الرئيسية / احدث التدوينات / ذكريات وأحداث … بعض من بوح الممثلة القديرة بلقيس عوض

ذكريات وأحداث … بعض من بوح الممثلة القديرة بلقيس عوض

17035522_693716844142367_1097939127_n

” وجودي خارج المسرح يعنى أن أموت كل يوم “.

      تُعَد بلقيس عوض من رواد الحركة المسرحية السودانية الحديثة، ابان الستينيات، دخلنا إليها في منزلها الموشى بالأوشحة والتذكارات والصور، وكأننا نُطالع عمراً كاملاً، لواحدة من مُبدِعات السودان الجميلات. استقبلتنا بفرح فياض، وبشاشة سودانية أصيلة. فكانت هذه المسامرة:

      تقول بلقيس عن نفسها: “ولدتُ ونشأتُ في بيت جدي، الذي يمثل الآن موقع قاعة الصداقة بالخرطوم، وتحديداً ما يمثله منها موقع المسرح الحالي، إذ كان هو غرفة والدي آنذاك. وتقاسمت بهجة ألعاب الطفولة في شارع الملك سابقاً، شارع السيد عبد الرحمن حالياً، (بدر الدين سليمان) أمين  سر البعثة العربي ـ  والدكتور الشاعر محمد عبدالحي، ومع أول وزير للصحة في ظل أول حكومة وطنية (عبدالحميد صالح عبدالقادر)، أول طيب يُنشئ مستشفى خاصا بالسودان ). درست الخلوة في خلوة الشيخ محمد بابكر، أول مُقرئ للقرآن بالإذاعة السودانية. وأُدين لهذا الشيخ، أن تعلمت منه أصول اللغة العربية، وتجويد القرآن الكريم، ما أفادني لاحقاً في مسيرتي الفنية”.

      مثلت بلقيس عوض السودان على مستوى العالم العربي، وفي محافل شتى، حازت من خلالها على عُدة جوائز في تمثيل مسلسلات عربية باللغة الفصحى، من مصر والمغرب، مثالاً لا حصرا. كما تعد بلقيس عوض من أمّيز الممثلات عطاءاً، على مستوى الدراما الإذاعية السودانية، فهي كثيفة الحضور، والذي ميّزها عن غيرها، حاضرةً، تُشّغل كل المواقع التى تُتاح لها، تصافح الحياة بابتسامتها التي لا تفارق ثغرها مطلقاً، تميزت كذلك على مستوى دراما التلفزيون القومي من (افلام ـ تمثيليات ـ مسلسلات). ومن أولى الأعمال التلفزيونية التي شاركت فيها كانت مسلسلات منها: (على الهواء، أسود وأبيض، الدهباية، عن الثورة، البيت الكبير للكاتب “أمين محمد عيسى” ومن إخراج “صلاح السيد”، نور للكاتب “محمد خوجلي مصطفى” ومن إخراج “خالد خيري”، حكايا مع الممثل “علي مهدي”، مهمة خاصة جداً للكاتب “أنس أحمد عبد المحمود” إخراج “حسين أحمد عباس”.

      تقول بلقيس عوض عن تجربتها، التي بدأت في وقت مبكر جداً: “دخلت المسرح وعُمري لا يتجاوز الخمس أعوام. حيث كان يتم اختيار الطلاب بعد أداء النشيد في حضور مدير التعليم البريطاني، كان ذلك في الاربعينيات، تقوم بتعليمهم رقية أبوبكر , وهي تلميذة استاذ بابكر البدري آنذاك”.

      عندما قاموا بمنعها من أداء النشيد لصغر سنها، اعترضت، واجهشت بالبكاء، عندها؛ سمح لها المدير البريطاني بأداء النشيد وحدها، فقدمت النشيد بصورة مميزة جداً، ومختلفة عن زملائها. فتم نقلها للمعهد القبطي، وزاملتها آمال مينا، أول صحفية في الرأي العام ـ وفلوس اسس فرج قسيس الكلية. بعد ذلك أبرزت بلقيس عوض قدرتها في المسرحيات المكتوبة باللغة العربية الفصحى، إلي جانب تلك المكتوبة باللغة العامية السودانية بمستوياتها المختلفة. حيث قدمت بالمسرح الجامعي، الذي كان يقوم بإشرافه حينها محمد عبدالفتاح الامين، مدير إذاعة ركن السودان من القاهرة في السفارة ـ مسرحية (سعاد بت المدير) للكاتب يوسف خليل ـ وإخراج صلاح تريكاب، كأول عمل مسرحي بالجامعة، وحازت على جائزة موسم الجامعات ـ جامعة القاهرة فرع الخرطوم. ورغم المعارضة والممانعة التي واجهتها من قِبل أسرتها، إلا أن اصرارها، وعزيمتها لتكملة مشوار الطفولة، وحُلم الصبا، كان أقوى من كل شيء. فواصلت مسيرتها التي بدأت عند انطلاقتها بصورة مدهشة، وخطى واثقة. فبعد موافقة أسرتها بمساعدة كبيرة، وعظيمة من سيف الدين الدسوقي سنة ستون. قدمت أول اختبار صوت لها، في حلقة من حلقات برنامج (من تراث العرب)، الذي كان يبث في إذاعة أم درمان، من إخراج ميسرة السراج، والكاتب سراج الطيب السراج، الذي يرأس فرقة السودان للتمثيل المسرحي. عندما كانت في الثانية عشرة من عُمرها، قدمت مسرحية (العباسة أخت الرشيد)، للمخرج آمين الهندي، أستاذ اللغة العربية، فحازت على جوائز الكلية القبطية بنات، التي جاءت من مصر. ولزميلها بالكلية القبطية بنين محمد خيري أحمد. وفي الخمسينيات، شاركت في مسرحية (نكبة البرامكة في عصر العباسيين)، للكاتب السوداني البروفسور عبد الله الطيب، بدور العباسية، المرأة الكبيرة، التي قامت بتربية البرمكي، بدلاً عن فيروزة البنت الشابة.

      لبلقيس عوض رصيد فني كبير جداً، فقد قدمت عشرات المسرحيات، وفي مختلف المواقع. من ضمن مشاركاتها في المسرح القومي: (زهرة النرجس تأليف “مصطفى كامل”، وادي أم سدر تأليف “محمد خوجلي مصطفى”، الفجوة تأليف “عادل ابراهيم”  وإخراج “عبد الواحد عبد الله”، بامسيكا ل “عثمان أحمـد”، بخيت المسكين من إخراج “عبدالرحمن الشلبي”، يا نحن يا هم إخراج “قاسم أبو زيد”  تأليف “عادل ابراهيم”،

      وفي معرض حديثنا سألتها عن عدد من الشخصيات التلفزيونية والمسرحية، فتحدثت عنهم وهي تشعر بالفخر والاعتزاز حيث قالت عنهم:

ـ يوسف خليل :

       “يوسف خليل من ابناء “نمرة تلاتة”، هو أول شخص قدمني على خشبة المسرح، من جامعة القاهرة فرع الخرطوم، بمسرحية (سعاد بت المدير). يوسف خليل إنسان مميز جداً، يكتُب عن تفاصيل إنسان السودان البسيط، بجانب سعاد بت المدير كتب (قطر الشمال) ـ ( الغول)، فهو كاتب مسرحي أصيل، عشق هذا التراب، تراب الوطن الذي “تُشم” رائحته في كتاباته، مثل الطيب الصالح في رواياته”.

وأردفت قائلة عن نفيسة محمود:

       “نفيسة المعروفة للجميع، بـ”السنينة”، هذه الإنسانة التي تربى على يدها معظم ابناء السودان، وهم اليوم يمثلون خيرة البلد، من معلمين، وأطباء، وضبّاط. شكلت ثنائي رائع مع الفنان الجميل سلمان حسين “جِحا”. عملت معها في عدد من المسرحيات، إنسانة مُريحة جداً على الخشبة، ورائعة للغاية”.

و عن تجربتها مع تحية زروق فقالت :

      “تحية هي ساندريلا السودان، وأيقونة المسرح السوداني، رصيدي معها كثير جداً ـ أول عمل لي معها، على خشبة المسرح  كان “زهرة النرجس”، قمت بدور والدتها. وفي مسرحية “أنهم يقتلون العريس”، كُنْتُ خالتها العانس. وعملنا معاً في الكثير من المسلسلات الإذاعية الدراجية أيضاً. ففي السبعينيات بدأت العمل بالدراجية غيرةً من تحية زروق، وفايزة عمسيب، فالعمل بالدراجي آنذاك، كان وكأنه لعامة السودانيين. أمّا العمل باللغة الفصحى فهو للصفوة، كما قالها لي ذات يوم، أحد الصحفيين. أعانتني تحية كثيراً في هذا العمل، ذو الطابع غير المألوف لي. وما أعانني أكثر، الكاتب المسرحي محمد خوجلي مصطفى في(وادي أم سدر)، الذي كتب بلهجة غرب السودان. أخذت دور (يمه فاطنة) أم تحية زروق، والممثلان عبدالعزيز العميري، وأحمد البكري. فكان هذا العمل بمثابة نقلةً رهيبة، وكبيرة جداً لي”.

وعن عادل ابراهيم محمد خير قالت :

      “عادل البصمة المتفردة، في كتابة الدراما السودانية عموماً (مسرح، أفلام، مسلسلات). كُنْتَ بطلة لأكثر من أربعة من مسرحياته، منها: (الفجوة، يا نحن يا هم، وضرة واحدة لا تكفي). ومن الأعمال التلفزيونية “الأقدام الحافية” من إخراج محمد نعيم سعد، وهذا العمل تم إيقافه من الحلقة الأولى؛ نظراً للشعار الذي وضعه المخرج محمد نعيم سعد، والذي يشير لفكرة الفيلم، الذي تدور أحداثه حول (الكلب، الشماشي، والغنماية) في صراعهم على نفايات الطعام. فقال عنه واحد من الاسلاميين “الما عندهم فهم”، والطارحين الشريعة الإسلامية “وما عندهم صلة بيها”: “أن هذا العمل لا يمت لأهل السودان”!. مؤخراً تم عرض جزء من المسلسل في تلفزيون ولاية الخرطوم، من قبل أحد الشباب المميزين. وبعد أكثر من ثلاث سنوات، قُدم عمل باسم (أبناء تحت الشمس)، فقامت الصحافة المصرية، والمثقفين المصريين، والقائمين على أمر الفن، بتكريم كُل من وضع أصبعه في هذا العمل. نظراً لأن ما تم طرحه، هو قضية، ومشكلة تتعلق بالمجتمع، وهذا الصبي الذي يعيش تحت الشمس، وفي الخيران، عمره سبع سنين، فهو نفسه بعد عشر سنوات سيكون مجرماً، وحاقداً على الذين تركوه يعيش بين الجداول والخيران “الوسخة”. فهذا هو عادل ابراهيم محمد خير؛ مؤلف تلفزيوني، وكاتب مسرحي من الطراز الأول، فاحكموا!”.

تقول بلقيس عوض عن فايزة عمسيب :

      “فايزة أم كل السودانيين، و من هنا تم استخلاص الاسم  (أم الدراما السودانية), لإحساسهم بأن فايزة تحتضن الأكبر منها، والأصغر أيضاً، بحنيتها المفرطة”.

وعن مكي سنادة تقول :

      “مكي في رأيي، هو وعوض صديق كذلك، لن أقول أنهما ممثلان محليان، أو على المستوى العربي، لأني أصنفهم على المستوى العالمي، مكي لا يقل من الممثلين البريطانيين، أو الفرنسيين. ومن الاشياء التي اصابتني بالحيرة للآن، فكلنا نعلم أن عوض صديق غيّبه الموت، لكن؛ مكي سنادة من غيّبه؟، ولماذا؟، ولمصلحة من؟. فبغياب مكي عن الساحة ، انهد ركن ركين من الساحة الفنية في هذا البلد. فمكي مخرج متفرد ومتميز، وممثل بارع جداً”.

وأما عن رابحة محمود محمد فتقول :

      “السودانية الطريفة المحبوبة، لا يمكن أن نقارنها بفايزة عمسيب، لأن فايزة الأم الحنينة البلدية، الممعنة في بلدياتها، فهي “اللوكل”، لكن رابحة عندما تقوم بدور المثقفة، تصبح مثقفة حقيقةً، وعندما تقوم بدور الممثلة البلدية، تصبح بلدية جداً. فهي قادرة على التحول، والإجادة لكل الادوار، رغم ملامحها السودانية الأصيلة”.

هنا تتوقف بلقيس قليلاً في تجربتها مع هاشم صديق، حيث تقول :

      “هاشم صديق هو عالم بأثرهِ، فمن هنا أذكر تماماً، أثناء حضوري حفل تخريج أحدى الجامعات في كوستي، طُلب مني أن أتحدث عن هاشم صديق، فقلت لهم: عن أي هاشم صديق سأتحدث؟. هاشم صديق الشاعر، الذي كتب ملحمة أكتوبر، وهو في أولى ثانوي، أم هاشم صديق الذي كَتب العديد من المسلسلات الإذاعية، والتي تختلف اختلافاً كُلياً عن بقية كتابات الدراما الإذاعية. فمسلسل “الحراز والمطر” من المسلسلات التي ما زالت موجودة بداخلي كل تفاصيلهُا. وكان من المحزن بالنسبة لي، أن صادف سفري للقاهرة، المسلسل الرمضاني  “قطر الهّم”، فقد كان هذا العمل الأول من نوعه، فهو أول مسلسل إذاعي كُتب شعر وتغنى به. كما كان هذا المسلسل سبباً في اكتشاف الممثلة سمية عبداللطيف. كما عمل هاشم أول برنامج للنقد الدرامي التلفزيوني، على مستوى العالم العربي، لذلك يطول الحديث عنه كثيراً”.

ختمت بلقيس عوض حديثُها قائلة :

      “من الأشياء التي لا يعرفُها الناس عن بلقيس، رغم أنها إنسانة واضحة، وشفافة جداً،  إلا أنها لمّاحة، وتمتلك حساً عالياً، لا يُدركه حتى من هم حولِها. فدراستي لعلم النفس، وعلم الاجتماع عمّقا هذا الحسّ”.

      كما اشارت في حديثها لقصة صداقتها مع الشاعر المصري عبدالرحمن الابنودي، وكيف تأصلت هذه العلاقة الأسرية الممتدة والجميلة. والعديد من الذكريات، تحملها الصور في طَياتِها، لتشكل تاريخاً عظيماً، وحافلاً بالإنجازات، مُنذ نعومة اظافرِها، وتدرُجها في نيل رتبة ضابط جمارك. ومجهوداتها الجبارة، وسنيناً من العمر، قضتها ما بين المسرح، والتلفزيون، والعمل الجمركي، إلي أن كوّنت هذا السجال من حياتها الذاخرة بالنجاح، والكفاح الطويل، لتكون رمزاً  يُحتفى به، وتاريخ يمثّل الفن السوداني بصورة عامة.

عن فاتن علي

mm
كاتبة من السودان أحاول أن أُحيل الرماد من عيون المجتمع .

أضف تعليقاً