الرئيسية / احدث التدوينات / قراءات : المجموعة القصصیة “عسف العسس” للكاتب السوداني “الهادي علي راضي”

قراءات : المجموعة القصصیة “عسف العسس” للكاتب السوداني “الهادي علي راضي”

17015899_1342097719183420_5188893355220924960_o

قنابل العسس الساقطة .. وشظايا الحكايات المتطايرة ..

یبدأ الكتاب بهذا العنوان الغریب والممیز، وغیر الواضح المعنی بالنسبة للكثیرین .. ثم ما إن تدلف إلی الداخل حتى یقابلك ما هو أشد غموضًا؛ أدخنة متصاعدة تكاد تشمها بأنفك من فرط جمال تعبیر الكاتب عنها وإبداعه في تصویرها، ثم حین تشمها لغویًا تدرك کنهها ومزیجها الغریب؛ مزیج من دخاني الحشیش الند، یتصاعدان معًا في حلقات حلزونیة ویتلویان کأفعى في فضاء الغرفة، فیجعلان المنظر بالنسبة لک ضبابیًا غیر واضح، لکنک ستکتشف أنه لیس کذلک بالنسبة للشخص في القصة الذي یبحلق في الدخان ویتعوذ بالله من الشیطان الرجیم ! .. ستجد أنه یحمل لفافة الحشیش وعود الند بید واحدة، فینطلق دخانهما معًا، فیبحلق فی الأدخنة مبهورًا بتشكلاتها السریالیة الغرائبية، فجأة ینبجس له جواد أصهب من بین سحب الدخان، یمتطیه، یغادران إلى الفضاء اللانهائي، يقابل حبيبته، ینصهران مع السحب العلیا، ینزلان مطرًا في بلدة شوارعها من زجاج، ماؤها حلیب، نساؤها عاریات، رجالها ضخام یرتدون السواد ویطاردون النساء العاریات، وخلفهم شرطي یطاردهم حاملاً هراوة ! .. “هل یطاردنا الشرطي في الأحلام أیضًا ؟ هل یطاردنا الشرطي في خیالاتنا ؟!” .. حینها تصفعه رفیقته لیعود إلى أرض الواقع والعسس ! .. ویخاف من سؤال واحد “لماذا یشعل عود ند مع لفافة الحشیش ؟! .. لکي یضلل بعطر الند ذلک الشرطي المتربص !!

ما سبق کان خیر مدخل لهذا الکتاب، وهو مجموعة قصصیة صادرة حدیثا للكاتب السوداني الهادي راضي، الفائز بجائرة الطیب صالح للإبداع الكتابي في دورة 2016 .. تتكون هذه المجموعة من ثمانیة قصص قصیرة، تکشف لک من بدایتها فضاءها وهواجسها؛ “عالم العسس والحلم بعالم بلا عسس” .. العسس هم الشرطة والعسف یعني القهر والقوة، هل عرفتم الآن لماذا اختار الكاتب هذا الإسم .. أعتقد أنه اختاره نسبة لغرابته وصعوبة نطقه وعدم وضوح معناه للكثیرین مما جعله تضلیلًا ممتازًا للعسس! .. وفوزًا جمیلاً لهذا الكاتب الذكي، فالعسس لا یعرفون أنهم عسسًا ! ..

عندما رأیت صورة الكتاب لأول مرة باركته للكاتب على أنه رواية، فأخبرني أنه لیس بروایة بل مجموعة قصصیة، الغریب أني حین قرأته أحسست أنه روایة ! .. روایة متشظیة إلى قصص قصیرة ملخبطة الترتیب، مثلما أیًضا القصص القصیرة متشظیة إلى قطع صغیرة ومشاهد متفرقة، کأن الكاتب كان یکتب في أمانة الله فسقطت علیه قنبلة العسس لتتشظى الروایة لقصص والقصص لأجزاء صغیرة وتتلخبط الأجزاء مع بعضها کنتیجة لذلک .. لکن القنبلة لم تسقط فعليًا، بل فعل الکاتب ذلک بتقنیات معینة لیخرجها بهذا الشکل کضرورة أدبیة، فتدخلنا نحن إلى معايشة التشظي الذي أصاب المجتمع والناس وأرواحهم وقلوبهم وحیواتهم التي حاوطها العسس وبثوا عیونهم فیها وقسموها بأسلاکهم الشائکة وأسلحتهم الوفیرة وقوانینهم المحرمة، فجاءت القصص هكذا لتعبر عن هذا التشظي والتفرق والتناقض، ولتحكي بهذه الطریقة فرارًا من ید الرقیب بتقنیاتها وعدم قولها للأشیاء بطریقه واضحة، بل برمزیة جمیلة حتى تصل إلینا نحن ونقرأها ونحس بمأساتنا ونقاوم، لذلک أقول مرة أخری أن هذه القصص هی روایة بدافع أسباب كثیرة، منها: عدم وضوح نهایات القصص وعدم تناقض شخصیاتها الرئیسیة مع بعضها، کذلک عدم ذکر أسماء الشخصیة الرئیسیة في أي منها، کذلک ترابط القصص وامتلائها بهواجس العسس “وعسفهم لنا ومقاومتنا لهم” مما یجعلنا نظن أن القصص کلها هي قصة شخص واحد في مراحل عمریة مختلفة، وإذا قررنا أن نعید ترتیبها کروایة فسنبدأ من القصة الأخیرة في الكتاب، “الطائر المعدني“، وهنا الراوي طفل یحكي أنه خرج مع أترابه للصید خارج القریة، ثم حین رجعوا إليها وجدوها محروقة عن بكرة أبیها بفعل العسس، لیدخلوا في الصدمة التي لن یخرجوا منها أبدًا، ولیقضي الطفل الراوي هذا فیما بعد حیاته کلها في عداوة العسس، هذه العداوة التي تتجلی في القصة الثانية “عسف العسس” وفی القصة السادسة “زوار اللیل” وفي القصة السابعة “لحن نشید الثورة” .. ففي “عسف العسس” نجد شخصًا ناشطًا سیاسیًا هرب من المدینة نسبة لمطاردة العسس بتهمة أنه مارق، نجده یراسل شخصًا في المدینة ویسأله عن حال المدینة والناس بعده، وفي قصة “زوار اللیل” نجد الراوي یحكي قصة أستاذ مدرسة اقترح یومًا أن تباع جلود الأضاحي لصالح بناء فصل مهدم بدل أن تذهب لصالح العسس، فأخذوه العسس ثم أرجعوه فیما بعد مجنونًا ! .. ثم في قصة “لحن نشید الثورة” نجد الراوي هنا مؤلفًا موسیقیًا یقود فرقة موسیقیة وقد وقع عقدًا لعمل لحن لنشید الثورة التي أتت بالعسس، فيحتار الراوي بسؤال جوهري في القصة وفي الكتاب أيضًا .. “کیف نضع لحنًا جمیلًا لکلمات قبیحة؟“، لتتوالد عن رمزیة هذا السؤال أسئلة کثیرة أخری، کیف نعبر عن واقع سيء بطریقه جمیلة؟، کیف حین تکون هناک مشکلة ألا نقول أن هناک مشکلة ؟!! .. هذه الأسئلة هي شرارة هذا الکتاب ومبدأه، هواجس العسس، مقاومتهم، حلم الحریة، حلم عالم بلا عسس، یراه الشخص في دخان الحشیش فقط قبل أن یصفعه الواقع ! .. لذلک لا یستطیع المؤلف الموسیقی إلا أن یغلف الکلمات بلحن هو مستل من البؤس والعجز و الحلم المستحيل .. لیهز مسئول الحکومة رأسه ویقول: “هذا اللحن لن یعجب القائد” ! .. وکل شيء لا یعجب القائد محرم محرم ! ..”

ثم بعد ذلک ندلف إلى ما یجعل الأشیاء غیر الجمیلة ..جمیلة، إلی ما یمکن أن یضفی للحیاة المرهقة راحة وروعة، “الأنثی والحب” .. نعم الحب موجود في هذه المجموعة، رغم العسس ورغم الأسیجة والأسلاك الشائكة والرقباء والمخبرون والتعب، إذ نجده براقًا في قصتین، القصة الثالثة “منولوج أنثی خائبة” والقصة الخامسة “تحور“، قصتان مفتوحتان علی بعضهما ومتكاملتان مما یؤکد قراءتي علی أنها روایة توزعت لقصص، ففي القصة الأولی نجد راویة اسمها “شیماء” تحکي عن فقدها لحبیبها لدرجة تخیلها أحیانًا وجوده هنا وهناک، فتقول أنها تعشق الآن طیفه فقط المتمثل فیها وتعشق الطریقة التي عشقها بها ولیس کما الأعین الشبقة التي تطارد أنوثتها، أما في القصة الثانیة “تحور” فنجدها من وجهة نظر الرجل الذی یفتقد حبیبته ویتذكرها فتختلط الذاکرة والخیال والحقیقة مع بعضهم فیتخیلها کائنة أمامه فیحضنان بعضهما لدرجة الإندماج و التشرب؛ إذ تتحول حبیبته سائلا وتدخل فیه حتى يتحور هو إلى أنثی يلوح لها رجل وسیم من بعید ! .. هکذا هو الحب هنا، بقدر عسف العسس علیهم بقدر قوة الحب وبقدر کثافة العناق إلى درجة التوحد والتحور إلى الآخر .. وهنا یأت ختام الروایة التي کوناها من إعادة ترتیب هذه القصص، والتي تبعثرت وتشظت بفعل العسس، ومن الغريب أن الختام هو أول قصص المجموعة، حیث تتصاعد أدخنة الحشیش والند لتغطي أدخنة أخری سیئة جدًا، وهي أدخنة آخر قصص المجموعة ” وأول قصص الرواية” والتي ترتفع من قریة الطفل الصغیر بعد أن أحرقت بما فیها، فما زالت ترتفع فی ذاکرة الراوي وتلمع وتشتعل، فیرتفع دخان الحشیش لیغطیها ثم یرتفع دخان الند لیغطي دخان الحشیش عن أنف الشرطي المتربص ! .. فترتفع الأدخنة مع بعضها، یبحلق فیها الشخص مبهورًا بتشکلاتها السریالیة الغرائبیة، فجأة ینبجس له جواد أصهب من بین سحب الدخان، یمتطیه، یغادران إلى الفضاء اللانهائي، یجد حبیبته هناک، ینصهران مع السحب العلیا، ینزلان مطرًا في بلدة شوارعها من زجاج، ماؤها من حلیب، ولیس فیها عسسًا ولا عسفًا.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .

أضف تعليقاً