الرئيسية / احدث التدوينات / د. فرانسيس دينق … عقل مصقول بتجارب التعايش السلمي

د. فرانسيس دينق … عقل مصقول بتجارب التعايش السلمي

2438960

     من يعرف السودان معرفة حقة يدرك أنه بلد يجمع المتناقضات جميعاً، فمثلاً: مساحته الواسعة؛ مترامية الأطراف، تضيق بأهلها منذ وقت طويل، تستطيع أن تقول قبل تشكل الدولة، ثروته الثقافية وتنوعه العرقي والاثني الكبير الذي يفترض به أن يسهم في خلق بلد لا يشبهه بلد، من حيث تعدد الثقافات واللغات، نجدها أصبحت سبباً في أن تشهد البلاد صراعات، وحروب طاحنة، في مستويات عدة، تمنع تقدمه خطوة واحدة. لكن ولأن الخير يكمن في الأشياء كلها، مهما كانت قاحلة جدباء، فأنه بمنطقة تقع في منتصف البلاد، في جنوبها الغربي، تعرف باسم “أبيي”، وفي العام 1930م، تدفق الهواء للمرة الأولى في رئتي وليد لسلطان المنطقة، سماه فرانسيس. ما أن تلمع خاطرة متعلقة ب د. فرانسيس دينق في ذهني؛ حتى ترد معها مفارقة مبكية محيرة، سأشارككم بها، وللحقيقة هي فخ أكثر منها مفارقة!، فخ سقط، وما يزال يسقط فيه أغلب السودانيين، بمن فيهم مثقفوا البلاد والوضع كما يلي: “عند ذكر اسم د. دينق المفكر، أو الدبلوماسي، أو الروائي، أو الأديب، دائماً ما تلحق باسمه وصفته مفردة “جنوبي”، وهي في تقديري لاحقة ليست ذات أهمية، أو قيمة، إلا لو كانت تنضوي على قيمة اجهلها؟”، ويبدو المقام مناسباً لطرح تساؤل – ليس برئ –  لماذا ترد لاحقة مناطقية “جنوبي” وجميعنا نعلم ارتباطها في وعي السودانيون، ولا وعيهم، على حد سواء بأبعاد قبلية واثنية، تجيء بعد أسماء فاعلين ينتمون إلى جنوب البلاد، في الوقت الذي يكتفي فيه الناس، بمن فيهم المثقف، بذكر مفكر، أو مثقف، أو أديب “سوداني” مع فاعلين آخرين دون ذكر الجغرافيا التي تضرب بها جزورهم؟!، لنترك الإجابة حسب ما أراه لمقال آخر، لأن المساحة للحديث عن أثر البيئة المفعمة بالتعايش السلمي على عقل وكتابات د. دينق المفكر السوداني، ولمعرفة ذلك نحتاج إلى التعرض إلى فيض من بحر د. فرانسيس.

