الرئيسية / احدث التدوينات / ميتَتَانِ لرجلٍ واحدٍ … سُخريةُ الحَياةِ، عَبثيةُ الموتِ، انتصارٌ لروحٍ جَامِحَةٍ.

ميتَتَانِ لرجلٍ واحدٍ … سُخريةُ الحَياةِ، عَبثيةُ الموتِ، انتصارٌ لروحٍ جَامِحَةٍ.

11262688_458971600922324_711901109_n

“هذا ما يمكن أن نوجزه بشأن هذه الرواية، لمؤلفها البرازيلي جورج امادو”

      قراءة مثل هذه الرواية، ومن ثم تحليلها، تتطلب إعادتها مرتان، وذلك لعدة أسباب، من أهمها أسلوب امادو في التناول العبثي لأحداث الرواية، واستخدام التخيلات في نهايتها، مما يُربكُ الفهم من أول مرة. وما يمكن أن أستعين به لقراءة هذه الرواية، بصورة منفتحة، هو الاسئلة، ومن ثم جمع الإشارات العامة، والمتناثر منها، لجعلها مرتبة أكثر. العنوان أعتبره ذكياً للغاية، غير أنه أوجز الرواية، فقد مثل دافعاً تشويقياً لقراءتها، رغم قلة عدد صفحاتها، حيث يمكن تصنيفها تحت الرواية الصغيرة (89صفحة)، ويبرز السؤال هنا، لماذا ميتتان لرجل واحد؟!. تظهر العبثية بوضوح في هذا العنوان، فكيف ميتتان؟!، ما لم يكون الأمر ميتافيزيقياً، متعدياً لعوامل المنطق. لكن بعد إكمال النص الروائي، سنجد سخرية الكاتب منا، ومن انضباط الحياة. فقصة الرواية تتناول احداث ما بعد موت “كينكاس هدير الماء”، أو “جواكيم سواريس دا كونيا”، موضحاً تأثير الحياتين التين عاشهما هذا الرجل، ما بين حياة منضبطة، وحياة التشرد التي اختارها.

      في بادئ الأمر أول إشارة يمكن التقاطها هي وجود اسمين لشخصية واحدة. فـ (كينكاس هدير الماء) دلالة على حياة التشرد التي اختارها ملك متشردي باهيا، ملك التسكع والحانات، وانتصاراً لجموحه الذي اختاره بعد خمس وعشرين سنة من التفاني في عمله، حيث كان في الخمسين من عمره. أما اسم (جواكيم سواريس دا كونيا) والذي كما عرفه الكاتب “رب العائلة الطيب، الموظف المثالي في دائرة الضرائب، بحذائه اللامع وذقنه الحليق”، نجد أنه يذكر اسم “كينكاس” عندما تتحول الزاوية إلى أمكنة التشرد، وحياته التي اختارها، وعندما يكون الحديث عن أصدقائه والعاهرات. بينما يذكر اسم “جواكيم” عندما تكون الرؤية بين عائلته المنضبطة والمحترمة، والتي ترى أنه بعد اختياره لحياة التشرد قد جلب العار لها. فهاذا من باب التناسق في السرد، وتوضيح لرؤية التمايز لحياته التي عاشها عبر الاسم الذي يعرف به. لكن يبرز سؤال هنا، لماذا اختار حياة التشرد؟!. هذا السؤال جاوبت عنه عمته “ماركوس” حين قالت: “يا لـ “جواكيم” المسكين … كان رجلاً طيباً. ولم يسيء إلي، لقد تملكه حب جارف لحياة التشرد هذه، وكأنها كانت قدره منذ الصغر. ألا تذكر يا “إدواردو”، في إحدى المرات كان يريد أن يرحل مع جماعة السيرك؟، وحينها سلخ سلخاً من شدة العقاب”. بالإضافة لكلام العمة، هنالك إشارة أخرى تساهم في الاجابة على هذا السؤال، وهي حينما كانت ابنته تحاول أن تتوغل في ذكرياتها الحسنة عن والدها، حتى تمحي آخر عشر سنين له من التشرد، فعندما تقدم “ليوناردو” ليطلب يدها اكتفي “جواكيم” بهز رأسه والهمس قائلاً: “مسكين بائس”، عندها اعترضت ابنته على همسه قائلة: “مسكين بائس!، لماذا؟، إنه من عائلة محترمة، ولديه عمل جيد، إضافة لكونه لا يعاشر النساء، ولا يرتاد الخمارات”. فإشارة “مسكين بائس” مع إشارة أنه كان موظف ضرائب مثالي، ورب عائلة محترم، تشير أنه كان ضجراً من حياة المثالية، وقد اسقط شعوره، ووصف مسكين بائس على ذات النمطية المثالية التي كان عليها. إنه في الحقيقة يخبرنا كم كان مسكينا وبائسا هو أيضاً. لذلك اختار حياة التشرد، حتى يلبي جموح روحه.

