صوت البحر

14808824_1587819017910335_761067435_o g

 

 

•تأليف : البرتو مورافيا
•ترجمة : عدنان محمود محمد

أبي يضربني وخصوصا أثناء الطعام، على الطاولة، المكان المخصص للخلفات العائلية. يصفعني، ليس لأني أعارضه، بل على الأخص لأني أعارضه بحق وهو لا يريد أن يعترف به.
أبي أرمل وأنا وحيدته. كنا نعيش وحيدين خارج التعقيدات المتوسطة لعائلة حقيقية. وقد أطلقنا، نحن الاثنين، العنان لأحاسيسنا وعواطفنا دون أن تحدها حدود. أنا أطلقت العنان للكراهية وهو للشهوانية. يا إلهي كم هو كائن شبق؟ آه أنه يخفي شبقه! لا، بل إنه شهواني علناً وبلا أدنى شعور بالحياء. عمره ناهز الستين ومازال يستقدم فتيات الهاتف إلى شقتنا (أراقب قدومهن عبر شق في باب غرفتي أو أني أختبئ كما في هذه الأيام). يعتدي على شرف خادماتنا حتى يضع أيديهن في مكان ما أثناء إعداد المائدة. يحاول التحرش بصديقاتي، إذ يسارع إلى فتح الباب عندما يأتين إلى زيارتي. ليس لدّي ما أسجله ضد الجنس. ماذا تتخيلون؟ ولكن بالمقابل، إني ضد الجنس عندما يسطو على عقول الناس. أبي مسمم بالشهوانية كما يسمم الكحول الناس. وأبي يتحلى بشيء، يتحلى به السكير، وهو طيف أحمر في أسفل جبهته وعلى خديه الضخمين وأنفه المليء بالفقاعات وذقنه المستدير كدوق. هذا الرجل فوق الشهواني كاذب أيضاً. يكذب بوقاحه لا تصدق وعندما أكذبه فإنه لا يتورع عن ضربي، كما أسلفت، بيده الحمراء الغليظة والقصيرة والمزينة بخاتم ضخم عليه شعار النبالة (آه نعم، إنه يتمسك كثيراً بنبالة ريفية مضحكة وغامضة). يناولني صفعة تؤلمني أشد الإيلام وتذلني. ويضاف إلى ألم الصفعة، الألم الحاد الذي يحدثه الخاتم. مع ذلك لا أبكي ولا أغادر المكان. أحني رأسي على طبقي وأتابع كلامي عما أفكر فيه، ربما بخبث أكثر. عند ذلك ولكونه حساس يبدأ بذرف الدموع ويتمتم أنه يحبني ويسألني عن مآخذي عليه … إنه يثير شفقتي لكن هذه الشفقة لا تفعل سوى أنها تجعلني متحجرة القلب فأجيبه: “مآخذي أني لا أستطيع أن أتحملك لأنك خنزير وإنك مصدر عاري.”
كانت النتيجة الرئيسية لهذه العلاقات المحزنة بيني وبين أبي أن الشبان الذين من عمري لم يُقبِلوا عليّ في حين أن الرجال الناضجين وحتى المسنين طالما أثاروا إعجابي. طبعاً أنا لا أقصد ميولاً هي مجال عمل المحللين النفسيين، فالميل عندي واعٍ. أعرف تمام المعرفة أني أفضل الرجال المسنين نوعاً ما لأني أجد فيهم الأب الذي ينقصني. قد يعترض أحدكم ويقول إنه ليس من الضروري النوم مع رجل يقوم مقام الأب وإن الصداقة يجب أن تكفي. طيب، لا أعتقد ذلك، على الأقل فيما يخصني. العلاقة الوحيدة التي يمكنها أن تحل محل علاقة الأبوة هي العلاقة الجنسية، أما الصداقة فإنها تبقى شيئاً آخر مهما كانت عميقة، تبقى شيئاً مصطنعاً إلى ما لا نهاية وأكثر من العلاقة بين الأب وابنته. من ناحيه أخرى، ليست العلاقة بين الأب وابنته دائماً علاقة صداقة كما يظن كثير من الآباء والبنات.
انتهينا، لن أسهب في الكلام عنها بعد الآن. بعد ثلاث أو أربع قصص افتتان برجال كان مقدراً أن يكونوا لي أباً (سرعان ما اكتشفت أنهم غير قادرين على ذلك) وقعتُ أخيراً صريعة حب أحد الرجال. كان قد بدا من كل النواحي موافقاً للفكرة التي آمنت بها طيلة سنوات الأخيرة عن الأبوة.
إنه رجل أعمال، شخص يتعامل، كما يقولون، بالأمور الاقتصادية. كان سيء السمعة، عديم الوجدان، متآمراً. كان مضحكاً إلى أبعد حدود الضحك، جسمانياً (كان طويل القامة، نحيلاً، متطاول الوجه، قاسي الملامح، وكأنه قُدَّ من خشب عتيق). خلقياً: كانت صفة واحدة تكفي لوصف علاقاته – على الأخص معي: لقد كان رجلاً زاهداً.
الناس جميعاً سمعوا بالزهد في الدين ولكن يبدو أنه يوجد زهد في مجالات أخرى أقل روحية من الدين لكنها تشبهه في المنع. ورغم أن القول في ذلك يبدو متناقضاً ومضحكاً فقد كان هذا الرجل زاهداً في المال.
لم أفهم أبداً إن كان التحكم المطلق الذي يفرضه على أحاسيسه كان عائداً إلى سنه أو إلى تجربته أو إلى النظام القاسي الذي يفرضه على نفسه لكي يكرس جهده كلياً لأعماله. ربما الثلاثة معاً. الشيء الذي كنت واثقة منه هو أن حبه لي كان بعيداً وموضوعياً وثاقباً. الأمر صعب التفسير: ففي كل مرة ينظر إلي ينمو لدي انطباع بأنه يراني تماماً كما أنا دون أن يضفي عليَّ شيئاً من المثالية ودون أن يجملني كما يفعل كل العشاق عادة. وهذا الأمر لم يمنعه من أن يعبر عن حاجته إليّ، فقد اقترح عليّ عدة مرات أن أهجر أبي لأعيش معه. ولكني كنت أعلم، في الوقت نفسه، أني لا أخطر بباله ولو للحظة واحدة عندما لا أكون موجودة أمامه. كان يحبني، هذا مؤكد، لكن حبه ممتزج بالواقعية والعدائية واللامبالاة لرجل خبِرَ كل شيء وهو يعرف أنه سيعيش من جديد -ربما مع بعض التغير- ما كان قد عاشه ورآه من قبل.
عديم الوجدان، نصّاب، مقامر. ذلكم هو عشيقي. ذات يوم غامر في مضاربة في منتهى الخطورة فأفلس. وبما أنه مشهور جداً فقد علمت بالكارثة حتى قبل أن يُطلعني عليها وأنا أقرأ تحت عنوان “الاقتصاد” في إحدى الجرائد اليومية. هرعت إليه لأجده كما هو دائماً بعيداً، هادئاً، بارداً ولكن بشكل غير طبيعي ولأول مرة.
حزم حقائبه، ظننت في البداية أنه سيهرب بدوني. طمأنني بسرعة قائلاً إن اللحظة قاسية وأنه ينوي أن يبدأ من جديد وبسرعة وبانتظار ذلك اقترح عليّ أن أقوم معه برحله. وهكذا ستكون امكانية التفكير والاعداد لعودته. تخيلت مباشرة مكاناً لقضاء العطلة مثل كابري أو الشاطئ اللازوردي ولكن ما إن وقع بصري مصادفة على بطاقتي الطائرة الموضوعتين على الطاولة والمؤشرتين “تاهيت” حتى فهمت.
ودعت أبي الحقيقي حسب الدم وانسحبت مع أبي الوهمي حسب الجنس. في الطائرة، جلسنا متجاورين، هو برأسه الجميل، رأس قديس المضاربة في البورصة، رأس مستقيم وذكي. وأنا منحشرة به، منقطعة إليه طيلة ساعات الطويلة والمضنية. نتناول معاً وجبات الطائرة، وننام معاً تحت غطاء الطائرة، وننظر معاً إلى الغيوم الكبيرة التي تنقلنا فوقها الطائرة بسرعة فائقة إلى تاهيتي.
كنت أحبه. لم أحبه في حياتي كما في تلك اللحظات. وأدركت أن من الأسباب التي ضاعفت حبي له هو أنه يحافظ على برودته تجاه الكارثة التي كان يعيشها. طالما حلمت بأن يكون لي أب مثله وها قد حصلت عليه.
وصلنا إلى تاهيتي صباحاً. ما كدنا نخرج من المطار حتى أحاطت بنا التاهيتيات اللواتي أتين ليرقبن قدوم السياح ومغادرتهم. أحطن عنقينا بعقود من الأزهار. كنت محشورة به، سعيدة كما لو أن النسوة أعددن هذه الأزهار خصيصاً لنا، رغم أني أعرف أن السياح جميعاً يملكون الحق فيها… ذهبنا لنقيم في فندق على شاطئ البحر مكون من أكواخ على الطراز البولينيزي، غائض بين الأزهار والأشهار الأستوائية الكبيرة. وبدأنا نعيش حياه العشاق الهادئة.