      درس د. فرانسيس دينق مراحل ما قبل الجامعة في كل من جنوب البلاد وشمالها. ثم درس القانون “بجامعة الخرطوم”، ومن ثم حصل على درجة الدكتوراه من “جامعة ييل”، بالولايات المتحدة الأمريكية. كما حصل على شهادة أخرى من جامعة “لندن” في القانون الأفريقي. قام بتدريس علم “الانثربولوجي” في جامعة “نيويورك”. عمل خبيراً لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. حاز على جائزة “هيرسكوفيتش” للدراسات الأفريقية. يعد د. فرانسيس دينق من العقول الفذة، المنتجة في جوانب مختلفة، بجانب أنه دبلوماسي، حيث كان وزيراً للخارجية السودانية في حكومة جعفر نميري، كما نجد د. فرانسيس الروائي العالمي الماتع، صاحب القلم الجذاب، الذي يبنى عوالم موغلة في الجمال، يكتب واقعية مثيرة، تستمد الألق من القصص الشعبية، وميثولوجيا الحكايات الأفريقية القديمة “تراث الدينكا الشفاهي”، عوالم مدهشة تدور حول قوى خفية. أيضاً هناك د. فرانسيس المفكر الحصيف، صاحب العقل المتزن، والبصيرة الثاقبة، فله عدد من المؤلفات الفكرية القيمة*. ثمة جانب إبداعي وإنتاج آخر لدكتور فرانسيس قد يخفى على الكثيرين، يتمثل إضافة إلى كل ما سبق في كونه مترجماً رصيناً بارعاً، رغم حدوث ذلك مصادفة كما روى بنفسه قبل سنوات، حيث أنه إبان شبابه قام بتعبئة عدد من أشرطة الكاسيت بأغنيات الدينكا، لتعينه في مجابهة وحدته في الغربة، حيث كان يدرس، بعدها طلب منه تقديم ندوة عن ثقافته المحلية، ما دفعه إلى إنجاز ترجمة محتوى أشرطة الكاسيت إلى اللغة الإنجليزية، باعتبارها أحد النماذج، وبعد انتهاء الفعالية، أبدى الحضور إعجاب كبير بالأغنيات، وطلب منه جمعها مترجمة في ديوان شعر. هذه قطرة نكتفى بها، لنواصل ما نحن بصدد الحديث عنه.

      إن العقل الذي تجتمع فيه كل تلك الإمكانات الفكرية، والإبداعية، والأكاديمية، والمعرفية، لا بد من دراسته وظروف تشكله الأولى، كما يجب الوقوف على ما عايشه هذا العقل، وهنا لا أدعي الإلمام بتفاصيل تلك الظروف، ولكن أؤمن بأنها ظروف تعايش اجتماعي لم يشهد له السودان مثيل من قبل، وتسامح ديني لم يوجد من بعد وغيرها، ولد في مركزها د. دينق من شأنها أن تهيئ العقل وتصقله ليستوعب مواضيع شتى، ويلم بمعارف عديدة، وينتج فيها جميعاً، إنتاج مستمر، متزن، حال رافق هذه الظروف الجهد والعمل، وهو ما قام به د. دينق تماماً. كان والد الطفل فرانسيس سلطاناً لمنطقة “أبيي” بإقليم كردفان، وهي منطقة ذات تباين ديني ضمت مسلمين، ومسيحيين، وأصحاب ديانات محلية، كما زخرت بتنوع اثني وثقافي؛ حيث عاش بالمنطقة دينكا أنقوك والمسيرية. تعايشت جميع مكونات المجتمع هناك في سلام تام، واحترام متبادل، والفضل يعود لقدرات قيادية، وفردية، وميزات استثنائية، ووعي بمكونات منطقة سلطته، قدرات قيادية توفرت فقط في السلطان “دينق ماجوك”، وليس في أحد آخر بعده، حتى اليوم في السودان أجمع، وبصورة خاصة من أتيحت لهم فرصة حكم البلاد ككل. فها هو أخ د. فرانسيس يحكي عن أن والدهم السلطان دينق ماجوك، أمر بأن تعمم مسألة الذبح بالطريقة الإسلامية في أبيي حتى يأكل المسيرية/المسلمين دون أن ينتابهم أي شعور سالب. ليس ذلك فحسب، بل أن الأمر وصل إلى منزل السلطان، فللدكتور فرانسيس عدد من الأخوة، يحملون أسماء عربية، بل وهم مسلمون، وإخوة مسيحيون، بأسماء ذات دلالات ثقافية أفريقية، مستمدة من ثقافة الدينكا، وإخوة آخرين يعتنقون دين الدينكا، وهو من  المعتقدات الأفريقية، عاشوا معاً في بيت واحد، دون أن يبدي أباهم السلطان أي تزمر. ويحكي د. فرانسيس دينق صورة توضح الأمر بجلاء فيقول: “عندما كنت طفلاً، كنت أستيقظ بصوت تلاوة القرآن المنبعثة من غرفة بالمنزل، وأصوات صلوات بشعائر دين الدينكا تطرق أذني من الغرفة المجاورة لها”. إن التعايش الاجتماعي الذين عاش في ظله الطفل فرانسيس؛ مكن عقله من التقاط صور كثيرة، وبزوايا مختلفة، للحياة عموماً، والتوثيق لطرائق كثيرة، استخدمها السكان في تأسيس حوارات ثقافية واجتماعية عفوية، أسهمت في استمرارهم معاً، دون أن تبدد الطاقات، وتهدر في صراع يحاول كل طرف فيه إلغاء الطرف الأخر. أما التسامح الديني، رغم التباين – خاصة في بيت السلطان – فقد أتاح لعقل الطفل دينق مساحة رحبة، سجل معارف دينية وشعائرية مختلفة متباينة حد التناقض، ليس ذلك فقط، بل شهد هذا العقل صور واقعية عاشها بالتفصيل، تبرهن إمكانية تواجد ديانات مختلفة، في منطقة واحدة صغيرة، أو بيت واحد، دون الحاجة ليقتتل أصحاب هذه الديانات.

      كل تلك المعطيات جعلت من د.فرانسيس دينق طبيباً وحكيماً مبدعاً، قادراً على استكشاف ما يعانيه “رجل أفريقيا المريض” في روحه/هويته، ويدلي بدلوه في أن كيف يشفى، ويرسل تحذيرات قبل وقوع الكارثة، كما في روايته “طائر الشؤم” دون أن ينتبه أحد إلى أن حلت الكارثة!. مع كل ما قدمه د. فرانسيس دينق، ورغم الإنتاج الكبير في ميادين مختلفة، إلا أنه ليس معروف لدى أغلب السودانيين، لدرجة يمكن القول معها: “أن بعض السودانيين، سيظنون أن اسم فرانسيس دينق، يعود لشخص من خارج السودان، والحق أنني قابلت فرداً ممن يظنون هذا الظن، قبل سنين، عندما وجد بحوزتي رواية “طائر الشؤم” فخضنا حديثاً لا أود ذكره”.

      ختاماً، أجدني مدفوعاً بقوة خفية، إلى ذكر شعور لطالما تملكني، وانا أقرأ أي عمل للمفكر السوداني الدكتور/ فرانسيس دينق ماجوك، وهنا سيتخذ شعوري صفة الادعاء، أو الرأي الشخصي الخاص بي: “بالنسبة إلي فإن د. فرانسيس هو المفكر السوداني، الأقدر دائماً على الإسهام في تأسيس نقطة مشتركة، تكون قاعدة لبناء هوية سودانوية، ودولة وطنية بحق، لأنه، بالإضافة إلى امتلاك قدرات مختلفة مميزة، فإنه المفكر، والأديب، والدبلوماسي، والمترجم السوداني الوحيد، الذي أتيحت له فرصة أن يعيش طفولة، وشباب، وتجارب، في ظل تعايش اجتماعي حقيقي، وتسامح ديني، صقل عقله، وتشبعت بقيمه روحه النقية”.

 


* مؤلفاته :

1/ التراث والتحديث.

2/ الدينكا في السودان.

3/ ديناميات التوحد أو تكوين الهوية.

4/ حكايات شعبية عن الدينكا.

5/ أفريقيا عالمين … الدينكا في السودان العربي الإفريقي.

6/ البحث عن السلام.

7/ نظامان في دولة واحدة “ورقة أعدها وهو يعمل كزميل رفيع بمعهد “بروكتيز” في مدينة واشنطن”.

8/ رجل يدعى دينق مجوك “سيرة ذاتية في مجملها تشبه وثيقة اجتماعية مهمة”.

9/ ذكريات بابو نمر.

10/ حرب الرؤى “ترجمة لكتاب بعنوان “صراع الرؤى””.

11/ بذرة الخلاص “رواية”.

12/ طائر الشؤم  “رواية”.

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان

أضف تعليقاً