولت في المنزل ولم أرها، فصحت حينها عاليًا: “روزوتشا!” فأتت علي الفور طائعة. نظرت إليها جيدًا وقلت: ” أنت مريضة يا روزوتشا!” أشارت بالنفي، فقلت لها: ” ولكنك مريضة بالفعل. انظري كم أنت متعبة… إنك شاحبة وعيناك غائرتان”.

هزت رأسها وهي تعض شفتيها، وعندئذ أدركت كل شيء فتعجبت في داخلي: ” يا إلهي! يا لي من أحمق! إن هذا لا علاقة له بمرض. إن زوجتي الوديعة قد ذبلت، نعم لم تعد ذات العشرين عامًا. إنها حزينة والكل يعلم هذا، فهي لم تعد بعد شابة. قلت لها: “روزتشا! ألا تذكرين حينما كنت أعود من سفري منذ زمن، كم كنت سعيدة، كنت تظلين أمامي باسمة تنتظرين أن انظر إليك، كنت مثل جرو صغير مرح. افعليها ثانية يا روزوتشا! لماذا لا تعودي إلي فعلها؟ لماذا هذه المرة لا؟ ألا ترين أني عدت؟ وأننا سنقضي سويا الشتاء كله؟

وفي هذه اللحظة جرت لتختبئ في الغرفة المجاورة. أما أنا فلم أتبعها حتى لا أحطم فؤادي برؤيتها تبكي. يا له من شعور بالأسى يا صديقي الطيب قد أدخلته عليّ ذكري الشباب ووجهها الباسم وموقفها المرح! كم أود أن اجعلها تعود كما كانت، تعود شابة، لا من أجلي ولكن من أجلها هي. إن قطتي عجوز مريضة. آه يا سيمون! يا للأسى! يا للأسى! كم يود كل منا أن يغير حياة الأشخاص الذين يحبهم! وإنه ليتجرع الألم حين يراهم يشيخون ثم يختفون. يا له من كنز للطيبة نخفيه في أعماق قلوبنا – مهما قيل عكس ذلك – ولا نستطيع أن نخرجه بأي وسيلة! كم للحياة من جوانب محزنة!

روائي وناقد إيطالي (1917 – 19877)

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

2 تعليقان

  1. This is like the twitter version of a soap opera.

  2. I’ve been surfing online more than 3 hours as of late, yet I never found any fascinating article like yours. It is lovely price sufficient for me. In my view, if all web owners and bloggers made just right content as you probably did, the internet might be much more helpful than ever before.

اترك تعليقاً