الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات: أتبرا خاصرة النهار … حينما تتورط الرواية في اللغة الرمزية

قراءات: أتبرا خاصرة النهار … حينما تتورط الرواية في اللغة الرمزية

18277580

      إن الملمح العام لهذه الرواية هو كثافة اللغة, اناقتها في وصفها للمكان, تهيئة الجو للشخصيات , شعرية التناول وشذرات المَشَاهِد. لكن لماذا اللغة هنا لها استطراد مكثف؟, وشاعرية للغاية؟!. من خلال تناص مع روايات أخرى، أستطيع تبرير أن هذا الفعل له علاقة وطيدة مع كنه الرواية، ألا وهو المكان. بحيث أن ثيمة هذه الرواية الأساسية بروز أتبرا، وجعلها ذات زخم. فمن العنوان نجد أنها ذات دلالات تاريخية “أتبرا”، وليس “عطبرة”, ومرافقة للبداية، أول ما يفتتح به القارئ قصيدة نثرية، تشتغل بامتياز على توصيف الدخول إلى “أتبرا”، بشاعرية تحمل شعوراً مجازياً مهيأ للقارئ, من حيث الأسلوب، بأن الرواية ستكون على ذات النسق اللغوي, ومن حيث تقريب المكان. ومما يمكن ذكره، أنه من خلال لقائي بأحد مسامرات الكاتب، “فإن رمزية كاميرا “الألمونيت”، موازاة للأسلوب السينمائي المستخدم في عموم الرواية، كمفتاح مهم، يمكن للقارئ استيعاب النص الروائي بكل دلالاته القصصية, الرمزية, السريالية. فعلى مستوي الصوت السردي؛ أجد أن هناك تنقلات بين مصاحبة الروائي العليم بكل شيء لنا بتدخلاته التوصيفية العالية اللغة, وبين صوت السارد (المتكلم)، وبين مواضع قليلة لوضع كاميرا الرواية على المخاطب، بحيث أن علاقتها تكون دائماً بالانتقال من صوت السارد إلى تقنية المخاطب.

      من بدايات الرواية (ص19) تأتي الرمزية كمحفز لنا على تأويلها، بحيث أن السارد (حلم بأن فأساً ضخمة قطعته إلى قطع صغيرة بحجم الكف … إلخ)، ومنح الراوي لنا على صوته في المقطع الذي يليه، بأن الإجابات ستأتي من هذه الشوارع (شوارع أتبرا)، كمؤشر لأهمية المكان ودواعيه. وفي ذات نسق الفصل تهيؤات سردية واضحة، بشكل تقريري، على فترة عطبرة وهي في حقبة الاستعمار، بورود حدث مرور قطار يحمل معتقلي ثورة (24), وما صاحبه من ردود افعال للمواطنين. أما في الفصل الثاني والثالث, تأكيداً على الأسلوب السينمائي المتقطع لنقل الأحداث ينقلنا الراوي إلى حكاية أخري (لحندونا)، والتي كانت مدخلاً لحدث اضطراب العمال في مصنع الزراير, وتناول الحكاية وموازاتها على ابعادها الواقعية، لما يحدث في المصنع من تحرشات بالعاملات , المستغل لاضطراب العمال ليقترب من المدير, والرؤية التعاونية بين العاملات لمواجهة التحرش , وبين العمال لمواجهة صاحب الشركة لرفع الرواتب والاحتجاج . كحالة رمزية مؤطرة لتوثيق عطبرة بثيمتها الأساسية .

      مما يمكن ملاحظته، أن من أساليب بناء الشخصية، التي استخدمت البورتريه ، وهي مفردة ممرحلة من فن الرسم، لتبيين الملامح العامة للوجه كما فهمت. مما يوضح مدى سعة النص هنا، واحتماله أحد الفنون الابداعية -الرسم- لتشكيل صورة ذهنية، عن أحد جوانبه الفنية. ففي متون الفصل الثاني والرابع يوجد بورتريه فستقي ل عبدو الطوافي ، وبورتريه عادي  لربيع عبادة. ويمكن القول بأنهما شخصيتان متقابلتان، بحيث أن عبدو الطوافي هو ذاك العربيد الذي لا يأتي إلا حين يفيض نهر أتبرا، وله علاقة ود خاصة مع التاية التي يشرب عندها. أما ربيع عبادة، ذا اللكنة المصرية، فهو صوفي من أتباع الشيخ رفاعي. ومما ساعد على تهيئة الجو في بناء شخصيته الصوفية، قصة العقرب، وتقترب الكاميرا الروائية لبيان أحوالها، وقصة انتقامها، ومثابرتها لتصيبه وهو نائم، وعند قوله يا رفاعي، انفجرت العقارب. كدلالة مصغرة على الإيمان بأولياء الصوفية، واستفاد الكاتب من هذا الارث، لتضمين وتحريك الرواية إلى مساراتها الاخيرة. حيث ستجتمع جميع شخصيات الرواية عند المعترك الأخير، والأرضية التاريخية لمعركة الحلفاء، وهجوم الطليان على مستعمرات بريطانيا.

      الفصل الخامس في وجهة نظري هو حالة فريدة لهذه الرواية، وتستحق التأمل وتفكيك عقدها بتروي، من ناحية كتابة فسيفسائية المشاهد، لتوضيح فكرة عامة عن حامد الصاحي، وبالأحرى التأكيد على حالة ظرفية، تاريخية، مؤثرة، في ذاك الزمان. فالمقولة الصغيرة عند بداية الفصل هي “للهذيان وجه واحد، وللموت وجه واحد أيضاً”، وهي مؤشر واضح على أن حالة حامد هي هذيان، والعلة كما ذكر الكاتب “أنه كان مهموماً، ومضطرباً لإجلاء المصريين عن السودان …”، وأنه كان معنياً بروح الفكرة التي أطاحت بعقله، وأيضاً الحالة العامة للأزمة العالمية الأولي. فهي كلها مبررات ترسم عمق تجذر هذه الفكرة فيه، ومن يشابهونه فيها، مما أنتج حالة هذيانية مثل هذه. وتأتي الحالة الفريدة؛ في أن اللغة ذات بعد واحد، بعكس الفنون البصرية التي ذات ثلاث أبعاد، فهنا قدرة تطويع حالة الهذيان، والتي هي انقطاع وتواصل عن العالم، تشويش، رؤيويات من عالم الاحلام، تعدد الأصوات السردية بين الراوي، المتكلم، المخاطب، مشاهد غير منطقية تبرز مدى ترنح حامد الصاحي . أما الفصل السادس، فهو عبارة عن استطراد سردي، وتسارع للأحداث التاريخية في عام ١٩٤٥، والحرب العالمية الثانية، واسقاطاتها على مدينة “أتبرا”، وتجميع معظم شخصيات الرواية في هذا الظرف التاريخي، والتي انتهت بفوز الحلفاء.

      في نهاية الرواية ورقتان من دفتر ستهم السري؛ عبارة عن نداءات مسيحية خالصة، ووجدانية، بين ستهم والراهبة كرستينا، لما لها من دلالات، يمكن للقارئ استنطاقها، بأنها نهاية هادئة مشوبة بمسحة مسيحية مرتبطة بذاك الظرف التاريخي، واستيضاح أحوالهم فيها. والعلاقة التي بينهما. وستهم هي سيدة كافي جمعة، كما يستنتج من الأحداث التي وردت في صفحات (111/113)، التي توضح علاقة وجدانية أخري بين الشخصية السردية بصوت المتكلم، التي لم تظهر ملامحها بوضوح في عموم الرواية، لا أسمها، ولا حتى وصفها الجسماني، فقط معرفة أحواله الداخلية، إزاء تفاعله مع الأحداث التي  يسردها بالترافق مع الراوي.

      اخيراً، ما يمكن قوله عن الأساليب المستخدمة في هذه الرواية، فهي متعددة ومبتكرة في ذات الوقت. تتنوع بين أسلوب التقطيع السينمائي، الذي يرمي مشاهد مختلفة في ترتيب الصفحات، ويجعل للقارئ مهمة التجميع والوصول إلى المعنى الخاص التجميعي بتلك المشاهد المختلفة، واسلوب الهذيان، كاستيضاح للأبعاد الثلاثية، ومن ثم توصيلها لتصور القارئ، الذي يُترك له إدراك هذا الأسلوب، ببعد واحد عبر وسيط اللغة. من خلال شلال الصور المتدفقة على الشخصية، وأسلوب البورتريه، كحالة ممرحلة، ومتضمنة لأهمية الفن التشكيلي، بموازاة فن السينما، لتوصيل فكرة بناء الشخصية من خلال الملمح العام. ليكون لها دوراً في الحبكة، واسلوب التكثيف اللغوي، الأنيق والشاعري، لرفع مقام المكان “أتبرا”، إلى وجدان القارئ، ومدى تشكيله لعادات وثقافات الإنسان الساكن فيه، وتشكله بالظرف التاريخي. وهو ربما يصلح تبرير لمن يقرأ من أول وهلة، بأن هذا الأسلوب غطى على الحكائية الخاصة بالنص. لكنها حالة عامة، تترادف بالمكان، الأحداث، دواخل الشخصيات، إضافة لاستخدام التاريخ، كمرحلة توثيقية، وأرضية تتحرك عليها الرواية.

      إن أسلوب تعدد الأصوات السردية، يحتاج إلى انتباه خاص، لكي لا يضيع القارئ، ولا يستطيع تجميع من هو المتحدث، مما يفرض تركيزاً شاملاً، وتحدي لقدرة القارئ على استيعاب المضمون والشكل، ليكون قراءة نقدية، أو حتى جمالية تجاهه. أما أسلوب الحوار، والذي أعتقد من وجهة نظري الخاصة، أنها لم توفق في بعض المقاطع، لأنه من خلال نظرية الاتساق، التي أستخدمها في هذا الجانب، فإن اللغة المستخدمة في الحوارات للشخصيات إما أن تكون كلها باللغة الفصحى، أو بالعامية الدارجة، ولا بد لها من التوافق مع المحمول الثقافي للشخصية. ففي البدايات استخدمت العامية الدارجة، وهو منطق مقبول، لأنها استخدمت بصورة سلسلة، تتماشي مع الرواية، لكن في بعض الأحيان تم استخدام اللغة الفصحى، بشكل يستحيل على الشخصية التي نطقت بها قولها في سياق الحدث، مثلاً ما نجده في ص 80: “سألت إحدى العاملات، ملوحة بجريدة الدوم ذات الأسنان الحادة، والمعقوفة، بإتجاه رأسي:

– هل من متخاذل؟”.

ولا شك أن الخلل هنا واضح جداً بالنسبة للقارئ الحصيف، الذي يعرف تماماً أنه لابد من الانسجام التام بين طبيعة الشخصية وما تنطق به، وهو ما خلق حالة من عدم التماسك في اللغة الحوارية داخل الرواية، كان يمكن اجتنابها وتلافيها بالقليل من المراجعة والتدقيق من قبل مؤلف الرواية.

عن خالد أبو بكر

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً