القُبلة

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

• تأليف : أنجيلا كارتر
•ترجمة : ريم التُمْبُكْتِي

فصول الشتاء في آسيا الوسطى حادة و قارسة، بينما تجلب الأصياف النتنة المعرقة الكوليرا، الزُّحار والباعوض. ولكن في أبريل يداعبك الهواء كما تداعب الأصابع باطن الفخذ، و عبق كل الأشجار المزهرة يُغرق النفحات الخانقة لبالوعات المدينة.

لكل مدينة منطقها الداخلي الخاص. تخيل واحدةً مرسومة بأشكال هندسية واضحة، بأقلام تلوين شمعية أُخذت من علبة ألوان طفل، بالبني المصفر، الأبيض، و البني الباهت. شرفات منازل بلاتينية اللون، منخفضة، تبدو منبثقة من التربة البيضاء الوردية وكأنها ولدت منها ولم تبنَ عليها. غبار رملي خفيف يغطي كل شيء. غبار يشبه ذلك الغبار الذي تخلِّفه أقلام التلوين الشمعية على أصابعك.

وفي مقابل الإصفرار المِبيض هذا تسحر قشور بلاطات السيراميك قزحية الألوان التي تغطي الضريح القديم العين. أزرق الإسلام النابض يحول نفسه إلى الأخضر أمام ناظريك، وتحت قبة بصلية الشكل وتناوب اللازورد والأخضر الزبرجدي، يرقد سوط آسيا تيمورلنك في قبر من اليشب. نحن في مدينة خرافية بأصالة. نحن في سمرقند.

الثورة وعدت الفلاحات الأوزبكيات ألبسة من الحرير ولم تفشل على الأقل في الإفاء بهذا الوعد. ترتدي الأوزبكيات سترات طوال من الساتان الرقيق، وردية وصفراء، حمراء وبيضاء، سوداء وبيضاء، حمراء، خضراء وبيضاء في تقليمات ملطخة بألوان برّاقة تُبهرك وكأنها خدع بصرية. كما تزين الفلاحات أنفسهن بكثير من المجوهرات المصنوعة من الزجاج الأحمر.

دائماً ما تبدو الأوزبكيات متجهمات بسبب ذلك الخط العريض الأسود الذي يرسمنه على أجبُنهن ليصلن حواجبهن في خط مستقيم دونما انقطاع. و يحددن أعينهن بالكحل. إنهن يظهرن مدهشات، يربطن شعورهن الطويلة في دزينتين أو ثلاث من الضفائر الملتفة. أما الفتيات الصغيرات، فيرتدين قلنسواتهن المخملية الصغيرة المطرزة بخيوط معدنية وخرز. والنساء الأكبر سناً يغطين رؤوسهن بزوج من الأوشحة الصوفية المطبّعة بالورود، الأول يربطن بإحكام حول الرأس مغطياً الجبهة، والآخر فوقه يتركن متدلياً مسترسلاً حتى الأكتاف. لم تغطِ أي امرأة وجهها منذ ستون عاما..

يسرن بشكل هادف وكأنهن لا يعشن في مدينة خيالية. لا يعرفن أنهن ورفاقهن من الرجال المرتدين للعمائم والأحذية، والمكتسين ستراً من جلد الخراف، يبدون جميعاً لأعين الغرباء غير اعتياديين تماماً كفرس أحادي القرن.. هن موجودات هنا بكل غرابتهن البريئة المتألقة في تضارب صريح مع التاريخ. إنهن لا يعرفن ما أعرفه عنهن. لا يعرفن أن هذه المدينة ليست العالم بأسره. كل ما يعرفنه أن العالم هو هذه المدينة، جميلة كوهم، تنمو الزنابق فيه في البالوعات، وفي أحد مقاهيها يلكز ببغاء أخضر قضبان قفصه الخشبي..

للسوق رائحة خضار حادة. فتاة بحاجبين موصولين بالسواد ترش فجلاً بالماء من كأس زجاجي. في هذا الوقت المبكر من السنة يمكنك فقط شراء الفواكه المجففة من الصيف الماضي: المشمش، الدراق والزبيب، ولا استثناء لهذه سوى بضع رمانات نادرة، مجعدة، خُزّنت في نشارة الخشب طوال الشتاءوتعرض الآن على طاولات البيع مقسومة نصفين؛ لإظهار أنه مازال بها تجمع من الحبيبات لم ينله الجفاف. أما بذر المشمش المملح، أحد الأكلات المحلية المميزة في سمرقند، أكثر لذّة حتى من الفستق. سيدة عجوز تبيع أزهار اللوف، جاءت هذا الصباح من الجبال حيث تنمو أزهار التوليب البرية مزهرة كفقاعات دموية متورمة، وحيث تضع الحمامات البرية أعشاشها بين الصخور. هذه العجوز تغمس الخبز في كأس من اللبن الممخوض وتتناوله ببطء كوجبة غداء. وعندما تنتهي من بيع أزهارها تعود إلى المكان ذاته حيث تنمو أزهارها. إنها تبدو وكأنها بالكاد تسكن الوقت، أو وكأنها تنتظر أن يدرك شهرزاد الصباح وقد انتهت من رواية آخر حكاياها لتسكت عن الكلام المباح. ومن ثم يمكن لها أن تندثر.

