الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : رواية القاهرة الجديدة للأستاذ نجيب محفوظ .

قراءات : رواية القاهرة الجديدة للأستاذ نجيب محفوظ .

8c5d11ab-69fa-4f6e-b76c-b8f2f837ddf4

تبدأ القصة من أمام جامعة القاهرة، طلاب يتحدثون حول ظاهرة دخول البنات الجامعة، ونقاش آخر يدور بين الأصدقاء الأربعة، يرسم من خلاله “الأستاذ” ملامح شخصياتهم ، علي طه الاشتراكي، مأمون رضوان الإسلامي الحالم بدولة الخلافة الإسلامية، وأحمد بدير الصحفي، والبطل الرئيسي محجوب عبد الدايم صاحب الفلسفة الهدامة، وشعار “طُظ” .

تدور الأحداث بين السياسة والحب والفلسفة، أربع أصدقاء لكل منهم توجهاته وأحلامه وطموحاته يسعون لتحقيق ذواتهم ، فعلي طه يؤسس مجلة ثقافية يحاول من خلالها نشر مبادئه، ومأمون رضوان يجهز نفسه للسفر لاستكمال دراسته والتفكير في الإسلام ونشره و تأسيس الدولة الإسلامية، وأحمد بدير يتفرغ لعمله بالصحافة، أما عن محجوب عبد الدايم، فيبحث دائمًا عن تحقيق طموحه في الثراء وتقلد وظيفة توفر له سلطات واسعة في المجتمع، ويحاول محجوب التقرب من أحد أقربائه الأثرياء، لكي يوفر له وظيفة، لكنه لا يفعل، فيلجأ لجار قديم موظف مرتشي بالحكومة، ومقرب من الوزراء وأصحاب المناصب، فيوفر له وظيفة، في الدرجة السادسة، لدى أحد كبار المسئولين، وهو ” قاسم” بك، في مقابل أن يشاركه ” البك” زوجته التي سيزوجه إياها . ويوافق محجوب على ذلك، فيغدق عليه “البك” المال ويسكنه في شقة فاخرة، ومع الأحداث يعادي محجوب جاره الذي أتى له بهذه الوظيفة، فيقلب حياته رأسًا على عقب، ليبقى وحيدًا خاسرًا ومجردًا من كل شيء .

شخصية محجوب عبد الدايم

_ ذكر الدكتور يوسف زيدان ، أنه تحدث للأستاذ عن رصده لشخصية محجوب عبد الدايم، وكيف أنه كشف توغل في نفسه البشرية، فسأله هل ما زال بيننا اليوم محجوب عبد الدايم، أم أن هذه الشخصية قد اختفت ؟

فأجابه الأستاذ أنه عندما كتب عن هذه الشخصية، فذلك لأنها كانت غريبة وقتها عن المجتمع، و ظاهرة جديدة، أما اليوم فلم تعد غريبة، بل أصبحت معتادة.

لقد بنى محجوب عبد الدايم، فلسفة طظ أو فلسفة الإيمان باللاشيء على الإطلاق، هو يريد المال، السلطة، الشهرة، المجتمع الراقي في نظره، بأي ثمن وتحت أي ظرف، حتى لو قَبِل كما ذكر أن يعلق ” قرنين من ذهب” فوق رأسه، فالمبادئ والضمير هي داء مرضي كما يرى، و يلزم عليه التخلص منه.

في البداية كنت أظنه غير متسق مع ذاته، لكن بعد التوغل في الأحداث، وجدته يسعى دائمًا لأن يظل مؤمن بفلسفته قولًا وفعلًا.

لقد رسم “الأستاذ” شخصية محجوب، بأنه على قدر لا بأس به من المعرفة، من الممكن أن تؤهله لتحقيق طموحه، مع بعض المجهود، فهو يتحدث اللغتين الإنجليزية والفرنسية، كما أنه ملم بقواعد العربية، ولديه القدرة على الكتابة الصحافية والعمل في الترجمة، كما أنه مطلع على الشأن السياسي الداخلي، لكنه مع كل ذلك، كان يرفض التعب والعمل ، رفض أن يؤسس لطموحه بناءً قويًا، يجعله دائمًا ذو شرف وعزة وكرامة وصاحب الفضل على نفسه ، فكان يسعى للكسب السريع والشهرة على حساب كل شيء وأي شيء، فيذل نفسه ويبخسها قدرها كلما استطاع، وتحقق له أنه سينال من وراء ذلك، ما يقربه أكثر من المال والسلطة ، فخسر في النهاية، لم ينل شيئًا ، ولم يحقق ذاته، خسر نفسه والمجتمع والمال والسلطة والزوجة والأهل، و اكتسب فقط الاحتقار والذل والمهانة.

_ نبوءة الأستاذ

بعدما دارت الأحداث على محجوب عبد الدايم، وانتهى به الحال خاسرًا وفاقدًا لكل شيء، تنتهي القصة بالكامل، بمشهد بين الأصدقاء الثلاثة _ علي طه و مأمون رضوان و أحمد بدير_ يسجل الأستاذ من خلاله، نبوءته حول الصراع الذي سيدور بين الاشتراكيين والإسلاميين، أو بين كل من سينادي بفصل الدين عن الدولة، ومن سينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية .

فبعدما كانوا في زمن قادرين على النقاش وتبادل الآراء، رغم اختلاف التوجهات، إلا أن هذه النقاشات لن تستمر طويلًا في المستقبل القريب، وذلك عندما يخوضان هذه النقاشات على أرض الواقع، في محاولة لتطبيق مبادئهما في المجتمع، فكل منهما يؤمن بذاته ويرفض الآخر، كلاهما يدعي أنه يمتلك وحده مبادئ الإصلاح والصلاح للمجتمع.

فيقول الأستاذ على لسان “الصحافي” موجهًا حديثه إلى صديقيه مأمون رضوان وعلي طه، ( أنكم يا أصدقاء اليوم، ستصبحون غدًا أعداء، ستهاجمك هذه المجلة التي تباركها الآن بتمنياتك وستتهمك غدًا بالرجعية والجمود، وستتهم أنت صاحبها_ صديقك_ بالزيغ والكفر والإباحية ).

ثم يضعنا محفوظ أمام السؤال الذي أصبح لا مفر منه الآن

( ماذا تخبئ لنا أيها الغد ؟! ).

واليوم بعدما جاء الغد، فقد أصبحت مصر، مصابة بمرض يدعى “محجوب عبد الدايم”، وتحققت نبوءة الأستاذ والصحافة رصدت، الصراع الدائر بين الإسلاميين وآخرون يدعون لفصل الدين عن الدولة، وكلاهما فارغ بائس، لا يسعى إلا لامتلاك السلطة والمجتمع، متخفين وراء شعار إنقاذ المجتمع، وعلى العقول السلام .

عن لمياء يسري

mm
كاتبة مصرية ليسانس أداب ،تخصص الدراسات الكلاسيكية مهتمة بالفلسفة والتاريخ والأدب

أضف تعليقاً