الرئيسية / احدث التدوينات / مُتَغَيِّرَات

مُتَغَيِّرَات

30d5cfb7826aefa7cf286288d26aa642

بقلم : الحسن النّاصر

كان مُضطّربًا جدًا، دخل، جلس مع أمِّه قليلًا، قام، حضّر له كوبَ قهوة، أخذه، ثم وضعه في نافِذةِ الصَّالون، ثم دخل الحمّام ليَتَبَوّل، خرج، دخّنَ سيجارته العاشرة منذ الفجر، لم ينم سوى ساعة كانتْ كلُّها كوابيس، أعطته إحساس أنّه مريض، دخل المطبخ، حضّر له كوب شاي هذه المرة، أخذه، ذهب للصالون، ثم ألقى نظرةً بمصادفة بلهاء على نافذة الصَّالون، وجد كوب القهوة الذي حضَّره قبل فترةٍ قصيرةٍ نسبيًّا، يبدو أنَّ القهوة قد بردتْ، حتمًا قد بردتْ، أخذ القهوة، و(جَغَمَهَا) دُفعةً واحدة!!

يبدو أنَّه يفكّر في شيءٍ ما، هذا بديهي، شيء ما غير محسوب،أغلبُ الظَّنِّ مشكلة. لأوّل مرة في حياته يقف ليرى النَّمل وهو يتحرك في كل الاتجاهات، حاملًا تارةً بعض الحُبُوب وطورًا حشرةً ميّتةً، أتى بكرسي وجلس يشاهد، ويُحصِي الاحتمالات، من أين أتوا بالحُبُوب، ولمن هي، هل هي ملكٌ لنا، أم ملكٌ للجيران، أهي مستوردةٌ أم محليّة..إلخ، هو فقط يريد أنْ لا يفكّر،أن لا يفكّر في أي شيء، خصوصًا ذلك الشيء، هو يريد أنْ يشغل باله بعيدًا عن تلك المشكلة التي لا نعلمها – أنا و أنت –أو ربما نعلمها، علمًا بأنّه سيرفض تعريفنا لهذا الشيء المبهم،على أنّه مشكلة، هي بالنِّسبة له متغيِّرات، مجرد متغيِّرات فقط !!

جلس لساعةٍ تقريبًا، يُراقب النّمل، ثم تَبِعَ أخته التي جاءتْ في هذه اللحظة من الجامعة،أكل معها، دردش معها لساعة أخرى تقريبًا، ضحك، تناقش معها في أمور تافهة أو غير تافهة، هو فقط يريد شَغْلَ باله بأمرٍ أيًّا كان، فتح التِّلفاز، ولأوّل مرةٍ منذ سنة يفتح قناة السُّودان باختياره الحر، وبالصدفة كانت هنالك إعادة لخطاب (الرئيس عمر حسن أحمد البشير) للأمة السودانية، ليُعلِن عن مفاجأته، وبجِدِّيةٍ قال محادثًا نفسه:

“يبدو أنَّهم يُروِّجون لصَنْفٍ جديدٍ من البنقو”.

فجأةً، وللمرَّة الثالثة على ما نعتقد، قرَّر أنْ يأخذَ دُشًّا، يريد أنْ يفعل أيَّ شيءٍ ليُشغِله، يبدو أنَّ المشكلة قد اتخذت شكل ذبابة ودخلتْ رأسه عن طريق إحدى أذنيه، أو أيِّ منطقةٍ أخرى. خرج مِن الحمام دون أنْ يلبس فانِيلّته، فُتح باب المنزل بصوتٍ عالٍ دون أنْ يُغلق، أو هكذا بدا له، فإذا به ابن عمِّه، الذي سنفترض له اسمًا، حقيقي أو وهمي، لا يهم، مازن، أخذ مازن (كدّارته)، بَادَرَهُ صديقنا، هذا المضطّرب، بسؤال:

“لاعبين وين؟!”

قال له مازن، دون أن ينظر له:

“قريب هنا في الإسماعيلي، وما ح أستناك لو داير تجي!”

دخل غرفته، فتّش عن (كدّراته) هو الآخر،وجدها، لبس (الشورت)، ثم خطر له ذلك الشيء الذي يعلمه، ولا نعلمه نحن، لا يريد هو أنْ يفكّر فيه، وبلا شعوريّة، أخذ يبحثُ عن المرآة، وجدها، ثمَّ وجد المِشط فوقها، حاول تمشيط شعره الذي لا يحتاج إلى تمشيطٍ أصلًا، وأثناء التمشيط أو قل التمرير، تساقط شعر أكثر من المعتاد، إسْتَغرَش  – إندهش واستغرب في الوقت ذاته – وذهب مُسرعًا إلى أخته، لتُطلعه عمّا هناك، قالتْ له بتخوّف:

“شكلك كده بديت تصلّع، بالذَّات في الحِتَّة الورَّانيّة دي”.

ووضعتْ له يده في الموضع ليتحسَّسَه. قال بانفعال:

“الواحد عمرو ما حصل عشرين سنة يصلَّع؟!”.

ثمَّ خرج باتجاه (الدَّافوري). أثناء سيره في الشَّارع الميِّت، الذي يُحبِّذ أخده دائمًا، خرج له من قطعة أرضٍ كئيبة ومليئة بأوساخ ساكني الحي والتي غالبًا ما تكون مملوكةً لمُغتربين بعيدين جدًّا جدًّا، خرج له شابَّان في منتصف العشرينيات،بجسدين مُمتلئين، وسحنةٍ سمراء، يبدوان متشابهين جدًّا، لماذا؟ إنَّهما التوأم،عبد الرَّحمن محمد أحمد، وعبد الرَّحيم محمد أحمد، يحمل كل منهما عكَّاز سميك، حسبما علمنا أنَّهما استعاراه من صديق يعمل في الشرطة، بسرعة وبقوة ضرباهُ في رأسه ويديه، لم يُحاوِل المقاومة، ركلاه في بطنه، و(متّعوهو) بعكَّازيهما ضربًا إلى أنْ استلم لإغماءةٍ، سحباه إلى داخل القطعة الكئيبة، بال عبد الرحمن أو عبد الرحيم فيه لا نعلم من بالضبط؛ فالتَّفريق بينهما صعب، ثم قال أحدهما للآخر:

“كده يادابو الواحد فشَّ غليلو في اللوطي ده !!”.

بعد عشرين دقيقة تقريبًا، استيقظ مذعورًا، لا بسبب الضَّرب الذي تلقَّاه فقط، بل لأنَّ تلك المشكلة تطوَّرتْ، ودخلتْ حيِّز التفكير بإطارٍ أوسع، خصوصًا بعد دُخُول”مُتغيِّر” – حسب تعبيره هو لا نحن – التوأمين، تجاهل آلامه، أو أنَّه لم يُحِسَّ بها بتاتًا، وتجاهل الدَّمَ السَّائل من أنفه، زاد توتُّره، أصبح يرتجف من أعلى إلى أسفل، وأصبح يُردِّد: “الله يستر، الله يستر، الله يستر..!!”.

دخل غرفته، وتلك الذبابة لم تبارح رأسه، فتَّش عن هاتفه المنسي منذ الصباح بهستيريَّة، وجده، حاول أن يضغط على الأزرار، يريد أن يُجري مكالمة، مكالمة ضروريَّة جدًّا، ولكن ارتجافه لم يسعفه، تنَّفس بصوت ليخفِّف توتُّره، شهيق.. زفير.. شهيق.. زفير، و بعد جهد، أجرى مكالمته، انتظر لثوانٍ، ثم:

“توت، توت، توت.. هذا الرقمُ مغلقٌ حاليًّا، الرَّجاءُ المحاولةُ لاحقًا “.

-2-

عبد الرَّحمن محمد أحمد وعبد الرَّحيم محمد أحمد، احدهما تشكيليّ، والثَّاني مصمِّم غرافيك، درسا معًا الأساس في المدرسة الجنوبيّة، والثَّانوي في مدرسة المؤتمر، أمَّا الجامعة فقد تحصّلا منها على درجة الدِّبلوم مرتبة الشرف من جامعة السُّودان كلِّية الفنون الجميلة. لكلٍّ منهما شَعْر افريقاني طويل، أحدهما يُضفِّر شّعْره، أما الآخر فكان يدعه كما هو. شخصيّةُ هذين الشابّين، متماثلة في عديد الأوجه. فقد كانا محبوبين جدًّا وسط أصحابهما في الجامعة، ومعروفين لدى كلِّ طالبٍ بالقسم الغربي لجامعة السُّودان، على الرغم من أنَّهما لا يَمتّان للسياسةِ بِصِلة والتي هي الوسيلة الأكثر سرعة لتحقيق الشُّهرة، فقد حذّرهما والدهما منها قبل دخولهما الجامعة كتوصيات عامّة. كانا موهوبين بمعنى الكلمة، وذكيّين أيضًا، يُصلحان كلَّ الأشياء بمنزلهما، لمبة، مفتاح، باب ..إلخ. لديهما نظرة نقديّة تحليليّة لتصرُّفات النَّاس والعالم ككل تُثِير الإعجاب، أطّلعا على الكتب بشكلٍ يجعلنا نُطلق عليهما مثقَّفين إلى حدٍّ ما. أعجبا بجيفارا،أمير ميكيافيلي، جبران،مالك بن نبي، الرسول الكريم وصحابته وخصوصًا عُمر،التَّاريخ الإسلامي في العصور الذهبية،هما مفتونان بالألمان ويقولان أنَّ اليابانيين ليسوا ببشر بل هم:”سوبرهيومان”.. كانا يُصلِّيان كلَّ الأوقات، يَصومان، أي باختصار يؤديَّان كلَّ الشعائر الدينية بالتزام نسبي.لديهما لوحات وتصاميم جميلة جدًّا، واللوحة لديهما لابُدَّ أنْ تحوي “فكرة“،وإلا”ما فائدة الفن؟!”، كما يتعجَّبان عندما يتناقشان مع فنَّاني الأبستراكت.

ولكن هنالك شيء ما غريب. ففي بعض الأحايين تبدو علاقتهما بالعائلة جيِّدة، وأحيانًا، تسوء جدًّا، هذا الشيء الغريب قد نُفسِّره بأنَّ لديهما شخصيتان، واحدة جيَّدة والأخرى سيئة، فكما تقول سلمى محمد أحمد، أختهما: “والله التقول عندو\هم، شيزوفرينيا ! لأنّو مرَّة يتظارفو معاي كويس، ومرة يتعابطو معاي أشمَّهم شم !!”. ومن مآخذهما أيضًا أنَّهما إنْ خاصما أحدًا، فإنَّ خصامها )خصامٌ فاجرٌ(، كخصامها لأختهما الكبيرة فاطمة محمد أحمد، التي لم يتكلَّما معها منذ سنتين أو أكثر لمجرَّد أنَّه\هما إشتبه\ها في أنَّها تستخدم كريمًا لتفتيح البشرة ! رغم ذلك كلِّه كانا يبدوان هادئين، مُتَّزنين،مسالمين لا ينتظر الشخص منهما شرًّا،ربَّما لصفة فيهما كما قالتْ فاطمة معّرفةً إيّاها “بالدغالة”،أو أنَّنا لا نعلم. تقول فاطمة محمد احمد:” شخصيّة عبد الرحمن أو عبد الرحيم ما عارفة، ممكن تظهر على  إنّها شخصيّة عاقلة، متسامحة، متفهِّمة، لكن العكس تمامًا بظهر ليك لمّن تخش جُوّة أعماقها، فأنا كأختو عاشرتو مُدَّة ما بسيطة، ودي شخصية أنصار سُنّة×بس، خصوصًا في حِتّات بنات ما بنات دي”. هذا الاعتراف قد يُفيدنا في أشياء أخرى على ما نعتقد.

 على الرغم مِن مرور أكثر من عشرين سنة على ظهورهما في الوجود، لا أحد، لا أحد بقدرته الجزم بالقول أنَّ هذا عبد الرَّحمن أو أنَّ ذاك عبد الرحيم، ولا حتّى أمّهما، و هما يتستّران جيّدًا على الأمر. سعيد بخيت، الجالس الآن على )البنبر( قرب ست الشاي صديقهما من أيَّام الجامعة إلى هذه اللحظة قال أنَّ “عبد الرحمن أو عبد الرحيم، ده زول صعب جدًّا تتعامل معاهو، وإذا حسَّيت إنَّو الزول ده ما إرتاح منّك ما تحاول تقرِّب منَّو، أعمل رايح، لأنَّك لو حاولتَ ح تبعِّد أكتر”. أحدهما لا ندري من هو قد أبدى إمتعاضًا من خُروج أمّهما الأرملة – والتي أصبحت من )القواعد( حسب التعبير القرآني –  دون أذنٍ من (رُجَال البيت)، وقال متعجبًا:”تمشي ساااااي كيف ؟!”، ولكنَّه لم يُوَاجه أمَّه بهذا الامتعاض، أو أنَّه واجهها ولكنّنا لا ندري؛فلأمِّهما مَقدرةٌ كبيرةٌ على التجاهل، فهي لم تَذْكُر  – على الأقل لنا  –  أيَّ شيء..

-3-

فلنترك التوأم للوحاتهما ولتقلُّباتهما، ولنَدلف على مهلٍ على خاطِرة تركها ذلك الشَّاب المضطَّرب، والمضروب ضربًا مبرحًا، من قبل التوأم. خاطرة نَظنُّها من الأهميَّةِ بمكان، فتوجَّب علينا المرور عليها. يقول هذا الشاب الذي قد يكون أيِّ شخص:

[قلتُ لها على الهاتف، وأنا بالمنزل: “أنا عَايْزِكْ!”

­وهي جملة من كلمتين، وكثيرٍ من الشَبَق. هاتان الكلمتان حبلتان – بشرع الله وسُنَّة رسوله –  بجميع احتياجاتي المادِّية والرُّوحية، أخفي داخل علامَتيّ التنصيص التي تخنُقهما ذلك الجزء الدَّاعر جدًّا منِّي أو بمعنًى (مصلَّح شويَّة) تلك الشخصية الشهوانيَّة التي تجُول بداخلي في الفترة الأخيرة. فقد قلتُ هاتين الكلمتين بعد صراعٍ ديني – أخلاقي طويل و(معّاط) جدًّا مع نفسي المخبولة التي لم أكنْ راضيًا عنها أبدًا. ظللتُ طوال خمس سنوات أقمعها كدكتاتور إفريقي كلما ثارتْ، أحيانًا بقراءة آيات قرآنية، وأحيانًا أخرى بلعبِ الكرة، أو زيارة بعض المواقع الإباحية والاستمناء إذا تطلَّب الأمر أو لم يتطلَّب. ولكن فكرة الصِّيام هذه (ما رِكبَتْ راسي نهائي).

الأمر تطوَّر هذه المرَّة، الرَّغبةُ تنخر داخلي كمحلول H2SO4 مُركّز. الرغبة أحكمتْ بيديها النَّاعمتين على التفكير بقوة كبيرة. يبدو أنَّ الجسد يُريد أن يصلِّي، وصال الروح بالجسد حسب التعبير العبدو–جبراني. على كلٍ هذه التجربة الإنسانيَّة لن تضرَّني بتاتًا، فالتجربة تولِّد المعرفة أو المتعة. أنا قانعٌ بأنَّني لن أتزوَّج قريبًا، فما زِلتُ طالبًا بتسعة عشر سنة، مُفلسٌ كفأر جامِعٍ في زمنٍ غابر  – ففي هذه الأيام الجوامع أكثر مالًا من البنوك – بل ما زال لديَّ ديون عند حسن (سيد الدكان) و عَشّة (ست الشاي) وأختي الصُّغرى أمل.

في الوهلة الأولى قالتْ لي ببراءتها المعتادة ردًّا على قولي:

“يا ود، أنا قِبيل ما كنتَ معاك في الإستاد ؟!”

في واقع الأمر، كانتْ استجابتها منطقيَّة، لأنَّنا لم نكن نمارس تلك (الدعارة الهاتفية)، أو حتَّى التكلم في المواضيع الجنسيَّة والتي عادةً ما تكونُ التحلية للمحادثات الهاتفية الليليَّة – عند معظم الناس – لذلك؛ لم تألف تلك الجملة بمعناها الذي أريده. ببساطة كانت علاقتنا أفلاطونيَّة في ذلك الوقت. أردفتُ بردٍّ استجمعت فيه خبثي على قَدْرِ ما أقدِر:

“لا لا، أنا عايزك!”.

بذكائها أم بحسِّها الأنثوي  – أنا لا أعرف –  أدركتْ ما كنتُ أرمي إليه، ولكنها صمتتْ ولم تتفوّه بكلمة لوقعِ المفاجأة أو هكذا استنتجت أنا؛ فهي لم تعتدني هكذا أبدًا، وهي تعلم أنَّني حينما أطلبُ شيئًا ما فأنا أريدهُ حقًا. لقد أربكتُها بالتأكيد، وعقّدتُ أنا الموقف بصمتي. ولكي أخرجها من هذه اللَّحظة المحرجة، استخدمت إحدى مهاراتي البهلوانيَّة قائلًا بصوتٍ عالٍ مدعيًّا أنَّ شخصًا ما يُناديني:

“أيووااااا !!!”

“يا مازن دقيقة بس !!!”

وإنتقلتُ إليها، لأعتذر لها لأمرٍ طارئ، معقِّدًا الموقف أكثر، ولأدعها تفكِّر في الأمر براحة وفي (حيثياته) كما يقول الإعلاميون، وبهدوء ختمتُ محادثتي بـ:

“أسمعيني، بعدين برجع ليك”.]

-4-

­­­بالطبع كلُّنا نعلمُ أنَّما دار في هذه الخاطِرة حدث لك منذ مدَّة تُعتبر بعيدة. فأنتَ كنتَ قبل أسابيع قليلة سعيدًا جدًّا، بل تكادُ تطيرُ من الفرح، ففي ذلك اليوم تأتي إليكَ حبيبتك. حبيبتك التي تَموتُ في حبِّها، فقد وجدتَ ضالّتك فيها، والعكسُ أيضًا صحيح. فقد قال عنكما صديقك الوفي (جَو) الذي ظلَّ طوال حياته يبحثُ عن الحبِّ الحقيقي : “أنتما الثنائي المثالي برأيي”. لقد كنتَ فرحًا بهذه التَّقرير، لكنَّك أكثرُ فرحًا لأنَّك وحبيبتك التي لم تتواصل معها منذ أكثر أسبوعين، ستتقابلان وتصلِّيان معًا صلاة الحبّ كما كنتَ تُسمي الممارسة، أو كما فهمتَ من فاتِحة (مفستو الهمباتة): “الجسد مُصْلاية الرُّوح”.

أعلمُ أنَّ شيئك قد انتصبَ عاليًا وأنتَ تتذكَّر المرَّات التي مارستما فيها الفعل، فقد تَجَاوزتُما مرحلة الحبِّ العُذري بفراسخ، دخلتُما مرحلة قديمة–جديدة. قد هيأتَ الأشياء جيّدًا، اتصلت بصديقك – عبدو – لكي يُفرغ لكما بيتهُ القابع في أقصى جنوب منطقتكم، ويتأكَّد أنَّ كل شيءٍ آمن لكي تَنْعما بالرَّاحة، فقد قرأتَ جيّدًا قبل أوَّلِ صلاةٍ لكما في مُوقِعٍ لعلَّك تتذكَّره جيّدًا، نعم (ويكي هاو). قرأتَ فيه أنَّ التوتُّر والخوف ضارِّين جدًّا في ممارسة الحبّ، ويتركانِ انطباعًا سيّئًا عنه. ذاك الموقع قد أعطاك معلوماتٍ كافية، فإنّك لم تكن تثق في الثَّقافة الجنسيَّة الشِّفاهية تلك، وأطلعتَ صديقك – الآخر – (سُمْعة) بهذا قائلًا:”أنا عايز يكون عِندي وعي عِلمِي بالحنك ده، الكلام البسمعو هو ده ما بنفع معاي”.

بَحَثتَ في ركن قصيٍّ بدولابك عن (كرتونة( الواقي الذكري التي طلبتها من صديقٍ لك معروفٌ بعربدته في حيِّ صديقك عبدو فقد قال لك يومًا: “كل النِّسوان ديل شراميط؛ بس إنتَ كيف تقنِعِن”.وصديقه الذي قال معزِّزًا: “اها قول حَبَّيتها، اها وبعدَّاك ؟! لازم يكون في حركة بحركتين عشان ما تَمِل مِنَّك !”.  هاتان  المقولتان جعلتاك  تغيِّر من إستراتجياتك تجاه الفتيات. قرأتَ في ذلك الموقع أنَّ الواقي وحبَّة منع الحمل ضرورةٌ في كلِّ حبٍ، وخصوصًا لشابَّين في عمركما لتمنع أيَّ (Unplanned Pregnancy)، فتذكَّرتَ أنْ تُذكّر سلمى، بأنْ تأخذها معها فأرسلتَ رسالة نصَّية، مكتوبًا فيها: “ما تنسي تلبسي حزام الأمان”.

اتتْ سلمى كما طلبتَ منها، جميلة (ولابسة حزام الأمان)، سملَّتَ عليها بحَسَبِ معايِيركَ الحمِيميّة: (عناق بسِعَةِ الأرض، وقُبلة بطولِ السَّماء، وقليلٌ من الصمت، كي نُعطي للعيون حقَّها).فدائمًا ما كنتَ تنتقد الأزواج في برودهم حين مقابلتهم زوجاتهم، “كيف له أنْ يغيب مدَّة طويلة عنها ويسلَّم عليها كأيِّ شخصٍ غريب ؟!”. دخلتُما الغرفة، أشغلتَ المراوح، والمكيِّف المائي، جلستُما لساعاتٍ (تتونَّسان) كصديقين قديمين، عن أشياء كثيرة. وعندما وصلتْ معدّلات )الإنبساط( إلى أعلًى بعيد، بدأتُما طقوس الحبّ، بسم الله، تلوتما قصائد رائعة، لنزار، تمام، شيخ العشاق قيس، ودرويش، وختامًا نشيد الإنشاد. وأنتَ تقبِّلها كما أمركَ رسولك الكريم ، تذكَّرتَ أمنيةً لصديقٍ في روايةٍ ما، “أنْ نموتَ أثناء قُبلة”،  وعاودكَ تساؤلٌ قديمٌ، “ماذا لو ؟”.

(حدث السِّحر) كما هي الجملة الشَّائعة، دون الدخول في تفاصيل الممارسة (عشان أنصار السنة× ما ينطِّطوا)، واندمجتُما في صيرورةٍ واحدة (مثل ما يودُّ المشير عمر البشير)، ورأى الله تجاسدكما و(إنبسط J)، وقَبِلَ الصَّلاة، وانعكست بركاته كما نرى على سلمى في بشرتها التي تشِعُّ نورًا، وقلبها الذي يتدفَّقُ عاطفة. وعليكَ انعكست بركاته في تفاؤلك قائلًا في أعماقِ أعماقِك ومحوِّرًا بيتَ الشِّعْر:

“وأحبُّ الحياة،

ليسَ لأنِّي تعوَّدتّها،

بل لأنِّي تعودتُ حُبّ الحياة سلمى !”

بالطبع كلمات مثل صلاة الحبّ، وصالُ الرُّوح بالجسد..الخ، كلَّها تحصّلتَ عليها أثناء بحثكَ لمبرّرٍ ومشروعيةٍ لممارسة الحبّ، لكي لا يؤنبك ضميركَ المزعج. لا تخف فلنْ نحكُم على فعلك أخلاقيًّا، فهذا شأنٌ يخصُّك أنتَ وحبيبتك، فلسنا عليكما برقباء.

بعكسِ كلِّ الأشياء الجميلة التي حدثتْ معكَ ذلك اليوم، يبدو أنَّ المتغيرات – الله لا كسّبها – تُضمِرُ لكَ العداء. فبرغمِ أخذكم الاحتياطات ذاتها، ونجاحها مرارًا، إلا أنّها هذه المرّة كانتْ غير موفَّقة. فحسب التأويل الصّيدلاني: فإن الدوز(=الجرعة=حبَّة منع الحَمْل) لم تكنْ كافية (عشان تعمل Functioning). والواقي الذكريّ – المخزَّن لفترةٍ طويلة – إنثقب ثقبًا صغيرًا– أثناء المُجاسدة التي لم نذكر تفاصيلها خوفًا من (نِطنيط أنصار السُّنة×) – وهو ما كان لازمًا لهروب الحيوانات المنوية، التي ذهبت عبر قناة.. أنت تعلم بقيَّة القصَّة البيولوجيَّة. هذا ما حدث، ولكن بمجرد ظهور أعراضِ الحَمْل التي تعرفها سلمى كجوع بطنها – فهي طبيبة تَدرُس بجامعة النيلين – أطلعتكَ مباشرةً، وهي ترتجف من أعلى إلى أسفل، مِثلكَ في سطرٍ سابق. اقترحت هي عليكَ الإجراء المعروف، مخالفةً في ذلك طبيعتها الأنثوية الأمومية المزعومة، قائلة بيأس: “نجهضو بس”، أو أنَّها نظرتْ للأمور بعقلانيَّة كما يقولون. عاودكَ خوفكَ القديم من الأطفال، “كيف أربِّي طِفلًا في بيئةٍ سيَّئة وظلاميَّة كهذه؟ وهل أنا مُؤهّلٌ لأكون أبًا؟”. لم تَرُق لك فكرة الإجهاض مطلقًا، ولا مبرِّره الذي يقول:”بأنُّه لم يتخلَّق بعد ليكونَ إنسانًا”، وظللتَ تُجابهه بقولك:”كيف نقتلُ روحًا؟ أليستْ الرُّوح هي التي تجعلُ البُوَيضَة المُخصَّبة نشطةً بانقساماتها المتعدِّدة؟”. طلبتَ من سلمى أنْ تصبر قليلًا، لكي تفكِّر أنتَ في الأمر قليلًا علّكَ تجِد حلًّا مناسبًا من غير قَتل، على الرَّغمِ من الخوف العجيب الذي أصابَ كلَّ قطرةِ دمٍ بجسدك.

بعض السيناريوهات التي فكَّرتَ فيها:

  • الهرب مع سلمى.. و لكنّك استبعدته من أوَّل وهلة وهذا شيء طبيعي لمليار سبب.

  • أنْ تواجها العالم، وتربيَا هذا الطفل كأيِّ طفل، وعندما يَكبُر ستحكيان له ما حصل..ولكن طفحتْ على السطح أسئلة على شاكِلة:”من أين لنا بالمال ؟! وإذا افترضنا أنَّنا وجدنا المال، إذا كانتْ تربيةُ طفلٍ عاديٍّ بتلك الصعوبة، كيف لنا أن نربِّي طفلًا يتعامل معه المجتمع (كابن حرام)؟! وكيف إذا كان المجتمع (زاتو ود حرام)؟!”

هذه المشكلة، أقصد المُتغيِّر، سبّب لكَ زعزعةً وخوف لم تعهدهما من قبل، ولكنَّك حين استمعت إلى حسن (سيد الدكان) وهو يقول أنّه تزوّج في عُمرِ السَّادسة عشر وأنجب وعاش “تمام التَّمام”، لاح لكَ بعضُ الأمل وقلتَ: “يا زول نتزوَّج والي حصل يحصل !!”.وبعد شهرٍ أو بعض شهر، حدث ما حدث، ضربك التَّوأم عبد الرحمن وعبد الرحيم، وسلمى – حسب افتراضنا نحن – غالبًا ما تكون ميِّتة أو في حالةٍ سيئةٍ جدًّا الآن. لكنَّكَ لم تعلم كيف عَلِما، ولم نعلم نحن أيضًا. يبدو أنَّها نفسُ المتغيِّرات التي تُضمر لك العداء.فكَّرتَ كثيرًا، هل تهرب، هل تبكي، أم لا تبالي بشيء، أنهكتَ صدرك بالتَّبغ، فكَّرتَ بأنْ تَسْكر، بل وأنْ تنتحِر أيضًا. خرجتَ إلى (شارع الله)، تمشي كبوذا–الذي تعوَّد على المشيِ كثيرًا–من غير وجهة، ليس لديك أدنى فكرة ماذا تفعل أو ماذا سيحصل، لذا سنُودِّعك وندعو لك الإله بكلِّ ما أوتينا مِنْ إيمانٍ ونتركك كما وجدناك في البداية:

مُضْطَّرِبًا..جِدًّا!

***

×أنصار السنة: هم ليسوا تلك الجماعة المحددة اجتماعيًا (و مؤخرًا سياسيًا أيضًا)، بل هو مفهوم يحوي منغلقي الذهن والداعشيين بحسب تعبير عيدروس وما إلى ذلك من المتزمتين الذين يحبون استخدام العنف(بكل أنواعه) لأتفه الأسباب.دائمًا ما أردّدُ مقولتي التي تعجبني:” داخل كل سوداني (أنصار سُنّة) يخرج متى دعا الأمر.”

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

3 تعليقات

  1. Magnificent site. A lot of helpful information here. I’m sending it to some friends ans additionally sharing in delicious. And naturally, thanks for your sweat!

  2. Inspiring story there. What occurred after? Thanks!

  3. freezing got my betterscooter.com http://adf.ly/6249830/banner/www.scamadviser.com/is-betterscooter.com-a-fake-site.html today and that i undoubtedly love these individuals my feet 3rd r invariably extremely sizzling hot so i was basically sittin inside them for similar to Twenty five minimum. where they wer very good they are really very nice not to mention hav superior shock reducing nonetheless shop for third dimensions except 3rd thererrrs r ft . 3rd r continually improving because i am just 12 as well as instant messaging a fabulous 9 although i became a Nine so would most likely in shape much longer and also they are sizeable however in this manner they will certainly match me and my friends for quite a while!!!!!!!

أضف تعليقاً