عند آثار المسجد الذي بنته زوجة تيمورلنك الجميلة عنز تقضم ياسميناً برياً. بدأت زوجة تيمورلنك في تشييد هذا المسجد لأجل زوجها كمفاجأة أثناء غيابه في أحد الحروب. ولم يكن قد أكتمل البناء بعد عندما علمت بعودة زوجها الوشيكة من رحلته، فذهبت لتتوسل إلى المهندس المشرف بأن يسرع في الانتهاء من إنجاز تعمير القوس الوحيد الذي لم يتم بعد . ولكن المهندس رفض أن يمتثل للأوامر إلا في حالة أن تمنحه قبلة في المقابل، قبلة واحدة…

زوجة تيمورلنك لم تكن بارعة الجمال، عفيفة جداً فقط، بل كانت ذكية أيضاً. عندما طلب منها المهندس طلبه هذا اتجهت للسوق وابتاعت سلة مليئة بالبيض وصبغت البيضات بألوان مختلفة ومن ثم استدعت المهندس لقصرها. عندما جاءها أرته السلة و طلبت إليه أن يختار أي بيضة يحب ويأكلها. فاختار بيضة حمراء. وبعد أن أكلها سألته: “كيف هو مذاقها؟” “كبيضة،” أجاب. فأمرته بأكل أخرى. أخذ بيضة خضراء هذه المرة أكلها وكررت عليه ذات السؤال. فأجابها: “كالحمراء”. فأمرته بأن يجرب من جديد. فأكل بنفسجية وصرّح قائلا: “كل بيضة لها نفس مذاق أي بيضة أخرى عندما تكون كل البيضات طازجة.” فقالت: “أحسنت، كل بيضة من هذه البيضات تختلف في المظهر عن الأخرى ولكن لهن نفس المذاق. لذا بإمكانك اختيار أي من خادماتي لتقبّلها ولتتركني وشأني.” “حسنٌ،” أجابها المهندس وانصرف ولكنه سرعان ما عاد إليها حاملاً صينية بها ثلاثة أوعية بدت وكأنها كلها مملؤة بالماء.
“أشربي من كل واحد من هذه،” طلب منها. فشربت زوجة تيمورلنك من الأول، و من ثم الثاني لكنها ما كادت ترتشف ملء فمها من الثالث حتى بدأت في السعال حيث لم يحتوي هذا الوعاء على الماء بل على شراب الفودكا. “الفودكا والماء على الرغم من أنهما قد يبدوان متطابقان إلا أن لكل منهما مذاق مختلف، الأمر ذاته ينطبق على الحب،” علّق المهندس. عندها سكرت وذهب عقلها، ومنحت زوجة تيمورلنك المهندس قبلته التي طلب، فاتجه بعدها إلى المسجد وأكمل بناء ذلك القوس في ذات اليوم الذي دخل تيمورلنك سمرقند على ظهر جواده منتصراً، وجيشه حاملاً البيارق وأقفاص الأسرى. وعندما ذهب لزيارة زوجته هربت منه.. فلم يكن يسمح لأي امرأة بالعودة للحريم بعد أن تذوقت الفودكا. غضب تيمورلنك وأخذ يجلد زوجته بسوطه حتى أقرّت بأنها قبلت المهندس. فأرسل جلّاديه في عجل في أثر الأخير. وعند المسجد وجد الجلادون المهندس واقفاً أعلى آخر قوس بناه فأسرعوا إليه صاعدين الدرج شارعين خناجرهم ولكن عندما سمع المهندس جلبتهم نمت له أجنحة وطار بعيدا. إلى بلاد فارس.

هذه قصة في أشكال هندسية بسيطة، وألوان براقة من علبة ألوان طفل. زوجة تيمورلنك هذه كانت لترسم حاجبيها بالسواد، و كانت لتصفف شعرها في دزينة من الضفائر كما تفعل أي امرأة أوزبكية أخرى. كانت لتبتاع فجلاً أبيض وأحمر لتطبخ عشاءً لزوجها. بعد أن هربت منه ربما كانت لترتزق من السوق. ربما كانت لتبيع الزنابق هناك.!

روائية بريطانية

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً