الرئيسية / احدث التدوينات / الحضارة موضوع تاريخي

الحضارة موضوع تاريخي

تمتاز-المساجد-بفنون-معمارية-لا-مثيل-لها-في-العالم-تدمج-بين-الحضارة-الإيرانية-والإسلامية-بالصورة-مسجد-نصير-الملك-في-شيراز

هي مفقود المسلمين و مطلوبهم اليوم ، خاصة مع الذاكرة التاريخية التي تحمل ذكريات مجدهم الضائع ، في بغداد و الأندلس و دمشق و القاهرة …. و غيرها من مراكز الإشعاع الحضاري الإسلامي ، بالإضافة إلى عامل الشحن العاطفي الذي تخلفه مشاهد الرخاء و العز الذي تتمتع به الشعوب الغربية اليوم ، و المعروضة على مساحات الإعلام اليوم …

و بغض النظر عن هذا و ذاك ، فإن مطلب الحضارة في الأصل قد أصبح بديهة يحتل المراتب الأولى في سلم أولويات الإنسان المعاصر ، إن لم نقل أنها تحتل المرتبة الأولى ، بغض النظر عن حالة التشتت الفكري و الثقافي الذي أصبحت تعانيها الحضارة الغربية المعاصرة ، مما أدى إلى احتلال كثير من المعاني المختلفة المرتبة الأولى ، عند مختلف الأشخاص … إلا أن الأكيد أن هذه المعاني في نهاية المطاف : معاني حضارية الطابع

في الحقيقة ، إن قضية الحضارة اليوم قد أصبحت قضية حياة أو موت ، إذ لم يعد يرى الإنسان المعاصر أي معنى لحياته بدون حضارة ، و يكفي أن نعلم بأن الإنسان الغربي بدأ حملته الاستعمارية محملا بشعار نشر التحضر لبقية الشعوب ، و انتهى اليوم إلى تبني فكرة أن ما بعد الحضارة الغربية لن يكون سوى العدم !

فهل تستحق الحضارة هذه المرتبة العالية في سلم الأولويات ؟

كما يعلم الجميع : الحضارة هي دخول الإنسان إلى التاريخ ، أي بمعنى آخر : لن يكون لإنسان الأمة من وجود في التاريخ الإنساني حتى يكون عنصرا من حضارة ما ، فالتاريخ لن يذكر الأمم التي تغط في النوم ، لن يذكر الأمم التي لم تضف إلى التراث الإنساني أي شيء … و عليه يتبين بأن قضية الحضارة هي قضية وجودية بالنسبة للأمم في التاريخ

يقتضي على هذا أن الحضارة هي تلك الظروف التاريخية التي توفرها الأمة المتحضرة لكي ينجح في الدخول في الفعل الحضاري ، في إطار جدلية إنسان الأمة المتحضرة مع التاريخ …

إلا أن من تكون له نزعة عادلة سيتساءل حتما عن مصير ذلك الرجل الذي يطلب الحضارة في أمة تعيش خارج التاريخ ، تلك الفئة من الرجال الذين بدأنا مقالنا بالحديث عنهم … فمن الواضح أنه و بغض النظر عن أن الحضارة مطلب كل المسلمين اليوم ، إلا أن ما يجعلها مجرد مطلب هو بقاءها مطلب فردي بالنسبة لكل فرد من أفراد هذه الأمة ، أو في أحسن الأحوال : شعار تأخذه كل جماعة من جماعات هذه الأمة ، المتناحرة فيما بينها .. إذ ليس لها منهج يجمعهم ، فحتى الدين الذي يجمعهم ، اختلفت تأويلات كل منها له ، ليكون هذا الاختلاف عامل فرقة بدل أن تجتمع على كلمة واحدة ، و ما زادهم تفرقة : دخول العلمانية المقلدة للمذهب الغربي

أيا كان ، فقد تبين بأن الحضارة لا تقوم إلا بوحدة ثقافية واحدة ، تمثل وجه التاريخ الفكري ، فلكل عصر من عصور البشرية ميزة يتميز بها من الناحية الثقافية … و الدليل أن ما كانت تعتبره البشرية في زمن سابق أولوية صارت تعتبره اليوم أمر ثانوي ، و ما كانت تعتبره أمر ثانوي ، صارت تعتبره اليوم أولوية … و هذا يتوافق مع طبيعة الحضارة ، فالأمة المتحضرة تفرض ثقافتها التي أقامت بها حضارتها على الأمم المجاورة لها ، في تجسيد لصورة ميزة العصر في كنف حضارتها …

فالزمن إذا يتقلب في صورته على حسب انتقال شمس الحضارة من أرض إلى أرض ، و بين كل عصر و عصر من عصوره نرى ثقافة الأمة الغالبة بتحضرها تتحول إلى ميزة لعصرها …

و بهذا يتأكد بأن الحضارة قضية تاريخية بالدرجة الأولى ، إذ أن مسرحها هي التاريخ ، يصح أن نقول بأنها قضية مصيرية في المجال التاريخي ، و لكن لا يصح القول بأنها قضية مصيرية على المستوى الوجودي

و قد ابتلينا بقوم جعلوا لنا الحضارة قضية وجودية ، و حجتهم في ذلك بأن التاريخ لا يذكر الأمة التي هي خارجه ، أي التي لا تعيش الحضارة … و هم بذلك قد لخصوا وجود الإنسان في التاريخ

مع أن التاريخ من حيث أنه تجميع أحداث متزامنة و متناسقة فيما بينها ، مكونة بذلك الدراما البشرية ، هو في الحقيقة صناعة الوجود الإنساني ، فهو يوجد بالوجود الإنساني و لا يوجد بغير وجوده ، فمن البديهي أن البهائم لا يعني لها التاريخ شيئًا ، و حتى المخلوقات النورانية : الملائكة ليس لها تاريخ ! فبالرغم من أن لها حياة تعيشها في الزمان (بغض النظر عن المرتبة الزمانية لكل مخلوق من مخلوقات الله) ، و مع ذلك تعجز عن صناعة دراما تاريخية خاصة بها …

فالتاريخ إذًا لا يكون إلا بالوجود الإنساني ، أي بمعنى أن مصيره مرتبط بمصير الإنسان و ليس العكس ! فمصير الإنسان لا يرتبط بالتاريخ … و إلا كان من غير العدل أن يولد الإنسان المحمل باستعدادات حضارية في محيط غير حضاري ، ذلك الإنسان الذي قد يكون الخيط الأول لفجر حضارة قادمة في الأفق …

إنه من الواضح بأن تقلب التاريخ في أدواره لا يكون بمجرد حركة تلقائية ، إذ أن الأمر ينقض معنى الدراما في معقل ، بل يكون بعلل تكون بمثابة شروط هذا التقلب ، علل هي فوق التاريخ … فإنسان الحضارة في الحقيقة لا يدخل التاريخ ، أي مرحلة الحضارة ، حتى يكون مطلبه الأول و الأوحد هو طلب الحقيقة ، هذا الطلب الذي هو في حقيقته : ممارسة دينية تدخله مرحلة التحضر … فنحن حينما نقول : تعلق بعلل فوق التاريخ ، فلن يكون الأمر إلا ممارسة دينية …

و عليه يتبين بأن طلب الحقيقة هو القضية الوجودية التي أفضت إلى ظهور الحضارة ، أي إلى تقلب التاريخ … و على حسب تنزه طالبها من الأغراض الدونية ، يكون مدى إصابته لها ، فقد يصيبها ، و قد ينحرف عنها ، و انحرافه هذا لا يكون ميزة جوهرية للعصر ، حتى يكون سير كل البشرية نحو هذا الانحراف (هذا الانحراف الذي هو مطلوب ضمنيًا في حديث المجددين كل رأس مائة عام ، من الدعاة أن يقاوموه) … إذ أن صورة الحال بعد الانقلاب التاريخي ، على ضوء حكم فكرة التوحيد عليها ، يبين بدء قبول الإله الواحد الأحد لهذا السعي …

و قبل أن نختم ، من البديهي أن نتساءل : كيف تحولت الحضارة إلى قضية وجودية في أذهان الناس ؟

و الجواب لن يكون إلا في ميزة هذا العصر ، التي تتمثل في الثقافة السائدة اليوم ، و التي هي ثقافة دهرانية صرفة ، فلما كانت ثقافة تجريبية صرفة ، جعلت الحقيقة كلها تتلخص في الدهر ، فما هو خارجها ليس إلا خيال لا علاقة له بالحقيقة … و على هذا المنوال تحول التاريخ إلى أصل للدراما البشرية و ليس العكس كما سبق و أثبتنا !

يضاف إلى ذلك ، أن الحضارة الغربية لما أحست بقرب أجلها ، بفعل هذه الفكرة العدمية التي دفنت رويدَا رويدَا الدراما الإنسانية في الدهرانية الصرفة ، أطلقت حملة لا تلقائية لمحاولة إنقاذ نفسها ، فما كان إلا أن تعلقت بالدهر أكثر ، كما هو حال كل من يصارع من أجل البقاء … أي بمعنى آخر : بدل أن تتعلق بأصل الحياة ، بدل أن تتعلق بالحقيقة ، تعلقت بدل ذلك بالحياة ، تعلقت بعرض وهمي ، فادعت بأن قضية الحضارة قضية وجودية !

و عليه يتبين بأن الحضارة هي قضية تاريخية و ليست قضية وجودية ، و بأن التعلق بالقضية الوجودية الأولى ، التي هي : طلب الحقيقة ، هو الأصل في قيام الحضارة ، و ليس العكس … فلا حضارة بدون طلب للحقيقة …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

أضف تعليقاً