برد.. برد

 

تفسير_شرب_الماء_في_الحلم

العاشق ..

 أحمل سطل زلال الكلمات.. وكوبين من المعدن.. ينتعلان صليل القلب..

وأنا أغرق في لجة عطش.. لا أذكر سوى ما ظل البشر يقتتلون عليه منذ بدء الخليقة.. الماء.. والحب..

وصليل أكواب المعدن يغيب خلف متاهات الرحيل والغياب والعودة..

أجد وجهها على سطح الماء البارد

..برِّد..برِّد..

والشمس تلهب ظهري بسياط من حميم.. رائحة العرق.. غبار الطريق.. وخطوط الملح على الوجوه الحالكة.. سوى وجهها..

تمر بي في كل صباح.. بصحبة زوجها.. وفي الطريق تستوقفه.. وتطلبني من على البعد: يا إنت

أسرع أحمل سطل البلاستيك.. وكوبين من المعدن.. ينتعلان صليل القلب

مقدار كوب واحد فقط.. ولا تستزيد.. ترمقني بنظرة ماتعة من عينين خلقتا من طين البراءة.. تقول بصوت خفيض: والله انت بتظبط التلج دة ظبطة.. مبااااااااالغة.. تضحك..

أحيانًا ينتهرها زوجها: خلاص ياخ.. خلصينا

تعتدل في جلستها على المقعد.. يرتفع الزجاج الداكن الذي يشي بمنصب زوجها العالي.. ويخفي ملامحها المبهجة

وهكذا.. ولمدة شهر من الزمان.. كانت في كل إشراقة شمس تكرر هذا الطقس الصباحي المحير.. سمعت يومًا زوجها الكهل يسألها:

ياخي ما تشتري ليك موية صحة وخلاص.. أكيد أنضف من موية السجم دة..

تقصد السيد أن يسمعني إياها.. ولكنني بالطبع تجاهلته.. وكم كان من السهل أن أفعل.. أمام جمال زوجته الشابة المتبرج دونما تبرج.. لن أستغرب بالطبع أن يحصل رجل في سنه على زوجة بهذا الجمال والشباب اليانع.. فأمثاله يحصلون على ما يريدون بأي ثمن..أو قل.. بلا ثمن

الغد..

 لم يكن اليوم عطلة رسمية.. برغم ذلك.. مرت سيارة زوجها والمقعد المجاور لمقعد السائق يفتقدها.. كانت المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك.. أذكر أن القلق سكنني من أخمص رأسي إلى أسفل قدمي.. وساءلت نفسي: لعلها مريضة ؟؟ لعلها متعبة ؟؟

كاد القلق يفتك بي حينما هممت جادًا بالاقتراب من سيارة زوجها أمام الإشارة الضوئية.. وسؤاله بشغف: أين زوجتك ؟؟ لم لم تحضر معك اليوم؟

لولا ستر الله

المرة الأولى لم تكن الأخيرة.. أسبوع كامل وسيارة زوجها تمر بي لا تحمل سواه.. تملكني القلق حقًا.. أو قل تملكني الشوق وسكنتني اللهفة.. وأنا أسائل عنها الطير والحجر والشجر.. وأخشى أن أسأل عنها إنسيًا..أين أنت يا من تمنحين الكون ضياءه ومعناه ؟؟

حتى جاء هذا اليوم.. حضرت في وضح النهار.. راجلة.. لا تمتطي سيارة زوجها.. جاءتني تمشي على استحياء.. وجدتها أمامي.. لا تفصل بيننا سوى خطوة خجول.. مدت يدها تطلب كوب ماء بارد.. كنت أطالع وجهها المنكس بشوق وحيرة.. وفي خاطري مئات الأسئلة.. لكن.. من أنا ؟.. ومن هي ؟؟

أفرغت كوب الماء دفعة واحدة.. ثم رفعت عينيها البريئتين ترمقني بنظرة حزينة.. قالت بصوت واهن:

تعال.. عايزاك..

ثم أولتني دبرها مبتعدة بخطوات متقافزة متسارعة.. لكأنما توحي لي بأن أتبعها من على البعد.. تركت سطل الماء في موضعه.. أحمل بين يدي كوبين من المعدن.. ينتعلان صليل القلب..

ذلك القصر المنيف.. هناك.. لا بد أنه منزلها وزوجها الثري المقتدر.. عبرت بابه المشرع بخفة ورشاقة.. وأنا أتبعها من على البعد.. ترددت قليلًا وأنا أتأكد من خلو الشارع من المارة.. شيء ما أنبأني بأن الحذر فرض عين علي في الساعات القادمة.. تجاوزت عتبة الباب.. ما كدت أفعل حتى سمعت صوته يغلق.. التفتّ.. وجدتها هناك أمامي.. حاسرة الثوب.. تلقي علي جسدها الغض.. يختلط عطرها.. برائحة عرقي..

كان نهارا طوييييلاً طويلاً.. وبرغم ذلك مر بسرعة البرق.. شهي القسمات.. كانت شرسة وعنيفة في كل رشفة متعة.. تملأ رئتيها بعنف من رائحة عرقي.. أذكر أيضًا أننا حطمنا في عناق حميم مزهرية عملاقة.. طاولتين.. و الكثير من قطع الأثاث التي لا أعرف لها إسمًا.. كانت كثور هائج.. وكنت كموج ينطلق من سد حرمان امتد سنوات عددًا.. لم أكن أعلم أن هذه الرقة المتحركة.. تستطيع أن تكون بهذه الشراهة..

قبل غروب الشمس بقليل.. خرجت خلسة.. أرقب الطريق من جديد.. أعود إلى حيث سطل البلاستيك.. وجدته ملقى على قارعة الطريق.. قد جف ما كان في جوفه من ماء على الرمال والحصى.. عدت أملؤه من جديد.. ومن ثم ذهبت إلى كشك الثلج.. أشري ببضع قطع نقدية ربع لوح من الثلج..في الطريق إلى هناك.. وأنا أتأكد من وجود القطع النقدية في جيبي.. اكتشفت وجود رزمة كبيرة من المال.. تلك العاشقة النقية الطيبة.. دستها بين ثنايا قميصي القصير خلسة.. حين عناق أو حين قبلة.. أو ربما عند الوداع الأخير.. حيث الحلم إلى أفول,, والنشوة إلى رسوخ في عمق الذاكرة..

أسرعت أخبئ الرزمة في جيبي من جديد.. وأعدل عن شراء لوح الثلج.. عدت حائرًا أحاول استرجاع ما حدث.. سببه وما يجوز أن يحدث تبعًا له.. عدت إلى موقفي الدائم.. حيث الإشارة الضوئية للشارع الرئيسي.. جلست على ظهر السطل البلاستيكي.. وكوبي المعدن.. مازالا بذات الصليل.. سوى أنه صليل حيرة الفكر على ما أظن.. أكان حلمًا ما جرى؟

قطعت حبل أفكاري صوت صافرة إنذار.. سيارة إسعاف ربما.. شرطة.. سوى أن الصوت يقترب.. ويقترب.. ويقتلعني اقتلاعًا من أفكاري.. مازلت هناك جالسًا على سطل البلاستيك.. أرى من على البعد البوكس الأزرق.. يقترب بسرعة جنونية ويثير غبارًا كثيفًا.. يقف أمامي تمامًا.. يكاد يدهسني بإطاراته المسرعة.. وأرى في ما أرى.. من بين طيات الغبار والدهشة.. على المقعد الأمامي.. زوج الكهل الفاتنة.. تشير إلي بعينين تقطران براءة ودموعًا.. ويخرج صوتها حتى عند الصراخ برقة متناهية:

أيوة.. هو دة..هو دة القتل راجلي

نظرت إليها بدهشة.. لبرهة لم أفهم ما قالت.. كأنها تتحدث بلغة أجنبية لم أسمعها من قبل.. أفراد القوة يهبطون بسرعة كأبطال متوجين بانتصار مؤزر.. يلقون القبض على جسدي النحيل بقسوة مفرطة.. ودموعها ما زالت تنهمر من براءة عينيها..

ملقىً تحت الأرجل.. وأذكر تفاصيل شهر مضى.. وكل لحظة تمر على خاطري تزيح بعضًا من حيرتي..نظرة بريئة في عيني أنثى لا ينبغي أن تنظر إلي مطلقًا.. كوب ملوث يلامس شفتيها حبًا وكرامة.. حنان وعطف على أكوابي وسطلي البلاستيكي.. غياب لا مبرر له.. سوى شحن قلبي بشوق لا يمت له بصلة.. وأخيرًا وليس آخرًا.. بصماتي المنتشرة في كل أرجاء المنزل.. وعلى كل قطع الأثاث المحطمة.. وهناك بجوار الإشارة الضوئية.. كوبان معدنيان يصمتان عن الصليل..

ابتسمت ببلاهة.. ورجل الشرطة يدخل يده داخل جلبابي الممزق.. ويلتقط رزمة كبيرة.. من الأوراق النقدية

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان

أضف تعليقاً