توبة

ff8365dd80e8f3b935e0274fb75f82fc

 لم يُفارق أبوه عِنْقِريبَه مُنذ أنْ سمِع الخَبَر, ولم يُعدِّل من جلسَتِه , بل لم يَرفَع بَصَره من التُراب قيدَ رَمشَة , ومع إِصرار ابنه على انه لم يكُن يعنِي بِكلامه ما ذَهَب إليه النّاس كانت زَوجَتهُ تَبْكِي بُويْضَتِها التي انتهت إلى هذا الشّيطَان , وما لم يَتَوقّعه ذلِك الشّيطان حقًّا هُو أن تُطَالبه أمه بِحَلِيبِها. وعِندَما فَقَدَ جمِيع المِساحات التي يُمكِنه أن يتَحرّك فِيها وخُصُوصًا بَعدَ أن كَشَحَتْهُ ( ميسونة ) بتِلكَ النَّظرة التي قَدَّرَ أنها تَشبَه ( طُراش الكَلِب اللِّحِس مُلاحْ رُوب ) عِندَما قَابَلَها فِي طَرِيق الوَادِي , وهِي التِي كَانَتْ تَتَرَصّده و تُعَرقِل قَلْبَه الخُرطُومِي بابتسامات مُتَكلفة ؛ وافَقَ أخِيرًا على إِعلان التَّوبَة أمام المَلأ يوم الجُمعة , ولكِن ما كانَ الأمْرُ ليَنتَهِي بِتِلك السُّهُولة , فَقَد اشتَرطَتْ أمُّه أن يقُوم شِيخ مُدَثِّر بِإعادة تأهِيله , و إِلا فَإنها لن تَقبَل مِنه تَوبَته , وشِيخ مُدَثِّر هذا إنسَان له لحية تَشبَه ( النَّجِيلة القَايْمَة فِي مُويةَ البَلاعَة ) كَما وصَفَتهُ إحدى المُعلِّمات قَبلَ أسبُوع فَقَط , وهُو الذِي ظَلّ مُحتَفِظًا بِلَقَب ود الخُرطُوم لعِدة سَنَوات , وظَلّ يَسْتَمتع بِما يَدِرُّه عَلَيه ذلِك اللقَب مِن سُلطَةٍ ووَجاهة لَيسَ آخرها حصُوله على إمَامة مَسجِد , ولكِن حَمزة المَغلُوب على دِينِه ما كانَ لِيُفَكِّر فِي شَعَرٍ لعِين نَبَت فِي ذِقن الشِّيخ أو فِي أيِّ مكَان آخر .

لاحَظَ حَمزة فِي الثلاثة أيام التِي تَلت وُصوله عائِدًا مِن الخرطوم تَوتر العلاقة بَين أخته هُدى و اِبنَة خَالتِهِما , غيرَ انّه تَجَاهَل الأمْر , و بَعد يَومَين وَجَد المُراهِقتَان تَتَشَاجَران بِصُورَة هِستِيريّة وصَل إلى دَرجَة مِعِّيطْ الشَعَر , استَطَاع حَمزة بعَد جُهدٍ عظِيم أن يُلَملِم حُرُوف هُدى المُندَفِعة كأنّها خَارِجة مِن فَوهَة بُركَان , لِيَحصُل على ما مَعنَاهُ أنّ اِبنَة خَالَتِهِ تَشِيع فَي ِبَنَاتِ الحَي انّهُ يُحِبها , وانه أغْدَقَها بالهَدايا الخرطومية , بَينَما تَقَرفَصَت اِبنَة خَالتِهِ وأسْدَلت طَرحَتها على وجهِها وغَمَسَت حنجَرَتِها في بُكاءٍ مُر , لَكِنّه وبِحُكمِ بَنَاتِيّتِهِ المُفرَطَة استَخلَصَ من كلامها المُغلّف جيِّدًا بالبُكاء أنّ هُدى قَالَت لَها كلامًا لا يَلِيق إلا بِسِتّاتِ الشّاي , وأنّ أُختَهُ تَغِير مِنهَا فَقَط لأنَها ( مَا قَادْرَة تِتْكَلّم عَرَبِي كُويِسْ ) , ولأنّ حَمزَة باتَ يكِنُّ للمُراهِقَتَينِ مَشاعِر اقلّ ما تُوصَف بأنّها ( تُرَامْبِيّة )[1] ؛ كان مِن أهدافِه أن تَظَل الأغْبِرة عالِقة فِي علاقَتِهِما , لكِنّهُما أصرّتَا عَليهِ أن (يِوَقِف الغَلطَانْ فِي حُدُودُو و يِوَرِّيهُو تُرَبْ[2] جُدُودُو) , و إلا سيَكُون متَواطئًا مَع أحَد الطّرَفَين .