      سرد الكاتب تفاصيل حياة “جواكيم”، متناولاً أقوال وأراء ومشاعر عائلته المحترمة، والتي قتلته أخلاقياً عندما تركهم وأنخرط في حياة التشرد، مبرزاً بصورة ذكية فكرته الرئيسية عن زيف الحياة، زيف المثالية. فالعائلة كانت تحاول بكل الأساليب اسقاط مثاليتها على “جواكيم”، حتى بعد موته، من ترتيب لجنازته، وتنظيف له، وجعل الوكالة تعيد هيئته من متشرد إلى “جواكيم” الذي يعرفونه، حتى أنه عندما دخل بائع التماثيل الدينية ليري كيف تسير الأمور، لم يتمالك نفسه من الهتاف قائلاً: “هذا الميت شخص آخر”. كان يمثل نزوعاً واضحاً لكرههم لتلك الحياة الأخرى، الهامشية والمندرجة تحت بؤس التشرد، العاهرات، والخمارات.

      أما أصدقاء التشرد المقربين لـ “كينكاس”، والذين أشار إليهم الكاتب بألقابهم “الطائر الجميل”، “المدهون”، “العريف”، و”رشيق الحركة”، هي أيضاً دلالة أخرى على مؤامة التسمية، والهوية، لمثل هذه الحياة. بينما ذكر أسماء عائلته كما هي، بدون أي القاب، تناسقاً مع موقف المثالية لها. فقد برز بصورة جلية تأثرهم به، فقد كانوا ينوحون مرددين “مات ابانا الروحي .. لقد انطفأ النور”، هذا غير الأحداث التراتبية، منذ أن كان يود “الطائر الجميل” أن يخبر بقية الشلة، لقد كانوا يشربون “الكينشاشا”، وهو عرق برازيلي، حتى يخففوا من وطأتهم, وغيرها من الأحداث التي توضح بصورة لا لبس فيها مدى حزنهم لفراقه.

      مما هو ملاحظ أيضاً، أن مسار السرد كان مفترقاً في بادئ الامر بالنسبة للعائلة اولاً، ثم شلة حياة التشرد ثانياً، ومن ثم تناول طريقة حزن كل منهم على حدى، حتى ظهور نقطة التلاقي بينهما، والتي تمثل نقطة محورية في حبكة الرواية، لأنها تبرز بصورة جلية فكرة الكاتب كلها، عبر كيفية تعاملهم مع “جواكيم” و “كينكاس” وهو ميت في تابوته. في واقع الأمر كانت نقطة التلاقي هذه في قمة السخرية، والعبثية، مثلاً: في البداية شعر “الطائر الجميل” بأن في الامر خدعة، فلا يمكن أن يكون هذا الميت “كينكاس هدير الماء”، ولكنه تعرف إليه بصعوبة من خلال الابتسامة الساحرة، التي لها حكاية أخرى مع ابنته. وهذه الجملة التي وردت في بداية التلاقي بين “الشلة” و”العائلة” عند التابوت. توضح ما تناولته سابقاً بشأن تعامل العائلة واسقاطها المثالي على الجثة، وبين استغراب “الطائر الجميل” لمظهره الذي لا يدل على حقيقة “كينكاس هدير الماء”، فقد اصيبوا كلهم بالذهول، ولم يتوقعوا أن يروه بهذه النظافة والاناقة. لقد كانت لحظة ساخرة منهم، وساخرة من زيف الحياة المثالية، ملامسة لحياة التشرد والصعلكة. وايضاً عند اللحظات التي في الغرفة، نجد كيفية تناول العبثية مع الموت، عبر اسقاط هيبة الموت، بواسطة الأحداث التي دارت هناك، من الضحك الذي ساد عندما ضحكت العمة، من قول “رشيق الحركة” أنه كان أبوهم الروحي، الجملة التي صفعت العائلة، لكن العمة ضحكت وساد الضحك، ايضاً تشاكسهم حول عشيقة “كينكاس” “كيتاريا” ولمن ستؤول وراثته، كل ذلك كان أمام جثته!. وايضاً الأحداث التي كانوا فيها لوحدهم، دون العائلة التي غادرت، وممارستهم قمة العبثية، بمشاركة “كينكاس” – رغم أنه ميت – بزجاجة “كينشاشا”، والتخييل الواسع الذي مُورِس في هذه اللحظات، فقد كانوا يتحدثون له كما أنه حي. وخلعهم  لملابسه النظيفة، ومن ثم إعادة ملابسه الرثة له!. إن رؤيتهم له بهذه الملابس الرثة، كانت في نظرهم احترماً لأباهم الروحي، وانتصاراً لحياة التشرد التي اختارها، وصفعة أخرى في وجه الحياة المثالية الزائفة.

      أما بشأن ابنته، فيبرز سؤال هنا، من واقع تشددها بأن تكرم وفاة والدها، رغم أنه عاش حياة بوهيمية، لماذا فعلت ذلك يا ترى؟!، الإجابة ابرزها لنا الكاتب، عندما وضح لنا كيف عانت من أن يكون لها والد ليس لديه الوعي الكافي للقيام بواجباته، إضافة للآلام التي سببها لأمها، وهي التي كانت تمثل دافعا رئيسيا لما فعلته بجثة والدتها، “فلولا ذكرى أمها، لتخلت عن هذه المعركة منذ البداية”، كما علل الكاتب. إن سعيها الحثيث لأن تنال لحظات النصر، وهي في غرفة التابوت لوحدها، قابله ضجرها من حياة التشرد التي عاشها والدها بكل وضوح، فقد شعرت براحة غريبة عندما رأته في هيئته النظيفة، التي كان عليها سابقا. أما محاولاتها لأن تذكر ذكرياتها الجميلة فقط؛ كانت دلالة واضحة للغاية للغل، والتشفي، في هذه اللحظات، وعدم القبول لما أختاره من حياة العربدة، والتشرد. لكن الابتسامة الساحرة؛ هي الوحيدة التي انغصت عليها هذه اللحظات الحميمية، وحرمتها من الزهو والإحساس بالانتصار، حيث أرجعتها لحياة التشرد، كانت تريد قطيعة بالكامل مع هذه الحياة حتى لو كانت تمثلها ابتسامة!.

      براعة الكاتب تكمن في نهاية الرواية، التي كانت تمثل قمة التخيلات، والقفز لواقع آخر، مبعثرة فهم القارئ، ومثيرة لسؤال ملح للغاية، كيف أصبح “كيناكاس” حياً مرة أخري؟!. فبعد الممارسات العبثية التي فعلها أصدقاؤه في الغرفة، أخرجوه منها حتى يتناول طبق “الموكاكا” عند الكابتن “مانويل”. فمع سكرهم كان يمكنني أن أقول إنها محض تخيلات منهم، رواها الكاتب عن طريقهم فقط، لكنه هنا مارس عملية إعادة إحياء كاملة لـ”كينكاس”، في هذه الليلة التي أخرجوه فيها، الليلة التي كانت فيها بهجته، حماسه المختلف، وحماس الناس عند رؤيتهم له من بعد بعثه من الموت!، كانت آخر لحظات السخرية منهم، وهو ذاهب إلى البحر، لينال ميتته التي طالما كان يتمناها. هنا تظهر عبقرية العنوان، “ميتتان لرجل واحد”، مظهرة حياتان، إحداهما مثالية، والأخرى بوهيمية. آخر قول “لكينكاس” يمثل نهاية رائعة للرواية، فقد كان دلالة على السمات العامة لشخصيته، الحرة، والجامحة، وبمثابة سخرية لاذعة منه لعائلته، منا نحن القراء الذين نود عيش حياة هانئة وسعيدة، من زيف الحياة المثالية، ومن قيود العمل الوهمية:

“سأدفنُ كما أشتهي،

في الساعة التي أشتهي.

يمكنكم أن تحفظوا تابوتكم إذن،

لميتة جديدة,

وميت جديد.

أمَّا أنا

فلن أترك أحداً يحبسني،

في قبرٍ أرضِّي رذيل”.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً