الرئيسية / احدث التدوينات / نجم الدين محمد أحمد (هنا أم درمان بيتي).. (ثم كان من العابرين ببريق)

نجم الدين محمد أحمد (هنا أم درمان بيتي).. (ثم كان من العابرين ببريق)

13_1305012627

      الإذاعة هي: فن معرفة الجمال عبر الأذن، والمعرفة تصنع العارفين، والعارفين إجلاء بجلال عين وأذن. إنها هنا أم درمان، عافية الفكرة عندما تسمعها، هنا أم درمان، إذاعة جمهورية السودان، نشرة الأخبار يقرأها نجم الدين محمد أحمد. القصة في حكاية سوداني عاشق للإذاعة نفسها، عشقاً من فيضه جعل إبداعه في صناعة الخبر المسموع كأنه حركة رؤية، صياغة الخبر عنده أفصحها حكاية، وكتابة التقريرعنده كأنه قصة بكامل جمالها. تسمع، من مدينة الجنينة بغرب دارفور، الزميل نجم الدين محمد أحمد في تقرير عن الحاجة آمنة صاحبة محل بيع في سوق الجنينة، وقدمت نموذجاً حقيقياً لصناعة أسرة مكافحة كلها تعمل معها وتدرس، أولادها وبناتها في الجامعات. هو كذلك نجم الدين محمد أحمد، يعرف معنى جعل التقرير الإذاعي محور مجتمع بأسره، مدرسة في علم الأخبار الإذاعية والتقارير، المعلومة العابرة والموثقة والحقيقية.

      كُنتُ أدخل الإذاعة السودانية، للدراميين هناك، الخُلصاء في صناعة دراما جميلة لنا، كلهم كذلك، ثم أمضي لإدارة الأخبار هناك، لتصيبني دهشة بسماع خبرات وتجارب. هكذا كُنتُ، مستمعاً، لنجم الدين محمد أحمد، غير كل المستمعين، مستمعاً يسمع مباشرة، عن تجربة، وقصة، وحكاية، وأشياء، وتفاصيل دقيقة، في مكان ما من بلادنا، هي نشرة أخبار على طريقته الفياضة في السرد، الذي يجعل من لمحة قصة خبرية وحكاية سودانية، ويهمس لي :(هل يمكن أن يكون الخبر شكلاً من أشكال المسرح)، وكثيراً ما يكون بيننا همسات، وصرخات، حول المسرح، لقد كان مثقفاً حقيقياً في ما يسمى (الحوار المفيد والناجح)، كان عميقاً بما يكفي ليُحدِثك عن مكان ما في بلادنا، عن حقيقة الوطن نفسه، كإنسان وتنمية، عن كثافة اختلافنا الذي جعل وطننا بين حرب وقلق، ودائماً ما يهمس لي والبقية وطن بلا قلق.

      حواره معي، كان على ضفة سؤال، عن تجربة، وعن تحليل سياسي، كان حصيفاً في فن التحليل السياسي، بعمق ورؤية ومعلومة وبيانات ورسم بياني، لو رأيته يكتب تحليلاً سياسياً، لرأيت رسوماً بيانية في الورقة وعمليات حسابية. والجميل أنه يعرف كيف يكتب تحليلاً سياسياً مرتكزاً على رسم بياني، وهي طريقة حسابية علمية، لا يستطيعها إلا الأكفاء والعلماء، وهو كذلك، كفاءة، وعلم، وتجريب، وخبرات مرسومة بعمق في عقله ووجدانه، كثيراً ما أقول له عابراً داخل مباني الإذاعة، بعد عودته من رحلة داخلية: (ماهو الخبر هناك؟)، كان يعرف مقصدي، فالخبر ليس الخبر الرسمي عبر هنا أم درمان، بل الخبر الحقيقي، كيف الناس هناك مع (هنا أم درمان)، هي القصة هكذا، يبحث عن عشق السودانيين لهنا أم درمان، يحكي لك عن لقاء مع مواطن، وحديث عن الإذاعة والتنمية بحصافة، يقول لي: (الخبر هنا، معرفة الناس والوطن، لنكتب بصدق، ونعرف برؤية، ثم نقول هنا أم درمان، والعافية للوطن).

      يكتب في مذكراته، “الإعلامي الحقيقي يعرف الوطن عبر المواطن، فالحوار مع المواطن هو الذي يصنع الإعلامي الفياض بالمعرفة عن ماذا يكتب، الكتابة الإعلامية الإبداعية ليست حروف، هي فكرة ومعرفة بالناس والمكان، لأنك في مقام مطلوبة فيه الحقيقة، والحقيقة كلها، صوتك هو الحقيقة، فإن لم يكن كذلك، فأنت لست مذيعاً ناجحاً، ولست إعلامياً وطنياً، لا تكتب إلا قناعتك وحدها، اجعل الصورة بالصوت حقيقة، وواقع، كل ذلك يجعلك في وجدان المستمع، الأذن تعرف مقام كل الصدق ومقام بعضه، ومقام الجزء منه، ثم تعرف إن كان ليس للصدق مقاماً في صوتك”.

      كان نجم الدين محمد أحمد، صاحب معرفة ينثرها حتى في المسافة بين البيت والإذاعة، كل سؤال له يعني محاضرة كاملة، إن كان منك سؤالاً، فأعلم أن المعرفة القادمة لك كثيفة بما يكفي وتكفي نهراً ونيلاً. هو من جيل، السؤل له يعني مزيداً من المعرفة، جيلٌ له في خدمة العمل الإعلامي والإذاعي أعراق وأعراق، جيلٌ يعرف أن تواصل الأجيال يأتي بالمعرفة والاقتراب، ثم قول فصل بينه وبينك مفاده، علينا بصناعة صوت سوداني حقيقي من (هنا أم درمان)، يرى الوطن فيها وعبرها، القناعة منه أن صوت الوطن من هنا. كثيراً ما نقول أن الأجيال المبدعة تصنع على عين حقيقة مبدعة، وهنا نجم الدين محمد أحمد، كذلك، كان عيناً تعرف كيف تقود الأعين للتي هي أجمل، حياته صنعها لقول واحد، وكيف أكون مبدعاً مع الجيل القادم، لعله كان ظافراً أكثر من غيره، في جعل الحياة العملية والعلمية حقيقة جلية، ترى فيها الأجيال كفاية، وصوتاً، وصورة، لإعلامي يعرف كيف يصنع فلسفة، رؤية، وطن، عبر أذن.

      رحيل (وطن) مثل نجم الدين محمد أحمد يعني أن (الوطن) السودان والناس، ثم الحلم باقياً، برؤية أن المعرفة التي نثرها مثل غيمة هنا وهناك، دفاقة ثم دفاقة، تحسها في جيل ثم جيل، وهذا هو رحيق الرحيل. الإذاعة السودانية بكل عطرها، كانت تأخذ منه كل ذلك، تفاعل سياسي وجماهيري، فتح مسارات للمواطن، ليرى روحه عبرها، ثلاثين عاماً للوطن كانت بين تلك المعاني، والصوت الإذاعي ينطلق من هنا أم درمان، لم يكن نجم الدين محمد أحمد، صوتاً عابراً، بل عالماً بماذا تعني كلمة (إذاعة)، علمه وتجربته، أعطت معنى ثانياً لها، هي صناعة تواصل بين الصوت والمستمع، وهذا ما يمكن فهمه على نحو اصطلاحي برؤية (أم درمان، تأريخ الوطن). كانت حياته داخل الإذاعة هي (الحياة) له، فيها يعطي المعنى المراد، معنى أن تكون مذيعاً معلماً، صاحب نصيحة فصيحة، وصاحب خبرة للجميع، فلو كان كلهم هكذا، لكان كل جيل يعرف مميزات وجماليات الجيل السابق، لا تنقطع ثنايا خبرة، ولا تتوقف مسارات تجربة، ويعرف كل قادم جديد علماً وعملاً كيف يكون مثل قوس من الجمال منثوراً. أن تعطي خبرة وتجربة، في مجال ما، لجيل جديد، فهذا يعني كونك مثالاً حقيقياً لمعنى انساني في العمل نفسه، واضف لذلك معنى (وطني)، فالذي يمتلك علماً ومعرفة، ثم يجعلها للقادم الجديد، يكون صاحب رؤية أسنى لفلسفة عمل وعلم، وهذا هو المفترض. فعل نجم الدين محمد أحمد، كل المفترض وكل الحقيقة وكل الجمال، ثم مضى، وكان في كل ركن في الإذاعة السودانية، يعرف توقيع أجمل منه، كل ركن، ربما سمع نقاشاً معرفياً، أوعلمياً، مع طرف ثاني، أو رأي بمعرفة في موضوع ما، أوبعد إنساني يُشكل غيمة واضحة وجلية للقادمين هناك.

      قراءة الفعل لنبيل لمذيع، يعني قرءاتك له من زوايا كثيرة، منها كيف عرف بصوته فلسفة الرؤية عبر الأذن، ثم فعلها بإيجابية، ثم أمر ثاني، كيف ذياك الصوت بعيدا عن أمكنة العمل؟، وكيف هو داخل أمكنة العمل؟، هل بذات الحميمية مع العمل؟، هنا يتجلى القوس العظيم، العمل ليس فكرة حياة، بل فكرة حب وعشق كما يقول كل عاشق لعمله، لكن هنا القول مبيناً أكثر، عندما يقول نجم الدين محمد أحمد (هنا ام درمان بيتي)، وتوصيف (بيتي) لا أظن يحتاج لتشريح جمالي أكثر من فصاحة جملة واحدة وهي: ( قال هي بيتي، وصدق، ثم كان من العابرين بريق). لكل بريق أستضاء ببريقه، منه هنا أم درمان، قل: كان براقا وأكثر، بل هي حياة (برق البريق)، وفيهما مجد العمل والعلم والمعرفة، ثم كون من (جنة العارفين) .. الأمل أن أكون فيها من تصوف وجلال .. ثم صفحة وضعنا فيها علم عين، وعلم يقين، ثم علم بفكرة لها كل المجد، نطلق عليها نجم الدين محمد أحمد.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن

اترك تعليقاً