وبِغضِّ الطّرف عمّن ستَنتَهِي القَضِيّة لِصالِحها فإنّ هُدى كانَت ستُحِيك حَول طَرِيقة تَعاطِي حَمزة مَع المَوقِف الكَثِير مِن القِصَصْ التِي تُبَين كَيفَ أنّ الخرطوم تَصنَع مِن الأولاد رِجالًا حَقِيقِيين لا تغرِيهم الفَتيات اللائِي يتَحدّثن كَما لو يَحمِلنَ قِطَطًا فِي حَناجِرهِنّ , وكانَتْ ابنة خالَتِه سَتصَوِّر لِصَدِيقاتِها حِنكَته التي وَسِعت كُل شَيء , ورُقِيّه , و سَتُؤكِّد لَهُن أنّ الخرطوم التِي أتى مِنها شِيخ ود الخرطوم ليسَت هي الخرطوم التي ذَهَب إليها حَمْزة , لأنّ هذِه الأخِيرة تَجعَل مِن النّاس بَشرًا لَطِيفِين . تَظاهَر حَمزة بِالحِياد وسألهُما :

– شُهُودكم مِنُمْ ؟

ولأنّ السُؤال بَدَا جِدّيًا وَقَفتْ اِبنة خَالتِهِما , وَبدأتْ كُل واحِدة تقسِم أنّها صَادِقَة وانّ الأخرَى كَضّابَة اُمْ ضَنَبْ , لَكِنّهُ أعَادَ السُؤال بِجِدَّية اكبَر ..

حِينَهَا قَالتَا فِي وَقتٍ وَاحِد

الله …

شَاهِدِي الله..

سَاحِدِي أللا[3] ..

فسَألهُما : الله دا مِنو ؟

رَدّتْ عَليهِ هُدَى بِدَهشَة بَلهَاء :

أللا دا مَا أللا بَسْ ..!

فَقَال هُو بِلكْنَتِهِ التي عادَ بِهَا من الخُرطُوم وباستياء : إنتُو قُرُود ما بِتَفْهَمُو سَاي ..

ثُم انصَرَف ..

أغمي على هُدى بَعَد جَوابِهِ الأخِير, و اكْتَشَفَتْ بَعدَ سَاعَات أن دَورَتَهَا الشَّهرِية جَاءت اسْرَع مِن عَادَتهِا بإحدَى عَشرةَ يَومًا , أما ابْنَة خَالَتِهِا فَفَقَدتْ عِشْرُونَ كِيلُوجُرامًا من وَزْنِها دُفْعَةً وَاحِدة , حَتّى أن لِباسهَا الدّاخِلي اِنزَلَقَ ووَقَعَ عِندَ قَدَمَيهَا وهَي مُتَسَمِرة فِي مَكانِها . ولمّا حَكَت هُدى الفَاجِعَة لأمِّها بَعد أن فاقَتْ ؛ شَعَرتِ العَجُوز بِدُوَار عَنِيف مَصْحُوب بأعراض ما بَعَد الوِلادة . و سَادَ صَمْتٌ قُبُورِي فِي البَيت . تَذَكّرَت الأُم بِفَزع كَبِير كَيفَ أنّ حمزة قَبّل رأسَها و يَدها عِندَ عَودَتِهِ من الخرطوم , و تذكّرت هُدى أنّه فِيما كانَت هِي تُسَلِّم عَلَيهِ و تَنظُر إلى الأرض كَما يُجدَر بِكُلِّ أُختِ تُسَلِّم على أخِيها الأكبر ؛ قَامَ هُو بمُعانَقَتِها , ولَم يتَوقّف عِند هذا الحَد , بَل قال لها : إنتِ بِقِيتي حِلوة خلاصْ

بَعد يَومَين مِن البَحثِ عن عِلاج لشَلَلِ أبِيهِ المُفَاجئ , بَعد يَومَين مِن البَحث عَن أمه وأخته , بَعَد يَومَين مِن البَحثِ عن تَفسِير لِمَا يَجرِي , ظَهَر خَالهُ مَع أمه فَجأة فِي فَنَاءِ البَيت , كانَ يَعتَمِرُ عُمَامة كَبِيرة غِير مُتّسِقة , ويَحمِل عُكّازًا على نَحوٍ لا يُبَشِّر بالسَلام ولا حتّى بِمُبَاحَثات قَد تُفضِي إليه , ففَكّرَ حَمزة فِي شَيء قَد يَكُون وراء هَذا الجُنون وهو انّه رُبّما أصابت هُدى شَرَف الأُسرة فِي مَقْتَل ..

– بَقَاؤُك هُنَا سَيَجلِب لنَا حِجَارةً مِن الجَحِيم , إِمّا أنْ تَتَوب أو تُغَادِر بَيت أختي , و الحَي أيضًا..

هَكَذا صَعَقه خاله دُونَ تَمهِيد أو أيِّ طُقُوس رَتِيبَة …

اِحتَاجَ حمزة لِنِصفِ دَقِيقَة ليُطَابِق الكَلِمات السّابِقَة بِمَعانِي مُحدّدة فِي قَامُوسِه , ثُم إلى دَقِيقَة أخرى ليَفْقِدَ إحساسه بالزمَكَان ومِن ثُمّ إعادة نَسجِهِ بِمَا يَتَوافَق و غَرائِبِيّة المَشْهَد , وفِي الخَلفِيّة البَعِيدة لجُوقة الأشياء التي تَكَدّسَت فِي رأسِهِ سَمِع خَاله يقول : كان يُمكِنُكَ أن تَصِير وهّابيًا أو أي شَيء آخَر مِن لَخَاوِيس[4] هذا العَصْر , فَرُبّما استَطَاع أبي المَرحُوم أن يشْفَع لَك يَوم القِيامة , أما أن تَأتِينا شُيوعِيًّا ؛ فَهذا أمر لَن يَطِيقَه جَبَل مَرّا نَاهِيكَ عن أختي المِسكِينة . وفِي الوَقت الذي خَطَا فِيه حمزة خَطوَتَينِ إلى الخَلف كَمَن ينوِي الهُروب , كاَنت أمه تَندُب حَظها الجَاف , ماذا سَيقُولُ النّاس عَنهَا , وهِيَ ابنَة الفَقِيه الذِي خَطّ بِيَدِهِ الشّرِيفة مائتَان و تِسُعونَ مُصحَفًا .

تَسَاءلَ حمزة بِبَلادة مُثِيرة للضَّحِك : أنا شُيُوعِي ؟

إذا كَان ثَمّة شَخْص فِي ذلِك الحَي النّائِي مِن مَحلِّية نِيرتِتِي[5] لا يَدرِي ماذا يَعنِي أن يَكُون احَدَهُم شُيوعيًا فهُو حمزة , لأنهُ كانَ لا يَزالُ فِي الخُرطُوم يُؤدِّي امتحانات فَصلِه الدّبلُومِي الثّانِي بِتِلكَ الكُلِّية المتَواضِعة المَعرِفة و المِعمَار عِندَما دشّن شيخ ود الخرطوم سِلسِلة خطَبِه عن الاتجاهات الكُفريّة المُعاصِرة , و من بَينِها خطبَة ( الشُيُوعِيين كِلابُ النَّار ) التِي سَرَد فِيها الشِّيخ أفكارهم بَدءًا مِن أنهم لا يَعتَرِفُون بالله , ويَقُولون بِأنّ الإنسان كانَ قِردًا ولَيسَ العَكْس , وأنهم لا يَتَزوجُون و يُضَاجِعُونَ عِوضًا عن ذلِك أخواتهم و أمهاتهم . ولم تَطرُق مَقُولات مِثل الشُيوعِيَة أبواب رأس حمزة الذي كانَ يَبذُل جُهدًا عَسِيرًا ليُميِّز بَينَ زَمِيلاتِ الدِّراسة اللائِي يَتَشابَهنَ كَمَا ( السّواسِيوْ ) فِي كَلامِهِنّ ومَشْيِهِنّ وفِي بُكائِهنّ بَعْدَ الخُروجِ مِن قَاعَات الامتحانات , لكِنّه ومِن إيحَاءات خَالِهِ استطاع أنْ يَصِل إلى أنّ الشيوعية مَرض جِنسِي خَطِير مِن الأمراض المُنتَشِرة بكَثَرة فِي الخُرطُوم , مَرَض مِن النوع الذِي لا يَملِك الأطِبّاء له دواءً , مَرض يُعالِجه الله وَحدَه بِواسطة الشيوخ . ثم بدأ يَستَعِيد صُوَر الإثيُوبِيّات اللائِي طَرَقَ أجسادهنّ , و زَمِيلة الدِّراسة المُحَجّبة التِي هَرَبَت حَتّى دُون أن يَكمِلا صَولةً واحِدة خَوفًا مِن أن تَتِم مُداهَمَتهِما فِي تِلك القاعة المَهجُورة والتي فِيما بَعد أصبَحَت تَتَحاشى مُلاقاته قَبل أن تَختَفِي مِن الكُلِّيّة نِهائِيًّا .

أعادَ التَفكِير فِي سَبَب تَدَهوُر صَحّتِهِ التِي لاحَظَها الجَمِيع , شَعَر برَغبَة جارِفة فِي التَبَوُّل …

جَاوبَتهُ أمه باحتقار غِير مُتَكلّف :

فِي زُول نَصِييييح كِدا بِقُول مَا بَأَرفِي [6] الله ؟

وهُنا تَفاقَمت المَعضِلة على دماغ حَمزة , حَيثُ أنّه لا يَذكُر أنّه أدلى بِهكَذا تَصرِيح , فخَمّنَ أنّه فِي مَرحِلة خَطِيرة لِلحَد الذِي يَهذِي فِيهِ بأشياء هو غِير واعٍ بِها , شَعَر بِتَنمِيل يَجتَاح جَسَده , بخَدَرٍ عَظِيم , ..

لمّا عَجزت الأم الَملكُومَة و أخيها مِن أن يسْتَنبِطَا مِن نَهْنَهة حمزة أو على الأقل أن يسْتَقرِئا بِهِ ما يُمكِن أن يُعَضِّد التُّهم المُوجَّهة إليهِ ؛ عَدّت الأُم ذلِك نُكرانًا مُبِينًا , ولِذا ذَهبَت و أحضرت شُهُود الاتهام .

كَانتَا تَرجِفَانِ بِدُون حِظَار , ابْتَدَرت هُدى شَهَادتها :

– وَوَكِت قُلنَا لِييو يِتلِّئِي زُّول الخَلْتان قَال لِينا سَاحِدكُم مُنو , اَنِينَا قُلنَا لِييو سَاحِدنا قَال أَللا ..

هُو تَوّالِي قَال لِينا أللا دَا مُنو ..

وَكِتْ قُلنَا لِييو أَللا دا قَال أللا ؛ قال لِينا انِينا قال قُرُود[7]

بِنت خَالتِها وَدُون أن تُسأل دَفَعَتْ هَواءً مِن صَدرِها ليَخَرجَ مِن انفِهَا صَوتًا مُنغّمًا يضَع عَلامة المُوجِب على شَهادَة هُدى ..

بَلعَ حمزة رِيقَه مُغمِضًا عَينَيهِ لِعِدة ثَوانِي , و قَام بِتَدْبِيس الِزرَارَتَين العُلويّتين لقَمِيصه الغَريب ثُم زَفَرَ هَواءً كَمَن صَحا مِن كَابُوس , نَظَرَ إلى أمه بِتَودًّد وحَاوَلَ أن يَتَحَدّث لُغةً قَرِيبة مِن لُغة أمه خَالِصَة المَحَلِّية :

إِِيَا : انا مَا كَان قَاسِد قال مَا نَأَرْفِي أللا ….

أفسَد عَليهِ خَاله مُحاوَلة تَحنِيك أخته باستفهام يَحِمِل شُحنة مِن الدَلالات التِي لا تَمُت إلى الخؤوُلة بِصِلة :

– قُلتِي أللا دا مُنو ولا مَا ُقلتِي ؟

– لكن ما كان قاسِد قالـ…

– خَلاسْ … , فَلحَمَا حَنا شُيُوإِيّا دا ما تسوِّي لِينا حِنا[8]

قَام حمزة بِنقلِ الجِدَال إلى لُغَتِهِم الأم لِينقُلَ لَهُم فِكرَة مَفَادها أن لَيسَتْ جَمِيع الجُمَل تَدُلْ على الدّوَام على مَدْلُولاتِهَا المُبَاشِرة , بَل إنّه يُمكِن للجُمَل أحيانًا أن تُوَلِّد جُمَلًا أخرى فِي أدمغتنا لِتَتَولّى هَذِه الجُمَل الافتراضية مُهِمّة الإحالَة إلى أشياء نَقصُدها فِي الخارِج , وبِذلِك لا يَكُون سُؤالهُ ذلِك استِفهَامِيًا حَقِيقِيًا , بَل يَعنِي أن الله لا يُمكِن التَواصُل مَعَهُ لِمَعرِفَة الغَلطَان مِنُو , وواصَل يضرِب الأمثَال ,

[Namá abá dʉwó in kuwá [ 9 :

Aakira kii yaŋâ ná wá̱ɨ́ŋo , in á-lóŋ ba âl dʉwó ɨd sí kúwel alá kí see aakira yaŋâ namá wá̱ɨ́ŋo ; marraŋ in si âre-ii dʉwó ála á keba ása akira’ŋ jaluŋ loŋ ásáŋ kie kuwa sí tawtáw pii

تَبَادَل الخَال والأم النّظرَات واتّفقُا بصَمت على أن هذا العِفرِيتْ بدأَ يَستَخِدمُ طُرقًا مُلتَوِيَة لتبِرير الشّيْعَنَة , فكَان الإجراء الأخِير و الفَاصِل بَينَ الحَق و البَاطِل ,

يَا زُول أدِّيناك تلاتة يُوم , يا تتوب يا نِشِدُّو مَعَاك جَمَل مَقلُوب[10] .

أعاد شيخ وّد الخُرطُوم أَسْلَمَة حمزة بِتَلقِينِهِ الشّهَادَتَين بَعَد صَلاة الجُمعَة فِي مَسجِد الحَي , ثُمّ بَدأ فِي مُحَاضَرتِهِ يوميًا بَعَد صَلاة العَصر عَن التّوحِيد و المِلَلْ و النِّحَلْ المُعَاصِرة الكَافِرة والتي مِنهَا بِطَبِيعَة الحَال ( النِّيقْرَز ) و ( الجُوكِيّة ) و ( الشيوعيين ) أحفَاد القِرَدَة , وقَد كان لتَحَقُق نُبُوءَة الشيخ بِخُصُوص طَلَبة الجَامِعات و الجَامِعات الخرطُومِية عَلى وَجه التّحدِيد الأثر البَالِغ فِي تَحوُّل العَلامة التِّجَارِيَّة لاسمه مِائة وثَمَانِين دَرَجَة إيمانية , فَمَا إن وَطَأت لحيَتُه اَرْضَ الحَي الوَلِيد قادِمًا مِن الفَاشِر كَمُعَلِّم بِمَدرّسة نِيرتتي الثّانوِيّة بَنِين حَتّى هَبَطَتْ سُمعة الحَي بِصُورة مُزرِية , الحَي الذِي يَشتَهِر بِبسَاتِين المَانجُو و أكبَر ساحة رَقْص مِن بين سَبْعَة عَشر ساحة رَقص مُوزعة على أحيَاء المَدِينة , وتَردّت سُمعة الحِي أكثَر بَعدَما أخَذ بَعَض قاطِنِيه يَعتَنِقُون أفكَار الشِيخ الذِي لا يَنفَك يُحدِّث بِزُهُوٍ عَن الخرطوم التِي لَم يَرَها قَط , وَلا يَتَوانى مِن أن يَروِي أحاديثًا عَن غَرائِبها و عَن سِفُورِها الذِي تَشِيبُ لَه الأجِنَّةُ فِي بُطُونِ أُمّهَاتِها, وعَن ما يَنزِل بِها ما أشْرَقَتِ الشّمس مِن غَضَب الله , وأخَذ بَعض أهَل الحَي يمسِكُون بَناتهم عَن مُراقَصَة الشّباب , و رُوَيدا رويدًا التصق بالحَي اسم ( حِلّة وَهّابة ) , بَيدَ انّهُ الآن لا احَد يَكتَرِث لسُمعَة الحَي , فالشِّيخ رَجُل صَالِح , ولَهُ كَرامَات أيضًا .

تَعَافى والِد حَمزَة مِن الشّلَلَ , وَ شَهِدَ فِي المَسجِد مِثُله مِثل جَمِيع الرِّجال والنِّسَاء و السُكَارى و العَسَاكِر وسِتّاتِ الشَّاي و الَعَرَقِي و الحَمِير و الأطفال , شَهِدَ مَرَاسِم إعادَة ابنَه مُسلِمًا لا غُبَار عَلَيه , و أشْرَف شَخصِيًّا على تَوزِيع بَلِيلة الدُّخُنْ و مَدِيدة السَّنَتِين . ولِشدّة فَرَحَتِهِ أعاد لَم شُلَّتِهِ القَدِيمة فِي المَساء حَول سَبعَة ( بُخَساتٍ )[11] من المَرِيسة احتِفالًا بأوّل شيوعي يعُود للإسلام , فبِحَسَب شِيخ وَد الخرطوم كُلّما أصبح عَبْدٌ ما شيُوعيًا ؛ قَهقَهَتِ النِّيرانُ مِلءَ أبوابها السّبع .

بَعَد أربعة أيام و بَينَما حمزة خارِجٌ لصَلاة الصُّبح وَجَد والِدَه يَدُور بِسُلحُفائِيّة عَظِيمة حَولَ قُطِّيتِه , كَان يأخُذ دَورة كَاملة حول نَفسِه بِتأنِّي وصَبر شَدِيدَين , ثُم يتَقَدّم عِدة خَطوَات بَطِيئة حَول القُطِّيّة , كان ظَهْره مُحدَودَبًا , و عَينَاه مُثبّتَتانِ إلى الأرض كمَن يَبحَثُ عن حَبّةِ دُخُنٍ ضَائِعة , و كان يَحمِل بُندُقِيّة صَيد قَدِيمة وصَدِئة , اقتَرَبَ مِنهُ حَمزَة و ناداه :

– أبّا …

– أبّا إِنْتَ سَيي آفِي [12] …؟

وكانَت فِي عَينَيه نَظرَةٌ جد مُفزِعة , نَظرَة قُنُوط و توَسُّل , وإحساس بالضَّياع , لكنّها أيضًا تَدُل على انّه لَم يَتَعرّف علَيه أبَدًا , كان يُحرِّك شَفَتَيهِ كَطِفل يُوشِكُ على البُكاء , أراد أن يَقُول شَيئًا ولكِن تَمَنّعَت الكلِمات , فأشاحَ بِشَفَتَيهِ الرّاجِفتان و أنفِهِ الرّطب و عيناه الدّامِعَتان عَن حَمزة وهَمّ بتَجاوُزه والمُضِي قُدُمًا فِي دَورانِهِ . أعاده حمزة إلى قُطِّيتِهِ و جَلَسَ قُبَالته فِي انتِظَار شُرُوق الشّمس , استَعاد الوَالِد على عِنقِريبِه وَضعِيّة ما قَبل تَوبَة حمزة تَمامًا , تِلكَ الوَضعِيّة التي تُؤهِّله لِيكُون أحَد مَنحُوتات مايكِل أنجلو . وعِندَ الثّامِنة و النِّصفْ , كَانَت بُندُقِيّة الصّيد القَدِيمة تِلكْ , الصّدِئة , كَانتْ تُطلِق رُصَاصَاتِها الأولى مُنذُ عِشرُون عَامًا , كانَ صَوتُها قَوِيًا بِحيثُ يُمكِن لِشَخص فِي مَرْتَجُلُّو[13] أن يَسْمعهَا , وقَد سَمِعها بالفِعل كُل من كانَ بَينَ مَرتَجُلُو وَنِيرتِتِي , الُمزَارِعُون العَاكِفُون على أراضيهم , طَوَابِير التّلامِيذْ , طُيُور التِّيمِي تِيمِي[14] , دَبّابَات الجِيْش مَقطُوعَة الجَنَازِير, جَبَل مَرّا فِي الضّلع الشّرقِي مِن المحَلِّية , والذي بَدا شَاحِبًا و بَعِيدًا أكثَر مِن المألُوف , البَدُو الوَافِدون على سُوق جَبَرُونَا[15] , العَريسْ المَازَال مُكَنكِشًا فَوقَ عَرُوسَتِهِ مُنذُ الوَاحِدة مُنتَصَف الفَرَنقَبِيّة , الثّعَابِين فِي جُحُورِهَا , النِّساء اللائِي يَغسِلن مَلابِسَهن فِي ضِفّة وادي تِمسُو[16], سَفرِيات الوِادِي[17] القَادِم مِن زَالِنجِي و المُتّجِه الى نِيَالا , كُل هَؤلاء و آخَرُون غِير مُهِمِّين سَمِعُوا أصوات الرصَاصَاتِ الثّلاثْ , المُنْطَلِقَة مِن بُنْدُقِيّة الصّيد القَدِيمَة , البُندُقِيّة الصّدِئَة , إِلا حمزة لَم يَسْمَعْهَا .

ــــــــــــ

[1] – من تُرامب , الرئيس الامريكي

[2] – كلمة معربة من لغة الفور , أصلها Turbaŋa وتعني المقابر

[3] – المجموعات الثقافية التي تسكن حول جبل مرة لا تنطق الكثير من حروف اللغة العربية لأنها غير موجودة في لغاتهم الأصلية , منها حروف الشين و الهاء , و جملة ساحدي اللا قالتها هدى وتقصد : شاهدي الله .

[4] – أشياء تافهة

[5] – محلية في وسط دارفور , تقع غرب جبل مرة

[6] – ما بِيَعْرِفْ

[7] – هدى تروي تفاصيل ما دار بينها و ابنة خالتها من جهة و أخيها حمزة من جهة ثانية بعد أن وجدهما تتشاجران

[8] – يقابلها بعامية الوسط : خلاص , حركات الشيوعية دي ما تخلعنا بيها

[9] – الترجمة :

فإذا قال أحدهم : من الذي ذهب إلى القيامة وعاد ؛ هذا لا يعني أنه يبحث عن شخص زار القيامة حقيقة , لكنه يعني أن لا أحد يعلم على وجه الدقة ما سيحدث يوم القيامة .

جملة من الذي ذهب إلى القيامة وعاد تأتي غالبًا عندما يختلف شخصان و يتوعد أحدهم الآخر بأنه سيقتص منه يوم القيامة , فيرد الآخر على الوعيد بهذه الجملة

[10] – جملة نشدو معاك جمل مقلوب كناية على أن قائلها ينوي إتخاذ إجراءات وخيمة العواقب على الشخص الموجه إليه الكلام

[11] – إناء من نوع كبير من القرع

[12] – أي : أبي هل أنت بخَير

[13] – قرية كانت تقع جنوب نيرتي لم يبق منها بعد الحرب إلا الاسم

[14] – التيمي تيمي ( Temetême)طائر كبير أسود يأتي مع بداية الخريف ويرحل بنهاية الخريف

[15] – أكبر سوق في محلية نيرتتي

[16]- وادي ينبع من جبل مرة و يشق مدينة نيرتتي من الشرق إلى الغرب

[17] – بص سفري من أوائل بصات السفر التي عملت بطريق زالنجي نيرتتي كاس نيالا , ويعتبر رمزًا تراثيًا في أدب الرحلات في المناطق السابقة .

عن بييرا كُرا

mm
قاص من السودان

2 تعليقان

  1. من اجمل ما قرأت واصل بيرا ابداعك

    احتفالات توبه اول شيوعي للإسلام
    واحتفالات بطعم المريسة هههههه

    توبه. نص قمه الجمال

  2. نصرالدين آدم

    ليس لي تجارب مع النقد الأدبي، كقارئ ذواق للرويات والقصص القصيرة، في الحقيقة قصة قصيرة جميلة ليس مجاملة في حقك والدلالة على ذلك لم أعرفك الا اسفيريا، في الحقيقة استمتعت بالقرائة، واتمنى لك التوفيق ومزيدا من التقدم كن بخير
    كل الحب ياخ ❤

اترك تعليقاً