في الصباح كنا نذهب للسباحة في البحر الذي يحيط بالجزيرة. بعد الظهر، كنا نقوم بنزهات في السيارة ونتوقف في الأماكن الأكثر جمالاً. الشيء الذي كنت أفضله على أي شيء آخر هو أن أتمدد على الرمال لكي أسمع هدير الأمواج الأبدي والدائم، عندما تتكسر على الرصيف المرجاني هناك حيث ينتهي البحر.
في البداية، بدا لي الصوت بالكاد مسموعاً، وحيد النأمة، مصنوعاً من علامة وحيدة وعميقة، يتكرر إلى ما لا نهاية. فيما بعد. صرت أسمعه طيلة النهار وبدأت أسمع علامات أخرى وأصواتاً متناوبة، رغم أنها كانت تتكرر باستمرار، كانت تشكل كلمة “حب”. كان البحر بصوته الغامض والمقنع والطاغي يكرر هذه الكلمة الوحيدة منذ الأزل وكنت الوحيدة في العالم كله التي اكتشفت هذه الكلمة.
إني أروي هذه الأشياء فقط لأعطي فكرة عن سعادتي. كنت سعيدة لدرجة أني ذات يوم انسقت تماماً للمسارَّة وقلت لصديقي الذي كان يجلس بجانبي صامتاً كعادته أني أسمع في هدير الأمواج، أسمع كلمة، كلمة واحدة، وقلت تلك الكلمة. بالكاد ابتسم بطريقته الباردة والسمحة ثم قال بأنه يريد، هو أيضاً، أن يسمع هدير الأمواج ليرى إن كان سيكتشف كلمة. سرعان ما اتخذ وجهه التعبير المنتبه لشخص يصيخ السمع بكل جوارحه. قال لي بعد وقت قصير إن الأمواج تلفظ كلمة مختلفة عن الكلمة التي قلتها. أيه كلمة؟ هز رأسه ثم اجاب مرعوباً: “مختلفة”.
عدت إلى سماع المحيط وهو يردد هذه الكلمة برتابة قاتلة تعود إلى ما قبل التاريخ. عند ذاك نهض وهو يقول بأنه ذاهب ليهتف لبابيت ليطلب السيارة التي سنستخدمها بعد الظهر في نزهتنا.
لابد أن غفاءتي طالت حوالي نصف ساعة عندما أحسست بشخص يهزني من ذراعي، فاستيقظت لأرى خادماً تاهيتياً منحنياً عليَّ وهو يبتسم (هؤلاء الناس يبتسمون لأي كلمة يقولونها) أخبرني أن صديقي انتحر للتو: اطلق رصاصة إلى قلبه عندما كان في مقصورة الهاتف وخّر صريعاً على الأرض تحت الجهاز.
بعد زمن عدت إلى إيطاليا حيث استعدت حياتي مع أبي الحقيقي. أصبحت أكثر نعومة وتفهماً. وأعتقدت أني لن أبحث عن أب آخر، إذ لا يمكن للمرء أكثر من أب واحد في وقت واحد. والأب الذي وجدته بقى هناك في مقبرة تاهيتي. ربما، أقول ربما، انتهي بالزواج من شاب من عمري، يدَّعي أنه يحبني، يحبني! ليس المهم أن يكون الإنسان محبوباً، بل المهم أن يحب. وأنا، سوف أبقى طيلة حياتي ممتنة لزاهدي في المال لأنه محبوب من قِبَلي، ومن يعلم، دون أن يحبني.
ما أريد ان أعرفه هو تلك الكلمة المختلفة عن كلمتي والتي سمعها في هدير الموج. او بالأحرى أريد ذلك ولا أريده. إنها بكل تأكيد كلمة رهيبة لدرجة أنه، عندما سمعها، لم يبقَ له إلا الانتحار.

كاتب إيطالى

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

2 تعليقان

  1. I live in Sydney and therefore invested in the entire Adirondac buy gucci bags meant for visiting the states in the wintertime. They have grown very apparel and they are generally true to amount. I just cannot think the entire customer service My hubby and i had, . That may be outstanding product, . Thank you To We’re hinting that typically the buy gucci bags plus you site in order to companions.

اترك تعليقاً