الضيف الغريب

14808824_1587819017910335_761067435_o (1)

 

• تاليف : ليو تولستوي
• ترجمة : كامل السعدون

كان “مارتن” جالساً على كُرسي خشبي عتيقٍ عند طاولته العريضة التي تنوء بحملها من المطارق والمسامير والمقصات والخيوط وقطع الجلد وبقايا الأحذية ، كيف لا وهو إسكافي البلدة الأوحد الذي لم يفته حذاءٌ لفقيرٍ أو غني دون أن يمر على تلك الطاولة للإصلاح أو الصبغ على الأقل .
كانت ورشته بمحاذاة الشارع الرئيسي في تلك البلدة القوقازية الصغيرة ، ولكنها دون الشارع ذاته بأكثر من مترٍ إذ إنها تقع في قبو منزلٍ قديم من طابقين ، وبالتالي فقدر الرجل أن لا يرى إلا أحذية الناس وبالكاد سيقانهم ، أما إن شاء أن يرى أكثر فعليه أن يخرج برأسه من النافذة ليرتقي بنظره الأفق فيرى ما هو أكثر من الأحذية والأرجل .
أما زائريه ، وهم كثر ،ٌ فإنهم يهبطون درجاً من بضع سلالم .. وكانت ذات تلك الورشة مسكنه ، إذ في ركنٍ مواربٍ منها يستقر سريره الخشبي البالي المتهالك .
كان الغروب موشكاً على الحلول والشمس تسحب ذؤاباتها الشفيفة راحلة نحو مكمنها الكوني الأزلي ، وكان آخر حذاءٍ في برنامج عمله لهذا اليوم يوشك أن يستقبل آخر غرزات الإبرة قبل أن يستقر على الرّف ليُسلم غداً لصاحبه .
كان الرجل خبيراً بالناس من خلال أحذيتهم التي ليس فيها من لم يمرّ عليه مرّة أو اثنتين ، يعرف منْ السائر أو السائرة من خلال حذائه أو حذائها ، آخر من مرّ قبل هنيهة كانت ” نتاليا “خادمة السيد ” يواكيم ” .

كان ” مارتن ” في الخامسة والخمسين من العمر ، وحيداً … طيب القلب نقي السريرة ، ذو ضميرٍ حيٍ بشكلٍ مرهق لصاحبه .. ولم يكن في واقع الحال شديد التدين ، ولكنه لا يكف عن قراءة الإنجيل والاعتبار بتجارب السيد المسيح مع أعدائه والأصدقاء .

حسناً … وضع الحذاء جانباً ، فتح إنجيله تماماً ككل مرة في مثل هذا الوقت . لم يغلق نافذته … رغم أن حركة الشارع قد خفّت ولم يعد متوقعاً أن يزوره زبونٌ في هذه اللحظة التي شرعت فيها البرودة بالهبوط على تلك الأنحاء ، وشرع يقرأ …
قرأ عن طيبة السيد المسيح ورقته وحلمه وصبره … شعر بغصةٍ في داخله …
– “رباه …كم عانى ، حسرتي عليه من أولئك ( الفريسيين ) ، كم كان نبيلاً معهم وكيف أنهم استقبلوا نبله بالقسوة والظلم ، رباه … !!”
فكر في داخله ، لا ، وتصور بمخيلته المتألقة في تلك اللحظة ، وبمنتهى الوضوح هيئة السيد ، ملامحه ، كلماته ، لغة حواره معهم ، وتخيل وجوههم ، سحناتهم ، أفواههم وهي ترد عليه بقسوة …
همس لنفسه :
– ” وأنا ، ألست قاسياً مع الناس ، كم أنا قاسٍ مع أخوتي بنو البشر، أنظر …” – ونظر حوله إلى أشيائه القليلة الرخيصة – ” أنظر لما في حوزتي من زادٍ وماءٍ وقهوةَ وقمحْ ، لعمل العصيدة اللذيذة ، ونقودٌ لخبزي ولبني ومع ذلك ، هل فكرتٌ يوماً في أن أكرم واحداً من جيراني أو زبائني المتعبين المسحوقين …؟
يا إلهي … ماذا لو جاءني المسيح يوماً … ماذا لو شرفني بالزيارة ، وهو القائل أنا بينكم حيث تكونوا رفقاء مع أخوتكم في الإنسانية …!!”
تملكه هذا الهاجس الغريب الطارئ فسبب له قلقاً فظيعاً … وفجأة ثقلت عيناه ، سقط رأسه على مسند الكرسي وغفى .
– ” مارتن …مارتن …” جاءه الصوت وكأنه آتٍ من بئر بلا قرار ..
فتح عينيه ، نظر من النافذة إلى الشارع الذي اكتسى بعباءةٍ شفيفة من الظلمة الباكرة ، نظر صوب الباب ، إنه مغلق كما هو حاله منذ الصباح…
– ” لا إنني واهمٌ بلا شك …” ، واسترخى مجدداً على كرسيه …
– “مارتن …مارتن …أنظر إلى الشارع غداً صباحاً فإني قادم إليك …!!”
أجفل الرجل ، فتح عينيه ، فركهما بقوة ، نظر ملياً حوله ثم إلى الخارج ، شرد ذهنه …
– “أستغفرك ربي … لا أدري … أحلمٌ هو أم حقيقة …!”
جرع جرعة من قهوته التي بردت في إنائها ، لف بأصابعٍ مرتجفة ، لفافة تبغ … مصها بشغف ، دار برهة في ورشته ، عاد إلى النافذة فأغلقها ، أطفأ قنديله الزيتي وألقى بجسده المنهك على السرير.

*****

استيقظ باكراً كعادته ، وضع قدر العصيدة على النار ، لم يعِ لمَ ملأ القدر كاملاً بالقمح ، بل لم يفكر ، كانت أصابعه تتحرك بهمة ونشاط ، وضع إناء القهوة على النار ، فتح نافذته ، لمح الصبي بائع اللبن ، هتف به :
– ” زجاجتان كبيرتان …”
رفع القدر عن النار ، خفض نار القهوة إلى أدنى حدٍ ممكن ، سمع سعالاً مألوفاً لديه .
– ” إنه ستيفان كنّاس البلدية ، مسكين لدية كومة أطفال وزوجة قاسية ، وهو مريض ، حسرتي عليه “
– ” ستيفان …ستيفان ، تعال أرجوك …”
ترك هذا مكنسته مستندة على الجدار في الناحية الأخرى من الشارع وجاء وهو ما يزال يسعل ويرتجف نافخاً الهواء الساخن براحتيه ليدفئهما .
– “ماذا يا سيبدي ” ، أستعلم الرجل مستغرباً وهو يدنو …
– ” لا شيء فقط تفضل وأدخل …! “
حين دخل الرجل النحيل العليل ، صدمه دفء المكان فاسترخى وخف سعاله وأشرق وجهه .
– ” اجلس ، هنا عند الموقد ودفأ ساقيك …!”
– ” ولكن …”
– ” لا عليك ، العمل لن يتوقف على هذه الدقائق ، وإذا جاء مراقب البلدية فأنا من سيتحدث معه ، أنه يحترمني ، تفضل …!”
– ” ما هذا ؟ “
– ” قليلٌ من العصيدة الساخنة ، أتريد قهوة أم لبن ..”
– ” كلا ” هتف الرجل وقد غلبه حياءٌ شديد … “اعطنني …قهوة يا سيدي “
وبينما كان هذا يتناول بحماس طعامه وقهوته الساخنة ، كان الآخر لا يستقر له قرار ، وكلما مرّ حذاءٌ ، أخرج رأسه ليرى صاحب الحذاء :
– ” أتنتظرُ أحداً يا سيدي ؟”
– ” كلا ، ليس بالضبط ” ،
– ” حسناً ، أفارقك الآن سيدي وأنا ممتنٌ للغاية لطيب قلبك ونبل أخلاقك ، حقيقة ، لم أكن أتوقع أنك بكل هذه الطيبة والخلق الكريم ”
– ” لا عليك يا صاحبي … تعال إليّ كل صباح وتناول قهوتك وطعامك “
وخرج ” ستيفان ” .. تناول مكنسته وعاود جرف القمامة بمنتهى الهمة والحيوية وعيناه ترنوان بين الفينة والأخرى صوب دكان السيد ” مارتن ” .
ازدادت حركة الأقدام على بلاط الشارع ، إنه الصباح وقد خرج الكادحون كلٍ إلى سبيله ، عمال وفلاحون ونسوة ذاهبات للتسوق ، أطفالٌ خارجون للخدمة في البيوت ، خيول وحمير ، رجال شرطة وموظفو بريد و…و…و…الخ .
لفت نظره وافدٌ جديد ، سيدةٌ نحيفةٌ ترتدي فستاناً خفيفاً متهرئاً وتحمل بين ذراعيها وليداً يصرخ من ألمٍ أو جوع ، المسكينة تضمه إلى صدرها بقوة وتجهد في السير بغير هدى ، لحظ أن عينيها حائرتان وهي تتلفت ذات اليمين واليسار بانكسار وحزنٍ قاتل .
أخرج نصف جسمه من النافذة وهتف بالمرأة إذ رآها تغدو قبالة نافذة دكانه :
– ” يا سيدة ، أنتِ ، بلا أنتِ ، تعالي يا بنيتي !”
بهتت السيدة الصغيرة ..
– ” تعالي ، أنزلي هذا السلم وتفضلي ! “
حيته المرأة وهي تدخل ، جالت بنظرها الشاحب الكسير في أرجاء الدكان ، شعرت بالدفء يغمرها فأحست ببعض الأمان .
– “اجلسي يا بنيتي ، لا شك أنك متعبة “
– ” بلا ، إنني متعبة يا سيد ” ، ونظرت إلى صغيرها الذي هدأ الآن في حجرها …
– ” خذي ، أسقي الصغير قليلاً من هذا اللبن الدافئ …! “
دهشت المرأة ولم تصدق تلك اليد الممتدة لها بالقدح ،
– ” وهذا طبق عصيدة لك يا سيدتي الصغيرة “
وابتسم برقة :
– سيدي لا أدري كيف أشكرك ، إنني خجلة والله ولكن …!”
– ” لا عليك يا بنيتي … كلنا بحاجة لبعضنا وقد يأتي اليوم الذي ستجدينني فيه بمثل هذا الموقف ، لكن … لماذا أنتِ هكذا بمثل هذا اللباس الصيفي الذي لا يناسب هذا الوقت …أعني … “
قاطعته :
– ” هذا كل ما أملك يا سيدي بعد أن طردني زوجي مع هذه الطفلة ، إنه ، سامحه الرب ، سكيراً ومفلساً وأرادني أن …” وتلعثمت المرأة واضطربت وخفضت رأسها حياءٍ ، ثم تابعت : ” البارحة بتّ عند بعض معارفي وقد اقترضت منهم بضع ( روبلات )
لشراء اللبن والطعام لي ولطفلتي ، وقد طلبوا مني أن أودعهم شيئاً على سبيل الرهن ولم يكن لدي إلا معطفاً عتيقاً ، أودعته لديهم ، و…”
نهض ” مارتن ” من مكانه تاركاً المرأة تسترسل وحدها بالكلام ، بحث تحت وسادته عن شيء ما ، ثم عاد إليها :
– ” خذي ، هذه عشر ” روبلات ” ، اذهبي واستعيدي معطفك ، ومتى احتجت لشيء ، تعالي لي …!”
– ” سيدي ” ، وركعت لتقبل يده ، فسحبها بسرعة وهو يدمدم بشيء ما مع نفسه .
حين خرجت السيدة الصغيرة ، قام ” مارتن ” بترتيب الطاولة من جديد وعكف بذهنٍ شاردٍ على ترقيع أول حذاءٍ من برنامج عمله لهذا اليوم .
– ” كان يوماً حافلاً ” ، همس لنفسه وهو يخرق الحذاء بإبرته الطويلة ، ثم تابع :
– ” رغم إننا لا زلنا في بدايته “

