قنص الياسمين

14808824_1587819017910335_761067435_o (1)

 

• تاليف : جون ريفنسكروفت 
• ترجمة : فاطمة ناعوت

في السَّرير رقم ٦ ، ترقدُ في صَمتِها ، الفتاةُ الحزينةُ ” ياسمين” . هكذا أُدعى أنا أيضًا. لكنَّ الأسماءَ محضُ نعوتٍ قشرية ، تطفو كالزبَدِ ، متأرجحةً فوق سطح الماء. غير أن أمورًا أكثر عمقًا و أصالةً كانت تربطُ بيننا . تلك الأمور التي جعلتْها ترتاحُ إليّ وحدي ، والتي جعلتني لا أقضي يومَ عطلتي إلاّ إلى جوارها.
كان اليومُ صعبًا. عنبرُ المستشفى يئنُّ بالمرضى ، الأمرُ الذي جعلَ نهاري كلَّه مشحونًا بالعمل : تفريغُ السلال جوارَ الأسرّة ، ملءُ نماذجِ التقاريرِ الخاصةِ بالمرضى ، تبديلُ الضماداتِ و تغييرُ الملاءات . و أخيرًا ، في نهايةِ اليومِ تقريبًا ، تمكنتُ من اقتناص بضعِ دقائقَ لإعدادِ فنجانٍ من القهوة ، أخذتُه إلى حيث المقعدِ البلاستيكيّ برتقاليّ اللون جوار سريرِها.كم أشعرُ بالامتنانِ لتلك الدقائق التي أنعم فيها بصحبة تلك الفتاة.
– ” ياسمين ،كيف حالك ؟ ”
أقولها ، وكأنني أرحبُ بنفسي. غير إنها لم ترد. “ ياسمين” لا تردُّ مطلقًا في الواقع، كانت تمرُّ بحالةِ اكتئابٍ أخذتْها حتى العمق . كانت “ ياسمين” ، مثلي تمامًا ، إحدى ضحايا البحر.أنا أيضًا كنتُ ابنةً لأحد الصيادين ، ربما من أجل هذا، تخرج الكلماتُ من فمي متقطعةً و خاطفة ، مثل طُعْمٍ في سنارة صيد .أصبُّ الكلماتِ في أذنيها ،ثم أتخيلُها تغطسُ في عمق الماءِ الباردِ داكنِ الزرقة . هكذا كلَّ يومٍ ، ألقي كلماتي عميقا صوب الأسفل ، تمامًا حيث ترقد صديقتي.
– ” كان يومي مشحونًا ، لم يكن لدي متسعٌ من الوقت لفعل شيء .”
قلتُها ، بينما أمسحُ بأناملي على شعرِها .
مع فتاةٍ كهذه ، يكون من الصعبِ جدًا مقاومةُ لمسِها ، كانت “ ياسمين” من هؤلاء النساء ذوات الجمال شديد الندرة . من أجل هذا ، كان الناسُ يختلقون الأسبابَ من أجل المرور في فضائِها . أكثر من مرةٍ ضبطتهم يشربونها ، يمضغون تفاصيلها . كانوا جميعا “باراكودا ” تلك الأسماك الضخمة . حتى الممرضون الذين يدفعون المقاعدَ المتحركةَ ذات العجلات ، لابد أن يبطئوا ، حدَّ الزحف ، حين يقتربون من سريرِها. الزائرون المتجوِّلون ذوو العيون الجسورةِ الجشعة . الأطباء ، الذين يتوقفون فجأةً ،بغير مبررٍ ، يسحبون الستائر الشفيفة الحاجبة للضوء ، ثم يختبرون مجددًا أشياءً ليست في حاجةٍ إلى اختبار .
الجمالُ الباهرُ هو الشيء الذي لم نتقاسمه سويا ، “ ياسمين” و أنا ، غير إني كنتُ سعيدةً بذلك.
– ” والدك قد يأتي في أي وقت ،” قلتُ لها .” قالَ الأسبوع الماضي أنه سوف يأتي .”
لم تقل “ ياسمين” شيئًا. فقط ارتجفَ جفنُ عينِها اليسرى ، أو هكذا خُيّلَ إليّ.
مرَّ شهران منذ وقعت تلك الحادثة فوق قاربِ الصيدِ الخاص بأبيها . الحادثةُ الذي أدَّتْ إلى سقوطِها من القارب إلى البحر ، لتغورَ في عمقِ الماء ، ثم تشتبكُ أطرافُها في خيوط شبكة الصَّيد . مرَّ وقت غير قليل قبل أن يكتشفَ الأمرَ أحدٌ ، ثم بدأ الزعرُ والفزعُ والاضطراب . نجحَ أبوها في تخليصِها و انتشالِها فوق متن القارب ، ثم أبحر صوب القرية . حين وصل أخيرًا ، حملَ إلى الشاطئ ما كان يظنّه جثمانَ ابنته .
– ” ياسمين !” . هكذا كنتُ اهمسُ . كنت أريدُها أن تلتقطَ الاسم و حسبْ. اسمها واسمي ، الذي يشبه طُعمَ الصيد . كنت أريد الاسمَ أن يخترقَها ، و تبتلعه هي كما سمكةٍ و طُعْم يصادفُها.
لحسن الطالع جاء طبيبٌ شاب إلى قريتهم ذاك الصباح، ليزورَ أقاربَ له بالجوار. كان هو من استعادَ الفتاةَ الغريقةَ من حافةِ الموت ، وكان هو أيضًا من أخبرني بقصتها : ” فتحتْ عينيها ،نظرت إلى أبيها وقالت كلمةً وحيدة ، ثم غرقت من جديد ، لا في الماء ثانيةً ، لكن في الغيبوبة القاتمة.”
” بارّاكودا “. كانت هذه كلمة “ ياسمين” الأخيرة.
حين جاء أبوها ، مسح على شعرها ، قبّلَ وجنتها ، ثم جلس على المقعد البلاستيكي برتقاليّ اللون جوار سريرها ، آخذًا كفّها بين راحتيه. تماما مثل أبي ، الكفُّ ذاتُها ، البنيّة الضخمة التي خشّنتها الحياة ، تلك الكفُّ التي تُميزُ الصيادين التعساء . هو أيضًا تفوحُ منه رائحةُ البحر ، يتظاهر بأنه على ما يرام ، هذا الرجل البائس !
“ ياسمين” . كم تشبهني هذه الفتاة ! قواسمُ كثيرةٌ بيننا ،و كأننا كيانٌ واحد. أتذكّرُ تلك الصباحاتِ الباكرة و شعري الذي يُمَسُّ لأستيقظ ، ثم يرفعني أبي من سريري نصفَ نائمةٍ ، يحملني بين ذراعيه ، يلقيني فوق قاربه ، ثم يبحرُ . أسترجعُ صوتَه الخشنَ في مسمعي ، وأسترجعُ يدّه الخشنةَ فوق جلدي ، لم أرغب في الذهاب أبدًا ، لكنني كنتُ محضَ طفلةٍ ، وكان هو أبًا ، يفعل ما يريد.
أتذكّر الماءَ المالحَ ، الشمسَ الحارقة ،الزرقةَ بدرجاتِها ، وأمي ، التي ترتعدُ هناك فوق الشاطئ فيما يصغرُ حجمُها كلما ابتعدنا . أتذكّرُ ألواحَ القاربِ الخشبيّ وصخرةَ التثبيت ، أتذكَرُ صرخاتِ النوارس و احتجاجَها.
” ياسمين ، لديك حياةٌ في داخلك ، حياةٌ كاملة ، ألا تسمعينها تناديكِ ؟”
لا شيء أبدًا .
صُفقَ بابُ العنبر بشدة ، لمحتُ والدَ “ ياسمين” يمشي صوبنا ، حاملا باقة زهورٍ ، وابتسامةً ، ابتسامةً لي.
حتى في الموت ، الطفلةُ الكامنةُ داخلي ترى ابتسامةَ أبي ، “ ياسمين” كذلك ،لابدّ سترى الابتسامةَ ذاتها ، ابتسامة هذا الرجل بالتحديد ، الرجلُ الذي يحملُ باقةَ زهور ، ويمشي صوبنا.
وقف جوار سرير ابنته ، مسحَ على شعرها ، بينما شيءٌ يمور بقوة في داخلي . حدّقت في وجه “ ياسمين” ، وظللت أنتظر اختلاجةً من جفن عينها اليسرى.

قاص وروائي إنجليزي معاصر

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً