الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : عن سبع ساعات من رفقة النهر

قراءات : عن سبع ساعات من رفقة النهر

15894454_1624652407551232_191530120759795312_n
الأستاذ صلاح محمد الحسن

” شاعر ينثر شاعرًا آخرًا أحبه “

بقلم : صلاح محمد الحسن

سبع ساعات في رفقة النهر )محاولة كتابية( في مائة واثنين وعشرون صفحة من النماذج الشعرية. وسماها صاحبها – الشاب موافي يوسف –)بعض من سيرة شاعر(. التدوينة صدرت عن دار المصورات للنشر والتوزيع في 2017 م.

عادةً أكره الجمل الطويلة…تقطع نفسي وتضجرني…أحب الجمل القصيرة المباشرة. حين استطالت علي أول جملة في المقدمة بدون أن تضجرني قلت لنفسي (لا بد أن هذا النص لعادل سعد يوسف). قلبت الصفحة فعرفت أن موافي قد (دقس). أن يتصدر نص لعادل يوسف سعد محاولة كتابية فذلك تحدي على الكاتب أن يبذل ألف جهد وجهد ليوازي نص عادل.

العنوان النابض بشاعرية تشبه الفيتوري ، مقدمة عادل يوسف سعد دفعاني لأقرأ الكتاب ذي المائة صفحة – بالإضافة للمختارات -. منذ البداية أخذتني اللغة الأنيقة والمفردة المنتقاة بعناية ودقة فقلت في نفسي (هاهو شاعر ينثر شاعرًا آخرًا أحبه).

محبة موافي للفيتوري ملأت لغته بألق جميل جاذب لا أدري هل كان موافي ينتقي كلماته أم أنها كانت تساقط عليه من نخلة محبته / محبتنا للفيتوري. أيا كان الحال فقد جاء المقال على قدر المقام فانتثر الشعر يحكي درويشنا العاشق.

اللغة ليست الظاهرة الجمالية الوحيدة في كتابة موافي. هذا الشاب الحاذق الذي احسبه في عداد (الدبايب) استطاع أن يخرج من إسار التقريرية التي هي طابع كتابات السير عادة. تجول بنا موافي عبر تنويعة من أساليب الكتابة تجعل القارئ يلتصق بالكتاب فلا يتركه إلا عند صفحة الغلاف الأخيرة.

موافي استطاع أن يتنقل ببراعة بين مختلف أساليب الكتابة من تقريرية ضرورية أحيانًا ولكن بلا إطالة مضجرة إلى أساليب سردية جعلت نصه يقترب في أحيان كثيرة من أجواء الرواية والقصة القصيرة.

أساليب السرد ذاتها تنوعت على الضد من طبيعة مجال السيرة والتاريخ الذي يحكم الكاتب بزمن واحد هو الماضي. لكن الحاضر والمستقبل شكلا حضورًا مقدرًا في أزمنة نص موافي. ربما أساسًا لأن الفيتوري شاعر دائم الحضور يكتب من أجل الغد. فالرؤى والرؤية ثيمتان أساسيتان في شعر الفيتوري. (رؤية الماضي ورؤى المستقبل).

الذاتي والموضوعي امتزجا في كتابة موافي بصورة حميمة تجعل القارئ (جعلتني أنا على الأقل) أحسب انه يكتب (نيابة عني). كما أن الواقع والخيال تجاورا بلا تضاد (هبت نسمة رطبة تسللت من نافذة الغرفة في غفلة من أمرنا ثم صفعت وجهينا…تنهد كلانا) “ص 40”.

عناوين النص الفرعية (لا أسميها فصول ولا أبواب) جسدت طبيعة النص كمحاولة متعددة الأوجه.

1- إنبثاق

نص سردي موشى بالأشعار موشح بلغة شاعرية رفيعة ذات تراكيب بديعة (كالفجر تولد…مغسول الضياء نقي)

وصف يجعلك تلج أجواء الكاتب فتصبح جزءًا منها (الغرفة بناية صغيرة في منزلنا، كأنما صممت هكذا لأجلي ،…غرفة صغيرة تخصني. أكدس فيها أشيائي الخاصة التي أحب أن تكون أمام ناظري في كل حين كأنني أمام شجرة تحوي فاكهة متنوعة…فأمد يدي حين أشاء لاقتطف ما أريد) “ص 18”. الاقتباسات الشعرية تتسق مع لغة السرد لتوصلنا للحظة التجلي…(وفجأةً، وفيما يشبه الميتافيزيقيا، أو هي عينها، إذا به ينبثق من رحم القصيدة…بدا في أول أمره مثل دخان يتعاظم ثم شيئًا فشيئًا تكاثف ثم تمثل أمام ناظري ، فيتوريًا باذخًا كشمس إفريقيا ، فيتوريًا بلون الطمي) “ص 22). (يا للسحرية)

2- شيء من اللاتصديق…في حضرة العظيم

نص سردي قصير من ثلاث صفحات. متنوع الأساليب موشى بحوار متخيل / معاش خياليًا. مزين برؤى اقتنصها الكاتب من حضرة ذلك الطيف الجميل بينما المعلومات البيوغرافية منتثرة في ثنايا النص بدون إقحام مضجر.

3- الجدة السوداء

عبر حوار معاش في الخيال يغوص موافي في جذور شجرة عائلة الشاعر.

تتوالى العناوين ذات الجرس والدلالات العميقة

4- (في البدء كان السكون الجليل…وفي الغد كان اشتعالك)

استنطاق الشاعر عبر نصوصه “ص 35”)

5- (ولدت فوق عتبات الصمت والغضب)

 الشاعر يستعرض مكوناته الفكرية أيضًا عبر النصوص “ص ص 44 ، 45 ، 46)

6- (الفيتوري…ذاكرة الصبي)

حديث الهجرة والتجوال والعثور على الذات – حوارية نثرية موشاة بالمفردات الشعرية.

7-8. (الفيتوري ذاكرة الصبي 2-3)

مواصلة في كشف جذور التكوين الإنساني عبر حوارية معاشة خياليًا واستنطاق نصوص الشاعر.

9- زمني جلاد لا يرحم

عبر حوارية تستلهم نصوص الشاعر يتناول الكاتب رؤية الشاعر (ليس هناك شعر حقيقي بدون موقف اجتماعي) “ص 64”

10- قلبي على وطني

على محاور نصية يحاور موافي طيف الشاعر عن مسيرته بين الحياة والشعر ورفقة الشعراء الآخرين ليخلص معه إلى أن الغربة (ربما تفيد الشاعر وتفيد الفنان وربما تفيد الإنسان عموما…لكن الوطن يبقى فيك…كائن حي…تعايشه مهما كان ترحالك…مهما كان بعدك) “ص 67”

11- في حضرة عظيم آخر

قراءة حوارية لبعض نصوص الفيتوري و طبيعته الرحالة عبر رأي آخرين فيها. مقاربة حوارية حول الطيب صالح (عبر اقتباسه لأبيات الفيتوري المشهورة) “ص ص 73- 74

12- ليس في الياسمينة غير البكاء

حوارية حول الحب عبر عدة نصوص للفيتوري

13- عذاب الإبداع…حينما تولد القصيدة

حوارية يتحدث فيها الفيتوري عن إبداعه…تبدأ (أنا صوت…مجرد صوت…ربما أمكن لهذا الصوت أن يبقى بعض الوقت…وربما ذهب مع الريح كما يقولون) “ص 81”. وتنتهي (إلا أن الرعشة المقدسة، التي تأخذ الفنان حينذاك “في لحظة الخلق الإبداعي“، يستحيل التعبير عنها إلا ضمنيًا ضمن هذا النسيج النفسي الموسيقي والفكري الذي يسمى بالقصيدة الشعرية)

14- بودلير…الشاعر الملعون …الجرح والسكين.

حوارية حول من اثروا في الفيتوري من الشعراء يختتمها الفيتوري مبديًا عمق تأثره ببودلير (بودلير…

ذلك الشاعر الملعون

الجرح والسكين

الضحية والجلاد

إنني انتمي لبودلير بصلة ما) “ص 90”

15- التجربة الصوفية

حوارية جميلة حول الصوفية في شعر الفيتوري من خلال نصوص منتقاة. (لعل الحديث يسوقني لمفهوم التجلي والحلول الإلهي…تتجلى ال”هو” في الذات لل”أنا”. وهو حتمًا ليس حلولًا بالمعنى الصريح…ربما يكون حالة من الهيام والجذب…حالة من التجرد…تجرد الصوفي من حاله الطينية حين تلامس روحه مدارك الأنوار الإلهية فيغرق في تلك الأنوار ويكون في حالة غيبوبة كاملة آو سبحة إلهية كما يقول الصوفية) “ص 97”

16- آخر الحكاية

حوارية حول الافريقانية والعروبية

(كان ذلك آخر حديث بيننا…بعدها استحال ، إذا أمكنني دقة الوصف ، لضوء ابيض…ضوء ابيض كفكرة مجردة نقية، لثانيتين بعدهما تلاشى وكأنه دخان مقدس ابيض وخفيف تاركًا في روحي دوائر من أسئلة مبهمة ما زالت تتسع وتتسع ثم ما تلبث أن ترتطم بصخر يتوسد حيرة الوجود الأبدية) “ص 102”

 

نماذج شعرية :

مختارات متنوعة من شعر الفيتوري

خاتمة :

اللغة الشعرية ومستلزماتها كانت حاضرة دائمًا في نص موافي. ولا اعتقد انه كان قادرًا على إيصال محبته لمحمد مفتاح الفيتوري بغير ذلك الحضور الأنيق للمفردة والتراكيب الشعرية. تقنية (الاستحضار من الما وراء) والحوار المعاش خياليا ربما كانت ميزة حصرية لموافي في كتاباتنا السودانية المعاصرة

اعرف أنني قد بدأت قراءة النص بمحبة مسبقة لموافي يوسف وعادل سعد يوسف. لكنني أقول بصدق أن النص لم يخن تلك المحبة ولم يخذلها بل أثبت انه – الكتاب- وأنهما جديران بها…

 

 

15965405_1625683177448155_9107393273899919747_n
الأستاذ عادل سعد والكاتب موافي يوسف

توثيق جمالي

بقلم : عادل سعد يوسف

كتابة  استثنائية عن شاعر استثنائي، تنفتح على الاثنوجرافي والانثروبولوجي والأيديولوجي، على الطقسي والمقدس على الجمالي والمعرفي، على الحسي والمجرد، على التاريخي والسياسي والاجتماعي والحضاري، على السري والمنتهك، على الحياة والموت، على الآني والأزل، هي الشجرة الطوطمية بين كل هذه الاحتمالات.

في البدء اختار الكاتب عتبة العنوان بدقة متناهية ( سبع ساعات من رفقة النهر – بعض من سيرة شاعر ..في تنكيرها  بينما تأتي لوحة الغلاف لتقول وبها يحدد العنوان إطار اشتغاله التعييني والمفاهيمي فتكتمل قراءة العنوان هكذا(بعضٌ من سيرةِ شاعر هو الفيتوري)، وكما هو متعارف عليه في الدراسات السيميائية أن جمالية العنوان تتصل اتصالًا وثيقًا بكيفية تخليق الدلالي عبر الجمالي، من هنا يلجأ موافي إلى حيلة فنية بارعة، يلجأ إلى التمويه ليؤسس الدال، تاركًا لنا متعة البحث واكتشاف الفضاء المكاني المؤخر عن فضاء الزمن المرقمن بـ (سبع ساعات) بحرف الجر(من) التي تتعين كحرف من حروف المعاني فيغدو مكتسبًا معنى الباء( برفقة النهر). أي مصاحبته بإضافة للدلالات متعددة التي يمكن استحضارها للرقم (7) في الذهن والمعتقد الديني والفيزيائي الكوني .

تتشكل الدلالة الكامنة في توظيف النهر في العنوان باتجاه إنتاج دلالات متنوعة، بحيث يمكن من خلاله التعبير عن الحالات التي شحذت المتخيّلة الإبداعية من أجل التوغل في الجزء الغامض من النفس البشرية عبر نمط ابتكار الحكاية واستخدامها استخدامًا بارعًا.

كما ولحركة النهر وقوة جريانه دلالات تعبر عن الزمن خاصة الزمن كامتداد في الصيرورة .

إن بعض النماذج تقيس زمنها من خلال حركة النهر سواء كانت سريعة أم بطيئة وهو بهذه المستويات يؤشر دواخلهم بالحركة  أي إيقاع الزمن وثقله على نفوسهم وتشكيلهم السيكولوجي.

يشكل حضور النهر في بعض النصوص كذاكرة تستنهض كل ما هو خفي أمام النموذج وبهذا التذكر تمكن السارد من إعادة القيمة الكبيرة أو الحلقة المفقودة التي بحث عنها وهذا له علاقة بالتشكُّل التاريخي لشخصية الفيتوري.

أيضًا يشكل النهر استنهاض ما ضمر أو خُبئ من أحلام الطفولة والتشكل وربط حركتها ونموها بالأنهار واعتبارها دلالات أشرت وأرخَت للشخصية ورسمت حياتها وشهدت انكساراتها وانتصاراتها(الفيتُوري .. ذاكرةُ الصبيّ).

أرى أن سبع ساعات في رفقة النهر اعتمدت على تخييل عدد من المصادر منها التاريخي والقرائي الذاتي والمقال الصحفي والدراسات النقدية التي تناولت شعر وحياة الفيتوري ، ثم اتخاذ موقف منفعل بشخصية الفيتوري موقف نابع من محبة وعمق تبصر ،من هنا جاءت محاولتي في سك المصطلح توثيق جمالي في المقدمة التي تشرفت بكتابتها.

أخيرًا أود الإشارة إلى بعض الكتابات التي سارت على هذه المنهاج في الكتابة مع الشيخ الأكبر في هذا الكتاب يقدم عصام محفوظ صورة حية معاصرة عن ابن عربي، عبر حوار متخيل، مع الحرص الشديد على الأمانة في نقل الأجوبة التي جاءت على لسان “الشيخ الأكبر” اللقب الذي اشتهر به ابن عربي عبر العصور.دار الفارابي 01/12/2003

الكاتبة غريد الشيخ محمد في سلسلة أيام معهم ، في كتابها الثالث مع الفيتوري المكتوب في 2001 والصادر عن دار النخبة في 2012، بفارق أسلوبي دقيق وهو ابتكار الكاتبة لشخصية رغد وهي البطلة في السلسلة أيام مع جرير وأيام مع نزار قباني.

ما يُحمد للكاتب موافي يوسف هذه اللغة الشعرية التي أضفت بعدًا جماليًا وأسلوبية مبتكرة لمخطوطته التوثيقية كثيفة الحوار.وبهذا البهاء يعيد كتابة السيرة التاريخية والإبداعية للشاعر محمد مفتاح الفيتوري صورته الحية المعاصرة والمتسربة في مخيالنا الجمالي منذ بواكير تعرفنا على شعرية الفيتوري على مقاعد الدراسة. والتي لا يسع المحاوَر حيالها إلا أن يكشفَ لها عن أصدافِ لؤلؤِه ومكامنِ جواهرِه، عبر إجاباته التي جاءت مطرَّزَةً بالبوح ومشتجرة بالقلق  الإبداعي .

 

15966205_1625683747448098_1987767342240967510_n
عثمان الشيخ وموافي يوسف

“سياحة قارئ في دهاليز موافي”

بقلم : عثمان الشيخ

(1)

-“الآن الكتاب أمامي، في محاذاة وجهي تمامًا، أحدق فيه، ويحدق بي..كنت في دهشة من أمري، لعلها تلك الرهبة التي تصيبني كلما توغلت في عوالم هذا الرجل..الكتاب أحسه شيء حي…الخ”

سبع ساعات من رفقة النهر- ص 19

نفس المشهد أعلاه تكرر معي تمامًا، فذات الرهبة التي أصابت الكَاتِب وهو يتصفّح إحدى مخطوطات الفيتوري،أصابتني أيضًا وأنا أقلّب دَفّات هذا الكِتَاب.

ربما كانت هذه الرهبة درجة من درجات الإشفاق على الكَاتب وهو يخوض في هذا النهر العظيم -نهر الفيتوري- عاشق أفريقيا الأول وحامي حِماها الشعري، والعربي الوحيد الذي كتب فيها أربع دواوين شعرية ناضجة وقوية.

وأيضًا خوفًا عليه من تجربة نشر كتاب ورقي في ظل أزمة النشر والتأليف التي تُخيّم على هذه البلاد.

وبالطبع صِغر سِنّه على خوض تجربة كتابة عن شاعر قَلّ ما كُتب عنه، ليس لأنه لا يستحِق، ولكن لانّ مقامه المَهيب يجعل من الكِتابة عنه ضربًا من ضروب المجازفة.

-الكتاب صدر في طبعة إلكترونية أولى عن “مجلة جيل جديد”. ثم تَلتها طبعة أخرى ورقية من دار المصورات للطباعة والنشر.

غلاف الكتاب كعتَبة أولى في قراءته، أجد انه شكل عنصر الجذب الأجمل، فالمصمم أبدع فيه إبداعًا شديدًا ويظهر هذا الإبداع في اختياره لصورة الفيتوري التي صَمّم عليها الغلاف، فبالرغم من وجود صور كثيرة للفيتوري لكن اختياره لهذه الصورة كان جيدًا، أضِف إلى ذلك الخطوط والألوان المستخدمة.

ولعل ما قاله الأستاذ والشاعر/ عادل سعد يوسف في مقدّمة الكتاب)هذه كتابة مختلفة بحق وعمق، كتابة ذات جهد عالي ومقدار، كتابة إبداعية توثيقية جمالية، إنها جدارية الروح الإنسانية الكبرى).

هذه الجمل لخّصت كل ما يمكن أن يقال عن هذا الكتاب، ومَثّلت المقدمة لوحة جمالية بحد ذاتها كشفت عن جمال ذائقة الأستاذ/عادل سعد.

اشتمل الكتاب على ستة عشر عنوانًا كل عنوان يمثل مُسمّى لفكرة معينة بالرغم من أن مَتنْ الكتاب كان انسيابيًا وليس به تنقلات كبيرة. أضف إلى ذلك دلالة العنوان العميقة فيما يخص المحتوي الداخلي الذي يندَرج تحته.

تلا هذه العناوين مُختارات شعرية مما كتب الفيتوري والتي بحسب قول الكاتب انّه انتهج فيها نهجًا مُتباينًا بحيث مزج فيها بين المراحل المختلفة لكِتابة القصائد تاريخيًا، وبين القضايا التي كتب فيها.

وأخيرًا يوجد تصميم انفجرافيك جميل يلخص أهم المحطات للشاعر. وأيضًا المرجعيات التي استند عليها الكاتب.

(2)

-وعِند الغَوصْ مليًا في دهالِيز الكتاب تتجلى عبقرية الكاتب/ موافي يوسف. ففكرة كتابة السيرة الذاتية لشخص ما بهذه الطريقة ربما كانت نادرة الحدوث في دنيا الكتابة. والمقصود هنا ما أطلقت عليه الأسلوب “السَردي الحِواري” والذي يمزج ما بين تقنية الحوار المعروفة وبين استخدام أسلوب السرد في وصف أجواء الحوار ومضابِطه.

فذكاء الكاتب ظهر جليًا في اختلاقه أو قل ابتداعه لهذه التقنية الجميلة في الكتابة. ليستطيع من خلالها كتابة أجمل سيرة ذاتية لشاعر، مُوظِفًا فيها كل ملكاته في الكتابة السردية والشعرية.

فالكتاب في كثير من أجزائه تحوّل إلى سَرد ماتِع وجميل، بلغة متماسكة وشاعرية.

-ولعلي تذكرتُ من خلال قراءة هذا الكتاب “رواية قواعد العشق الأربعون” للكتابة التركية/ إليف شفق، مع اختلاف الطريقة التي كَتبت بها إليف، فتلك رواية وهذه سيرة ذاتية، والذي اقصده هنا في وضع هذه المفارقة هو توظيف الأسلوب السردي في كتابة السيرة الذاتية. ويحضرني أيضًا كتاب آخر ألفه الشيخ/ نديم الجسر عنوانه “قصة الإيمان- بين العلم والفلسفة والقرآن-” والذي صِيغ أيضًا في أسلوب حواري جميل بين “الشيخ الموزون” و “شاب” يستعرض فيه مسيرة الفلسفة في أسلوب سردي رائع.

-وإن كان موافي ذكر في مقدمة الكتاب أنها (بعضٌ)من سيرة (شاعر) فإنّي أجده قد تجاوز هاتين الكلمتين اللتين تجلسان بين الأقواس تجاوزًا محمودًا فمن يقرأ هذا الكتاب لا يجد “بعض” سيرة شاعر فقط؛ بل سيجد سِيرة شبة كاملة وتشمل جوانب كثيرة بدءًا بالمراحل العمرية المختلفة وانتهاءً بالرحيل، مرورًا بحياته الدراسية وتنقّلاته وأسفاره.

وأيضًا تجاوز كلمة (شاعر) إلى ما هو ابعد من ذلك في حياة الفيتوري، إلى حياته الفكرية ومُعتقداته الفلسفية، ورُؤاه النقدية ورؤيته الكونية لهذه الحياة، بل وحتى مواقفه الوطنية والسياسية.

-وأذهب لأبعد من ذلك وأقول إنّي من خلال هذا الكتاب لم أعرف الفيتوري فقط بل عرفت أيضًا موافي العاشق للكتب والكتابة، للشعر والسرد، وللبحث والتوثيق. وبالطبع العاشق للفيتوري، ووصلني مدى المحبة التي تعتريه لتلك الأشياء الأنفة الذِكر، فأقبلت على الكتاب اقضم صفحاته قضمًا، وأرتّله تَرانيمًا في دِيرْ الوقت.

-ومَثّل الكِتاب منصة انطلاق لقراءة أطروحات أخرى استند عليها الكَاتب مثل ( الدارما والهوية في شعر محمد عبد الحي)، و (رواية الأيام للكتاب طه حسين)، و (رواية جمجمتان تطفئان الشمس للكاتب منجد باخوس) التي ورد منها مجتزأ مُقدّر في ثنايا الكتاب. وأيضًا إصدارات الفيتوري الشعرية فمن خلال هذا الكتاب وصلت إلى معرفة رؤية الفيتوري في كتابة الشعر، وكيفية ميلاد القصيدة عنده، أضِف لذلك تعامله مع الأحداث التي كانت تدور حوله.

ولعلّ أجمل الفصول عندي (في حضرة عظيم آخر) والعظيم الآخر المقصود هو سيدي/الطيب صالح والذي أدركت تمامًا مدى المحبة التي ترسخت بينهما وإن لم يلتقيا إلا مرة واحدة تحدثا فيها لساعات حسب ما ذُكر في الكتاب.

-وبالرجوع إلى ثنايا الكتاب وجدت فيه سلاسة التنقّل بين الدروب الوعرة لحياة شاعرنا العظيم، فالحديث عن إفريقيا دومًا حديث مليء بالأشواك والعَقبات إنه حديث العنصرية والنضال وأشواق الحرية.

وأيضًا التنقّل بين دول مثل السودان ومصر وليبيا بكل تفاصيلها الجغرافية والسياسية والاجتماعية تَحفّه الكثير من العواصف والزوابع بالرغم من ذلك كانت سياحة لطيفة وعَذبة تمنيتها ألا تكتمل.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

2 تعليقات

  1. 7,oo m am OP Bernburg (HHW) und dies nach Errichtung der thür. Saaletalsperren! Kürzlich noch unglaublich. Das HW-Risikomanagement in Bezug auf TS-Bewirtschaftung ist meines Erachtens zu hinterfragen.

  2. Peruvian deep wave https://www.youtube.com/watch?v=k1oaz7n0ILk Parfaite, superbe costume, lettre très rapide. Moi recommande vivement . Indulgence

أضف تعليقاً