******

ومرت الساعات ، اشتغل العديد من الأحذية ، استقبل المزيد من الزبائن ، سلّم ما أنجزه لأصحابه ، وتستقبل ثلاثة أو أربعة أزواج جديدة ، وكسب بعض قطع النقد الصغيرة .
فجأة ، حين كان يتطلع عبر النافذة إلى الناس وهم يعودون من أشغالهم عند المساء ، لمح صبياً يجري بأقصى السرعة ، كان حافياً ، ودنى من امرأة عائدة من السوق تقف مسندة ظهرها على الحائط ويبدو أنها تنتظر رفيق … دنى الفتى منها ، دس يمناه في السلة والتقط تفاحة ثم تابع الجري لكنه تعثر على مسافة غير بعيدة من المرأة ، فأمسكت به في الحال :
– ” سأعلمك كيف تسرق أيها القذر ، هيا إلى الشرطة !”
في ذات اللحظة ، خرج ” مارتن ” من ورشته وتسلق السلم جهة الاثنين :
– ” اطلقي سراحي يا سيدتي ، أقسم أنني لن أكررها ، أرجوك ” ، وشرع بالبكاء وهو يتوسل ويقبل يدها .
خاطبها مارتن :
– ” سيدتي .. اطلقي سراحه بحق الرب ، لقد أقسم إنه لن يكررها “
وأطلقت المرأة سراح الصبي والذي أوشك على الجري ، لكن ” مارتن ” هتف به :
– ” لا ، ليس هكذا يا بني ، لقد تركتك السيدة فمن المخجل أن لا تعتذر لها… وأنتِ سيدتي ، هذا ثمن التفاحة ودعيها له إن شئتِ !”
– ” بكل سرور ” هتفت المرأة …
وحملت سلتها بنية الذهاب وهي تشكر الإسكافي على طيبته وحسن خلقه ، لكن فجأة مد الصبي يده للمرأة ورجاها أن تسمح له بحمل السلة عنها ففعلت ، ابتسم ” مارتن ” وعاد إلى دكانه وقد أوشكت الشمس أن تغيب .
حين عاد ، أشعل قنديله وأدنى الكتاب المقدس ، طوى الصفحات بسرعة حتى بلغ النصّ الذي كان عنده يوم أمس :
” كنت جائعاً ، واعطيتموني الغذاء ، كنت عطشاناً وأعطيتموني ماء ، كنت غريباً واستقبلتموني بالأحضان …”
لم يبلغ أكثر من هذا ، حين جاءه الصوت من الخلف :
– ” مارتن ، مارتن .. ألا تعرفني ” وفجأة مر أمام عينيه شبح ستيفان النحيل وهو يبتسم ، ثم غاب وكأن غيمة طوته ..
– ” وأنا ” قال الصوت وكان صوت السيدة التي تحمل رضيعتها الجائعة ، ابتسمت له واختفت …
– ” وأنا ” قال الطفل الصبي الجائع الفقير الذي أراد أن يسرق تفاحة ، وابتسم له ومرّ وهو لم يزل يقضم بشهية …
أهتز جسمه بقوة ، بكى بحرقة ، بكى من الفرح ، من الندم ، من الشعور بالحرية والمعنى والقيمة لأن المسيح كان ضيفه ، المسيح ذاته ، كان ضيفه في ذلك اليوم البهي الجميل …!

روائي روسي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً