الرئيسية / احدث التدوينات / مجلة “جيل جديد” .. مدخل احتجاجي على الحداثة في السودان .

مجلة “جيل جديد” .. مدخل احتجاجي على الحداثة في السودان .

15822362_1261017683967221_1268358264_n
غلاف العدد رقم 47 من مجلة جيل جديد

أحمد النشادر، سارة محمد الحسن، يوسف حمد – مجلة الحداثة – :

من ملصق ورقي بجانب مبردات المياه في الجامعة ببورتسودان، إلى حامل متحرك، ثم إلى وسائل التواصل الاجتماعي كصفحة على “فيسبوك”، ثم إلى مدونة إلكترونية، وأخيراً إلى موقع. هكذا بدأت مجلة “جيل جديد” الإلكترونية رحلتها من النشر الورقي إلى النشر الإلكتروني

قد يحمل اسم “جيل جديد”، لوهلة، الشعور بوجود قطيعة أبستمولوجية مع أجيال أخرى قديمة، وربما يمنح شعوراً بالتمرد ومحاولة “قتل الأب” الفكري، أو قد يرمز إلى تيار حديث يريد أن يفرض هيمنته بحسب عامل الزمن، وربما أن عملية الانسجام مع هذا الاسم هي عملية تفاعل فردي، تعني لكل مشارك معنىً مختلفاً؛ فمجلة “جيل جديد” استخدمت النشر الإلكتروني والوسائط الاجتماعية لنشر أعدادها، كما أن استقطابها للكتّاب الجدد يتم عبر التقاط المشاركات المميزة عبر (فيسبوك)، وهذه ممارسة اتصفت بها أحياناً الأجيال الجديدة، وربما فرض الاسم وجوده لحظة إنشاء المجلة، أو لأن بعض كتّاب المجلة قد تمردوا على الطرق التقليدية في الكتابة في لحظات توق كبير إلى أساليب حديثة ومبتكرة، تشبه تمرد الفتى المراهق على والديه، ثم نجاحه في إيجاد طريق بمفرده، لم يكن سيجده تحت إشرافهم. والمؤكد أن أكثر ما يزعج هؤلاء الشباب هو الجمود الفكري والرفض المطلق للآخر المختلف فكرياً.

حتى الآن، فاز ما يقارب العشرة من كتّاب مجلة جيل جديد بجوائز، أو شهادات تقديرية من مسابقة الطيب صالح للقصة القصيرة، التي ينظمها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي.

منذ البداية، اهتم مؤسس المجلة “راشد يسلم” بالبحث عن الشباب المبدعين الذين يقومون بنشر أعمالهم الأدبية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ تحديداً (فيسبوك). يقول سانديوس النور كودي، وهو أحد المشاركين في المجلة: “إننا نجد أنفسنا فيها كأصدقاء بلا حواجز، مما يجعلنا نحس أن المجلة ملكنا جميعاً”. ولأن المجلة شهرية، وجد هؤلاء الشباب أنفسهم معرضين لضغط شديد، متعلق بإنجاز العمل في وقته، والفراغ من المقالات في وقت محدد.

كانوا يتبرمون في البداية، لأنهم يظنون أن العمل الإبداعي هو تداع حر، لا يخضع لقوانين النشر التي تقيد الكاتب بمواعيد وأوقات انتهاء. بعد كتابة النصوص يتم عرضها على المشاركين ليكونوا بمثابة ورشة لمراجعة النصوص وقراءتها وفق رؤية نقدية.

يقول خالد عمر، وهو، أيضاً، أحد مؤسسي المجلة، إن وجود مكان ينشر ويحتفي بكتابات الشباب لهو مصدر سعادة وفخر، لهؤلاء الشباب، كما أنها تجربة مفيدة لهم، على المستوى المهني؛ فهم يتعرَّفون على أشخاص آخرين مهتمين بالكتابة، ويشبهونهم في تلك التفاصيل الصغيرة التي يتشاركها معشر الكتّاب.

تقدم مجلة جيل جديد المعرفة في قوالب متعددة، فبينما كانت بدايتها بالمقالات والقصص، ثم إضافة حوارات مع كتاب، وتنويع في المقالات الفكرية، السياسية، الاجتماعية، بالإضافة إلى الترجمات؛ ها هي، الآن، تحتضن مشروع لكتاب إلكتروني يتناول موضوعاً واحداً بين طياته، كالكتاب الذي أنتجه محررو المجلة عن الطيب صالح، وآخر عن الثورة، وهو آخر إنتاجهم الفكري. وهنا قد يبرز سؤال في السطح عن المعيار الذي يؤهل الكاتب للنشر في هذه المجلة، وبحسب سانديوس فإن المعيار هو الإبداع، وإن المبدعين دائماً ما يجدون موضع قدم وسط ازدحام الأقلام الشابة والمواهب المتفتحة التي تزخر بها المجلة، كما أنه ليس هناك توجه معين يمكن أن تتصف به المجلة، فقد يحوي العدد الواحد مقالة فكرية تتناول موضوعة ما برؤية محددة، وتجيء مقالة أخرى في العدد ذاته لتتكلم من رؤية مخالفة.

ولأن التطور هو سمة أساسية لكل المنتوجات الإنسانية؛ فإن الكتّاب الذين بدأوا بالنصوص السردية البسيطة الخجولة التي ناءت بحملها دفاترهم المغلقة جيداً، أصبحوا أكثر انفتاحاً على تجارب أخرى، ومعانٍ مختلفة للكتابة والتدوين، فمن السرد الكلاسيكي الذي يعنى بالواقع والتركيز على قضايا محددة، مثل الفئات المهمشة، إلى المغامرة الشعرية ذات اللغة المستغلقة على البعض، إلى مساحات أكثر اتساعاً من الأدب المحلي، فتجارب بورخيس وأنطون تشيخوف وفرانز كافكا ألهمت هؤلاء الشباب، ربما لإنتاج نصوص أكثر غرائبية ووحشية، ربما من الواقع المحلي. يقول سانديوس عن زملائه من كتّاب القصة القصيرة إنهم “مهما عملوا على بعثرة القصة وإدخال أشياء ذات طابع عبثي، إلا أنهم مبدعون؛ لأنهم لم يفلتوا قالب القصة الأساسي من بين أيديهم، وحافظوا على هيكلها”.

يرى مأمون الجاك، وهو أحد الكتاب المشاركين، أن زملاءه ربما أداروا ظهورهم للواقع، وربما يسقطون، أحياناً، في فخاخ الثيمات التي امتاز بها أدب بورخيس وكافكا وتشيخوف، الذين صوَّروا العالم على أنه مزيج من الغرائبية والكابوسية والغموض واللانهائية؛ وعبّروا عن معاناة إنسان ما بعد الحداثة في إيجاد دافع له لمغادرة غرفته والانخراط في هذا العالم الموحش.

بحسب أنطونين آرتو، صاحب مسرح القسوة، فإنه “ليس هناك ما يكفي، أبداً، من المجلات”. أي أن أي رؤية جديدة يحدثها فنان ما، تحتاج إلى مجلة كاملة لشرحها والتعبير عنها، ولذلك فإن (جيل جديد) حسب رأي أصحابها، لا بد أن تكون موجودة، فالفضاء واسع ويجب أن تملأ مساحاته، كما أن كل نص يخلق قراءه، فجيل جديد استطاعت خلق وتجميع قاعدة من القراءة المتباينين في مستوياتهم الثقافية والمعرفية، لكنهم متفقون حول متابعة المجلة وتشجيعها ودعم وجودها.

وقد يبرز تساؤل هنا حول المسؤولية تجاه الكتابة والمسؤولية عنها، فإن كتّاب المجلة أنفسهم يمثلون الخط النقدي الأول لبعضهم البعض، فهم، بكل تجرد وحيادية، يبدون آراءهم لزملائهم، قبل أن يطّلع الجمهور على كتاباتهم، ثم بتوق الكاتب الذي أبدع في كتابته ينتظرون رأي جمهورهم في كتاباتهم، ويشعرون بالرضا حين يجد المنشور تفاعلاً وإعجاباً.

استناداً إلى تعريف المثقف الحديث، كما عرّفه الدكتور حميد الهاشمي في معرض حديثه عن الدور الوطني للمثقف وطبقة الإنتلجنسيا، حيث قال: “طبقة الإنتلجنسيا هي الفئة المتعلمة الواعية والمدركة بالضرورة لمصالح أمتها وبلدها، وهي التي تسعى إلى فرض المشروعات الحضارية التي يؤطرها إنتاج واستخدام التكنولوجيا من جهة، وبإقرار الديمقراطية في البلد، التي تكفل العدالة الاجتماعية وتقود إلى تقدمه… عليه؛ فإن لطبقة الإنتلجنسيا، بصورة عامة، وللمثقف، بصورة خاصة، أدواراً مهمة، ومسؤوليات كبيرة تقع على عاتقه في كل الأحوال والظروف، وتتوزع هذه المسؤوليات بحسب انتمائه والتزامه ومؤهلاته، والفرص المتاحة له، سلماً أم حرباً، وسواء أكان محكوماً بسلطة دكتاتورية، أم يتمتع بحرية مطلقة أو شبه مطلقة للتعبير عن رأيه وممارسة دوره”.

يبرز السؤال هنا عن أحلام التغيير المجتمعي التي ربما تخامر أذهان هؤلاء الشباب وهم ينشرون لجمهور قراء لا يرونه إلا عبر الشاشات الجامدة، ولا يملكون أدنى معرفة عن ماذا يتمحور الإعجاب من قبل أحد القراء بمنشور معين، أو مشاركة أحد المتابعين لنص معين، هم يؤمنون بأن التغيير الذي ينتج من الأدب هو تغيير ذاتي، وأن الأدب الهتافي الذي يستعبد الجماهير ويقودها إلى مصير مشترك قد انتهى عصره، وربما يشعرون أن أكبر تغيير مجتمعي يمكن لهم إحداثه هو إعادة الناس إلى القراءة في مواقع التواصل الاجتماعي، التي اتسمت بطابع الأحاديث الشخصية عبر غرف الدردشة والعلاقات الاجتماعية.

حتى الآن، ربما تجاوزت مجلة جيل جديد لعنة العدد الخامس الأسطورية، التي تقول إن أي مجلة تتجاوز العدد الخامس قد تكتب لها الاستمرارية، فقد قامت بإصدار ما يزيد عن الأربعين عدداً، ويعزو محررو المجلة استمرارها لسبب وحيد، وهو أنه لا يوجد توجه فكري أو سياسي محدد للمجلة، وأنها تعمل على استيعاب كتّاب مختلفين، من مدارس فكرية مختلفة في كل مرة، ورغم مواجهتهم بعض المشاكل التقنية التي جعلتهم يتوقفون عن النشر لمدة ثلاثة أشهر ويفقدون محتوى موقعهم الإلكتروني، إلا أنهم سرعان ما تداركوا هذه الأزمة مواصلين الإصدار بالحماس نفسه والاتقاد الذهني.

عن المستقبل الذي حتماً يمتلكه هؤلاء الشباب، فإن التوق لرؤية مجلتهم هذه على الورق يمثل أبرز تطلعاتهم، ورغم قناعتهم التامة بأن العالم قد بدأ يتجاوز مسألة النشر الورقي، كصحيفة الغارديان البريطانية التي توقفت عن إصدار أعداد ورقية واكتفت بالنشر الإلكتروني، ورغم أنهم من جيل يقضي جل وقته في مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنهم يشعرون بجمال الكتب والمجلات الورقية، وأن تغفو ويسقط الكتاب من بين يديك، وأن ترتبط بالورق ورائحة حبر طباعته، كما أن تأطير المجلة بإطار فكري واضح يمثل هاجساً لهم ومصدر قلق.

فبالرغم من اتساع قالبها الفكري ليشمل الجميع، إلا أن الكتابة والنشر عن كل شيء قد يسمح بقدر من التشتت، فوجود رؤية مشتركة هو بمثابة حلم آخر للكتّاب في مجلة جيل جديد، ورغم مساحة الحرية الهائلة التي يجدها الكتّاب في النشر في المجلة، إلا أنهم يشعرون بقيود أخلاقية أملاها عليهم شعورهم بالمسؤولية، ولقد ظلوا يطالبون بما سموه “رقابة جمالية”، أي التأكد من أن مستوى جميع النصوص المشاركة في المجلة عال، وألا يكون هناك تفاوت كبير بين النصوص المنشورة في العدد نفسه، ولتشجيع الأقلام الجديدة التي تحتاج إلى المزيد من التدريب، يقومون بنشر أعمالهم في بريد القراء، بدلاً من النشر مباشرة في المجلة، ويستطيع الكاتب، وقتها، معرفة موقعه عند جمهور المجلة، وربما يقدم عملاً أكثر إتقاناً في المرة المقبلة.

لأن أي نص منشور في أي مجلة، سواء أكانت ورقية أم إلكترونية، يجب أن يخضع لسلطة ما، فإن محرري جيل جديد سموا السلطة التي تصححهم وتعدل أخطاءهم بالسلطة الناعمة، أو الرقيب الذاتي، الذي يتطور داخل الفرد الكاتب عبر تراكمات كثيرة، يتحرر من بعضها بالقراءة وتبقى بعض التراكمات لتلعب دورها المعتاد في تصحيحه وفرض سلطتها عليه، وربما كان النشر في المجلة هو إحدى وسائلهم للتحرر من المعتقدات والتابوهات أو العادات المجتمعية التي يرونها خاطئة. ويقول الجاك: ” مثلما أن التحرر وثيق الصلة بالمعرفة، فالنمو المعرفي يقابله تحرر جزئي من كل تلك الأثقال التي تحملها في عقلك، وهي لا تعبر عنك؛ النشر الإلكتروني يفرد مساحة هائلة للإنسان للتعبير عن ذاته، منفصلاً تماماً عن كونه ابن الحي، أو الابن أو الصديق، الذي يرسم له الآخرون خط سير محدد ينبغي ألا يحيد عنه وإلا خابت توقعاتهم وآمالهم حوله، إن مساحة الانعتاق من السجن الفكري الذي يضعك المجتمع فيه، راسماً لك حدود حركتك، يتزايد حجمها في الإسفير أكثر من الواقع، فبينما نظل أسرى أفكارنا وخوفنا من المجتمع في الواقع، إلا أننا نمتلك كل قوة الفضاء الإسفيري لهزيمة أي معتقد خاطئ، أي معتقد لا نستطيع مواجهته في الحياة اليومية البسيطة، وإن جمهور المتفرجين، أو القراء مع عملية الهدم هذه، لديهم، بكل تأكيد، معاركهم الخاصة، كما أن لديهم معاولهم؛ التي تتناولها لهم المقالة أو القصة؛ وذلك من أجل هدم الخرافات التي تعوق تقدمهم وازدهارهم الإنساني”.

 

 

  • نشر التقرير في العدد الرابع 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً