الرئيسية / مختارات قصصية مترجمة / يودوك يبلغكم السلام

يودوك يبلغكم السلام

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

 

• تأليف : بيتر بيكزل
• ترجمة : عماد غانم

لا أعرف شيئاً البتة عن العم يودوك سوى أنه عم جدي. ولا أعرف كيف كان يبدو ولا أعرف أيضا أين كان يسكن وماذا كان يعمل.
أعرف اسمه فقط: يودوك.
ولا أعرف أحداً آخر يحمل هذا الاسم.

كان الجد يبدأ قصته هكذا: “حينما كان العم يودوك لا يزال على قيد الحياة…” أو “حينما زرت العم يودوك…” أو “حينما أهداني العم يودوك آلة نفخ موسيقية مصنوعة من خشب شجرة التوت…”
ولكنه لم يكن يحكي عن شخص العم يودوك، بل فقط الزمن الذي كان يودوك ما يزال يعيش فيه، وعن السفر إلى يودوك وعن كمان يودوك.
وعندما كان يُسأل: “من هو العم يودوك؟” كان يقول: “إنه رجل حكيم”
كانت جدتي لا تعرف على أية حال شخصاً بهذا الاسم، وكان أبي مجبراً على الضحك عندما كان يسمع الاسم. لكن جدي ظل يغضب من ضحك ابي، لتقول جدتي: “نعم، نعم، يودوك!” ليشعر بالرضى.
اعتقدتُ لوقت طويل أن العم يودوك كان ناطوراً للغابة، فعندما قلت لجدي ذات مرة: “أريد أن أصبح ناطوراً” قال لي: “هذا سيسر العم يودوك.”
ولكني عندما أردت أن أصبح سائق قاطرة. كان جدي يقول على الدوام: “هذا سيسر العم يودوك.”

وهكذا تغير جدي في نظري إلى مخادع ، نعم أنا أحبه حقاً ، ولكنه تحول في حياته الطويلة إلى كذاب.
كان يذهب دائما إلى الهاتف ويرفع السماعة ويطلب رقماً ويقول متحدثاً في السماعة: “طاب نهارك أيها العم يودوك! كيف حالك، أيها العم يودوك، كلا أيها العم يودوك، بالطبع، صحيح أيها العم يودوك” وكنا جميعاً نعرف أنه يضغط على رافعة السماعة ويتظاهر فحسب.
كانت جدتي تعرف ذلك أيضا، ولكنها كانت تنادي رغم ذلك: “أترك المكالمة، فهي غالية جدا.” فيقول جدي : “علي أن أنهي الآن، أيها العم يودوك” ويرجع ويقول: “يودوك يبلغكم السلام.”
سابقاً ، كان جدي يصرّ أن يقول: “حينما كان العم يودوك ما يزال على قيد الحياة” ولكنه أصبح الآن يقول: “علينا أن نزور عمنا يودوك.” أو أن يقول: “بالتأكيد سيقوم العم يودوك بزيارتنا”.
هذا التبدل الغير مقنع، حتى بالنسبة له ، كان يجعل جدي أثناء حديثه يضرب على ركبته ، ملاحظاً تعابير الوجوه ، فيصمت لبرهة تاركاً يودوكه وشأنه. لكن ما إن نتنفس الصعداء حتى يبدأ الأمر مجدداً :
“اتصل يودوك وقال ..”
“كان يودوك يقول دائماً إن…”
“ليودوك الرأي ذاته بخصوص.. “
“إنه يضع قبعته مثل العم يودوك حينما ذهبنا… “
“يحب العم يودوك الذهاب للتنزه في أيام… “
“يتحمل العم يودوك كل برد… “
“العم يودوك يحب حيوانات الـ… ويذهب معها للتنزه في الطقس البارد… يذهب العم يودوك… مع الحيوانات يذهب… ويتحمل أي برد… يتحمل العم يودوك…”
“العــــــم يـــودوك! “
وعندما كنا نأتي إليه، نحن أحفاده، لم يكن يسألنا: “ما هو ناتج ضرب اثنين في سبعة.” او “ما هي عاصمة أيسلندا.” بل: “كيف تكتب يودوك؟”
تكتب يودوك بحرف ياء طويل وتنتهي بالكاف، والسيء في كلمة يودوك هو حرفا الواو. فلم تعد تسمع شيئاً آخر طوال اليوم في غرفة جدي سوى حروف الواو في يوودووك.
كان جدي يحب حروف الواو في كلمة يووودوووك، ويقول: “العم يوووودووووك يتناول فاصوليا مطحونة… “
“العم يوووودووووك يزور الموطن العلوي… “
“العم يوووودووووك يثور مسروراً… “
ثم يسوء الأمر بعد ذلك لدرجة أن كل الكلام يتفاقم مع مع حرف الواو:
“العم يووودوووك سيوزورونا، هووو رجولن عاقولو، سنسافروو غووداً الو العووم. “
أو هكذا:
“العوم يوودووك سيوحضروو ، وسنوغادرو معهوو”.

وازدادت خشية الناس من الجد يوم أنكر العم يودوك ، وبدأ الادعاء بأنه لا يعرف البتة شخصاً بهكذا اسم ، “يودوك؟!!” وكنا نحن من نصر على الحديث عنه ونسأل: “من هو العم يودوك؟”
حدث هذا مرة واحدة فقط ، كان الجدال معه بشأنه خالياً من أي معنى. لكن بعدها تفاقم الأمر ولم يكن له هماً أخر سواه.
في السابق كان يقول لساع البريد: “طاب نهارك يا سيد يودوك” ثم أخذ يسميني يودوك، وبعد ذلك بقليل جميع الناس.
كان يودوك اسم الدلع لديه: “يا عزيزي يودوك” وكلمة الشتم لديه: ” يودوك تباً” واللعن كذلك: “اللعنة على يودوك.”
لم يعد يقول: “أشعر بالجوع” بل: “أشعر باليودوك”. وبعد ذلك لم يعد يقول حتى (أنا)، فأصبح كلامه: “يودوك يشعر باليودوك.”
كان يأخذ الجريدة ويفتح صفحة “يودوك ويودوك” أي “حوادث وجرائم” ويقرأ:
“حدث يودوك يودوك على يودوك عند يودوك، الذي أسفر عن اثنين يودوك. انطلق يودوك على يودوك من يودوك إلى يودوك. وبعد يودوك قصير حدث يودوك على يودوك في يودوك مع يودوك. يودوك اليودوك،واسمه يودوك يودوك، ويودوكه، واسمه يودوك يودوك، ماتوا على اليودوك.”
كانت تضع جدتي إصبعيها في إذنيها وتنادي: “لا أستطيع سماع هذا اكثر. لا أستطيع تحمله.” ولكن جدي لم يكن يكل. لم يكل طوال حياته، رغم أنه اصبح هرماًً جداً. كنت احبه كثيراً. وحتى عندما لم يعد يقول أي شئ آخر سوى يودوك كنا دائما ما نتفاهم بشكل جيد. كنت فتياً جداً وجدي هرماً جداً. يجلسني على ركبتيه ويودك يودوك يودوكاً عن يودوك يودوك. كان هذا يعني: “إنه يقص لي حكاية عن العم يودوك.”
كنت أُسر كثيراً بالقصة وكل من يكبرني ويصغر جدي سناً لم يكن بمقدورهم فهم شيء واحد ، لم يستحسنوا أبدا أن يجلسني على ركبتيه ويقص لي حكاية.

وفي اليوم الذي مات فيه بكيت كثيراً.
قلت لكل أقاربي يجب أن لا يكتب على قبره فريدرش غلاوزر بل يودوك يودوك، فطالما تمنى جدي ذلك..

يؤسفني أن هذه القصة مختلقة ، ويؤسفني أيضاً أن جدي لم يكن كذاباً وأنه لم يكن يخرف.
ومع أنني كنت صغيراً جداً عندما توفي، لازلت أذكر أنه عندما قال : “حينما كان العم يودوك ما يزال على قيد الحياة.” وجدتي التي لا أحبها تصرخ به بفظاظة: “كف عن يودوكك هذا!” ليصمت الجد تماماً ويحزن ثم يعتذر.
كان ينتابني غضب شديد – تلك أول مرة أتذكر إنني امتلئت بالغضب وصرخت: “لو كان لي عم اسمه يودوك لما تحدثت عن شئ آخر!”
ولو كان جدي قد فعل ذلك لأصبح ربما هرماً ، ولكان لي حتى اليوم جد، ولكنا سنجيد التفاهم مع بعضنا البعض.

 كاتب سويسري

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً