المُشَوه

3098039067_1_7_tqntO1m3

بقلم: آرثر قبريال ياك

– مجاك .. يا مجاك

      لم يجب صاحبنا على زوجته، التي كانت تناديه في تلك الساعة، التي أعلن فيها الكون عن ميلاد يوم قشيب، وأشعة الشمس الصباحية الدافئة تتسلل عبر ثقوب تلك الستارة الشفافة، لتسقط على وجهه الذي بدأ كوجه من آب لتوه من معركة خاسرة. نهض من مضجعه بتراخ متكلف، ليظهر لعقيلته بأنه لم يسمعها، رغم تأثير ما يشبه طنين ملكات النحل على أذنيه، حين نادته بذلك الاسم الغريب. ثم اتأد نذراً، مانحاً نفسه سانحة للتروي، متجنباً بذلك مأزق الانزلاق في تفكير يفضي إلى عواقب تفضح تأويلاته، التي ارتأى أن لا يعرب عنها الآن. وبينما صاحبنا ذلك. وأعتقد أن من واجبك الآن أن تعرف اسمه الذي ربما قد لا يكون غريباً عليك، هو “كاميلو نتالي بازقار”. يقلب احتمالات أن تكون زوجته ما زالت فريسة نوبات حمى الملاريا، التي جعلتها تهلوس لمدة ثلاث ليال، دون أن تتوقف عن التفوه ببعض الكلمات الغريبة، والتي فسرها أحد جيراننا، بأنها كلمات لحكيم أفريقي قديم وتعني: “أن تعاني من أجل سعادة الآخرين، فهذه هي السعادة نفسها”. هكذا قال جارنا منقو، والذي طرد من إحدى الدول الأجنبية، لأنه، وحسب تقارير شرطة تلك الدولة، متهم بممارسة الدعارة العلنية، وضبط وهو يمارس العشق مع ثلاث من الشقراوات في آن واحد، وفي إحدى الحدائق العامة، دونما اكتراث لذهول السابلة، الذين تسمروا في أماكنهم، وهم في طريقهم إلى الكنيسة، لحضور قداس يوم الأحد. دعنا نعود إلى كاميلو نتالي بازقار ومرة أخرى، فبينما هو يقلب كل تلك الاحتمالات، باغتته زوجه مرة أخرى، وهي تقول:

– يا مجاك في شنو؟، أنا ناديتك هسي مليون مرة، وأنت ما داير ترد، في شنو؟.

      رمقها كاميلو بازقار نتالي بنظرة عدائية، لم تألفها ماريتا خلال زواجهما، الذي تم بعد الاضطرابات الامنية ليلة العرس، فاكتفيا فقط بمراسم تقديس زواجهما في كاتدرائية المدينة، دون أن يقيما حفل تتويج عرسهما، خوفاً من أن يتحول إلى حفل جنائزي مرة أخرى. الآن فقط تأكد كاميلو نتالي بازقار أن المقصود ب “مجاك” هو نفسه، وأن زوجه لم تكن تمارس طقوس كوابيس حلم مرضها، بل كانت جادة. يا ترى من يكون مجاك هذا؟، ربما يكون شخص على علاقة سرية بزوجي. حاول كاميلو نتالي بازقار أن يجد تأويلاً لذلك، ولكن دون فائدة. فآثر أن لا يخوض في غمار نقاش صباحي، يعكر صفو يومه، ولكنه رأي في امتناعه عن السؤال عن مجاك هذا ليس إلا إهانة لرجولته، وتقليلاً من شأنه، خاصة عندما يعلم بذلك منقو، الذي منح تأشيرة خروج بلا رجعة من تلك الدولة الأجنبية، والذي جاءه في يوم من الأيام ليتوسط في حل سوء تفاهم نشأ بينه وبين زوجته، فزاده ضغثاً على أبالة، حين استشاط غضباً في كاميلو بازقار نتالي، قائلاً:

– ياخي مرتك العاملة زي أبو قدح دي، ما طلقها وشوف ليك غيرها.

      إحساس غريب اجتاحه. فجأة وجد نفسه يرسم في مخيلته صورة ل “مجاك”، رأى مجاك يُقَبِل زوجه في غرفة معيشتهما. ومن أسلوب مداعبتهما تيقن أنهما يعرفان بعضهما البعض منذ أمد ليس بقريب. أعجبه ذلك المنظر، فلأول مرة يرى زوجته في مثل تلك الحالة: سعيدة ومنتعشة، كأنها اكتشفت جمال الحياة لتوها. امتزجت عليه الأمور. فتارة كان يرى أن الذي يمارس الحب في حجرته ليس إلا هو نفسه كاميلو نتالي بازقار، وتارة أخرى كان يراه ذلك الشخص الذي يدعى مجاك. وبينما كاميلو نتالي بازقار غارقاً في حلمه ذلك، حائراً بين ما يستوجب فعله، والاستمتاع في الوقت ذاته بذاك المنظر، الذي قتل في نفسه غيرته كرجل، شعر بأن شخصاً يهزه هزاً عنيفاً، ومنادياً إياه قائلاً:

– مجاك يا مجاك.

      نظر وعيناه تزوغان من أشعة الشمس، التي أخذت في الانسياب بين أوراق شجرة المهوقني، وتسقط على وجهه وهي تريد بذلك إيقاظه أيضاً. فتح كاميلو نتالي بازقار عينيه، ببطء الحريص على التواصل في حلمه. فرأى منقو، صديقنا المتهم بممارسة الدعارة في بلد أجنبي، واقفاً فوق رأسه. وهو يقول:

– عليك الله يا مجاك أنت لو ما قادر ليها، البيخليك تشربا شنو؟.

      ذهول ممزوج بعدم الخضوع لمؤامرة خفية تحاك ضده، كان هو الإحساس الذي طغى على كاميلو نتالي بازقار، وهو يرى فم صاحبنا ينطق بذلك الاسم. فأدرك أن زوجته لم تكن الوحيدة التي تناديه بهذا الاسم اليوم. ثم أدرك أيضاً أن الأمر لم يكن لينحصر في مجال المعرفة الضيقة فقط. بل ذهب أبعد من ذلك، حين ناديته أنا بنفس الإسم رغم معرفتي به، والتي لم تدم أكثر من ليلتين. هرع كاميلو نتالي بازقار إلى داره، وأنفاسه تكاد تسبقه، ودون أن يدري ألفى نفسه في وسط غرفته، وهو ينظر إلى وجهه في المرآة، جاهداً أن يعرف إن كان هو مجاك أم كاميلو نتالي بازقار. والحقيقة التي يجب أن تقال في مثل هذه الحالة المحيرة، هو أن وجهه كان يشبه تماماً وجه شخص يدعى كاميلو نتالي بازقار. وفي الوقت ذاته وبالإمعان في شكل أنفه الشاذ، والتجاعيد الصغيرة التي تزخرف عنقه، تجده، ودون أية ريبة، ليس إلا مجاك. ولكي لا نتهم بفقدان العقل، ولممارسة الحياد التام، حتى لا يتهمني صديقي بأني منحاز إلى هذا الاسم أو ذاك. يجب أن أقول، وبذكر الاسمين معاً، أن كاميلو نتالي بازقار، ومجاك هذا، لم يعرف أيهما اسمه الحقيقي، حين أمعن النظر في وجهه مراراً وتكراراً. ما الفرق بين أن يكون اسمي كاميلو نتالي بازقار أو مجاك؟، هل الاسم يشبه وجهي؟، أم وجهي يشبه اسمي؟، الكل الآن يناديني مجاك، لذلك لا مفر لي في أن اتقبله رغماً عن أنفي. ولكن ألم يكن الاسم هو هوية الإنسان؟، خمس وأربعون عاماً وأنا أحمل هذا الاسم حتى أصبحت أنا الاسم والاسم أنا. فآن لي أن أبدل اسمي إلى مجاك، رغم أني لا أشبه إلا كاميلو نتالي بازقار. لم يستطع مجاك أو كاميلو نتالي بازقار أن يجد مخرجاً لهذه المؤامرة السرية، التي حاكها الجميع ضده ببراعة. نعم الجميع: أطفاله، أقاربه، وحتى اصدقاءه، أصبحوا ينادونه ب “مجاك”. هكذا قبل صاحبنا باسم مجاك، مخافة أن يودع مصحة للأمراض العقلية والنفسية، خاصة عندما لمح له منقو بذلك، وأخبره أن هناك في البلدان الأجنبية مرض مشابه لمرضه ذلك، قائلاً:

– في إيطاليا كان في واحدة مريضة بنفس المرض، نست اسمها، والأسوأ من ذلك كانت تؤمن بإنى زوجها.

– وأنت سويت شنو؟.

– أوف كورس ما قصرت معاها. أرحم المساكين يرحمكم من في السماوات.

      لذلك أيضاً، وحتى نلتزم الحياد، كما تعهدنا سابقاً. فلا بد علينا أن نسقط ذلك الاسم كاميلو نتالي بازقار، لكي لا يظن مجاك بأننا معشر الرواة نشارك أهله وأصدقاءه تلك المؤامرة التي حيكت ضده بذكاء. هكذا صار صاحبنا يحمل ذلك الاسم مجاك طيلة الفترة التي عاشها في القرية، ونسى كل امرئ أمر ذلك المجنون الذي فقد اسمه، حتى مجاك نفسه كان قد نسى أن شيئاً كهذا قد حدث له. إلى أن أنقلب كل شيء رأساً على عقب في ذلك اليوم العابس، وأصبح مجاك نفسه على حافة الجنون. حدث ذلك عندما جاء وفد من المنظمة العالمية للصحة العقلية، ويرافقهم مدير شفخانة القرية، الذي كان يبدو من هيئته أقرب إلى متشرد، منه إلى شخص يهتم بصحته، ناهيك عن صحة أهل القرية. ونادوه مخاطبين إياه باسم غريب، وهو كاميلو نتالي بازقار. أراد مجاك أن يشرح لهم بأنه لا بد أن يكون هناك سوء في التفاهم، وأن اسمه ليس كاميلو نتالي بازقار. وقبل أن يتفوه بكلمة، قال له رئيس الوفد إنهم متفهمون لما حدث له طيلة هذه السنين، وأن مكتبهم القابع في صدر تلك المدينة، التي بلون الثلج كان متابعاً لتطورات وباء المرض النفسي، الذي اجتاح كل القرية، ولم ينج منه إلا شخص واحد هو كاميلو بازقار نتالي، والذي قبل على مضض أن يصبح مجاك، حتى لا يثير حنق أهالي القرية، الذين عانوا طوال هذه الحقبة من مرض الجنون. والذين الآن بمساعدة المنظمة العالمية للصحة العقلية، قد استعادوا صحتهم النفسية. لم يقبل مجاك بذلك رغم أن كل القرية، بعد زيارة الوفد، أصبحت تناديه ب “كاميلو نتالي بازقار”. لم يعرف مجاك أن كان هو المجنون أم أن القرية بأكملها ما هي إلا مصحة كبيرة، ولم يعرف إن كان اسمه مجاك، أو كاميلو بازقار نتالي، لكنه فقط، ودون أن يلقى بنفسه في متاهة البحث عن شخصيته الحقيقية. كان يعلم تماماً بأنه ليس ب “مجاك”، أو كاميلو نتالي بازقار، بل نسخة مشوهة من الاثنين.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً