الرئيسية / مختارات قصصية مترجمة / كيف سطا السيد هوجن على البنك

كيف سطا السيد هوجن على البنك

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

• تأليف : ﺟﻮﻥ ﺷﺘﺎﻳﻨﺒﻚ
• ترجمة : مصطفى مدثر

في يوم السبت السابق لعطلة عيد العمل للعام 1955 ، وفي التاسعة وأربع دقائق ونصف الدقيقة صباحا ً، سطا السيد هوجن على البنك.
كان في سنه الثانية والأربعين، متزوجاً ووالداً لصبي وصبية هما جون وجون، إثنا عشر وثلاثة عشر عاماً على التوالي. كان اسم السيد هوجن هو جون والسيدة هوجن كان اسمها أيضاً جون ، ولكن ولأنهما تناديا بماما وبابا فقد حررا اسميهما خالصين للطفلين الذين أُعتبرا غاية الذكاء بالنظر لعمريهما حين قفز كل منهما فصلاً دراسياً.
عاش آل هوجن في العنوان 2155 شارع شرق بابل ، في منزل سقفه بني القرميد مشذّبٌ باللون الأبيض. كانا في الحقيقة منزلان. وكان رقم 215 هو المقابل لعمود الإضاءة، ذلك الذي به شجرة ضخمة في فنائه، شجرة بلوط أو دردار، وتعد الأضخم في كل الشارع وربما في المدينة كلها.
كان جون و جون في سريريهما وقت السطو، لأن اليوم هو السبت.
عند التاسعة وعشر دقائق صباحاً كانت السيدة هوجن تعد كوب الشاي بنفس الطريقة التي ظلت تعده بها دائماً. بينما السيد هوجن كان قد ذهب للعمل مبكراً.
شربت السيدة هوجن شايها بتؤدة، ساخناً حارقاً، وقرأت حظها في أوراق الشاي. كانت في قاع الكوب سحابة ونجم ذو خمسة أطراف ، إثنان منهما قصيران ، تماماً في حوالي التاسعة وإثني عشر دقيقة. أي بعد اكتمال السطو.
الطريقة التي إتبعها السيد هوجن في السطو على البنك كانت غاية في الإثارة. فهو قد أولى الأمر قدراً كبيراً من التفكير ولأمدٍ طويل. لكنه لم يناقشه مع أحد. فقط يقرأ الصحيفة ويستشير نفسه. ولكنه توصل، لرضاه التام، لأن الناس يذهبون لكثير من المشقة في السطو على البنوك ما يدخلهم في البهدلة. كان يفكر دائماً أن الأبسط هو الأحسن. وأن الناس يقحمون أنفسهم في كثير من الاضطراب والفوضى والسلوك الخالي من الأخلاق. وإن لم تفعل ذلك، إن طرحت الشعوذة والدجل من تخطيطك، فإن السطو على بنك يمكن أن يكون مشروعاً سديداً نسبياً، إذا تغاضينا بالطبع عن نوعية الحوادث غير محتملة الحدوث. ولكن، وعلى أي حال، فإن الحوادث يمكن أن تحدث لرجل يعبر الطريق أو أي شيء!
وبما أن طريقة السيد هوجن سارت بشكل جيد فإنها أثبتت أن تفكيره كان سديداً. لقد فكر كثيراً في تأليف كتاب صغير كمرشد إلى التكنيك الذي إتبعه، وكانت على أيامها، كتب (كيف تفعل كذا…) موضة صارخة. بل هو توصل لصياغة الجملة الأولى في كتابه وتقرأ: لكي تنجح في السطو على بنك دع كل ما هو شعوذة وهنكي بانكي خارج تخطيطك.
لم يكن هوجن مجرد موظف في بقالة السيد فتوشي. كان أشبه بمدير. بل كان قابضاً على كل أمر حتى أنه استأجر وطرد الصبي الذي يقوم بخدمة التوصيل للمنازل بعد نهاية يومه الدراسي. وقام أيضاً بكتابة طلبيات مع الباعة ، أتم ذلك فعلاً والسيد فتوشي موجود بالمحل، يحادث، ربما، أحد الزبائن.
– افعلها يا جون. كان فتوشي يصيح به ثم يهز رأسه قائلاً للزبون:
– جون يعرف كل شيء. لقد كان معي- كم سنة لك معي يا جون؟
– ست عشرة سنة.
– ست عشرة سنة؟ إنه يعرف البزنيس مثلي تماماً. ياخي إنه حتى يقوم بتوريد المال للبنك.
وقد كان! فكلما سنح له العمل، وتوفر الوقت، كان السيد هوجن يمضي إلى مخزن المحل المطل على زقاق. يخلع مئزر العمل ويرتدى معطفه ورباطة عنق، ثم يمضى عائداً عبر المحل إلى مكان آلة النقود ، حيث تكون الشيكات والأوراق المالية جاهزة داخل دفتر البنك الملفوف بشريط مطاطي. بعد ذلك يغادر جون للمبنى التالي لمبنى المحل ، يقف على نافذة الصراف ليسلم الشيكات والأوراق المالية للسيد كاب ، ويقضى معه وقتاً في الثرثرة. وحال استرداده دفتر البنك يتأكد من الإدخال الذي حدث فيه ويعيد وضع الرباط المطاطي حول الدفتر. يدخل من الباب التالي راجعاً إلى بقالة فتوشي ، معيداً وضع الدفتر داخل آلة النقود ثم يواصل إلى مخزن. يخلع معطفه ورباطة عنقه. يرتدي مئزره ويرجع إلى عمله في البقالة. وإن لم يكن هناك طابور أمام صراف البنك فالأمر، بما فيه الثرثرة، لا يأخذ منه ذلك أكثر من خمس دقائق.

كان السيد هوجن رجلاً يلاحظ الأشياء. وعندما حان وقت السطو على البنك وضعته هذه الخصلة في المكان الجيد. كان قد لاحظ، مثلاً، أن الأوراق المالية من الفئات الكبيرة، توضع في الدرج تحت طاولة الخدمة. ولاحظ الأيام التي يكون فيها عدد الأوراق الكبيرة كبيراً. فيوم الخميس هو يوم قبض الرواتب في الفرع المحلي للشركة الأمريكية للمعلبات، على سبيل المثال، ولذا سيكون هناك مزيد من الأوراق المالية الكبيرة. وفي بعض أيام الجمع يقوم الناس بسحب المزيد من المال ليغطي مصاريفهم في عطلة نهاية الاسبوع. لكن الفرق بين الخمائس والجمع وصباحات السبوت قد لا يصل لألف دولار. السبت، حقيقةً، ليس أحسن الأيام لأن الناس لا يبكّرون في الحضور للسحب والبنك يغلق أبوابه عند الظهيرة. لكن السيد هوجن أعاد التفكير وتوّصل لأن السبت السابق لعطلة نهاية الأسبوع ، في الصيف، هو أحسن الأيام قاطبة. فالناس يكونون على سفر واجازات وأهل وأقارب يزورون.. والبنك يكون مغلقاً يوم الإثنين.

فكّر في هذا الأمر ونظر. وبات مؤكداً لديه أن درج الأوراق المالية في صباح يوم السبت السابق لعطلة عيد العمل يحتوي ضعف المبالغ التي يحتويها في الأيام الأخرى. عرف ذلك ورآه عندما فتح السيد كاب درج الأوراق.
فكر السيد هوجن في ذلك الأمر طوال تلك السنة. ليس كل الوقت طبعاً ولكن كلما سنحت له سانحة. كانت تلك سنة عامرة بالمشاغل، أيضاً. كانت السنة التي أصيب فيها جون و جون بالنُكاف، أبو عديلات. وخلعت السيدة هوجن أسنانها وتم تركيب طاقم بديل لها. تلك السنة كان السيد هوجن سيد محفله الماسوني بما يستغرقه ذلك من وقت. أيضاً مات في لاري شيلد وكان هذا أخاً للسيدة هوجن فتمت مراسم دفنه من منزل آل هوجن في 215 شارع شرق مابل.
كان لاري ، قبل أن يموت ، أعزباً ، وكانت له غرفة في دار باين تري. كان يلعب البلياردو كل أمسية. ويعمل في سيلفر داينر، ولأنهم كانوا يغلقون أبوابهم في التاسعة مساءً فإن لاري كان يذهب ليلعب البلياردو في محل لوي لمدة ساعة. ومع كل هذه العربدة كانت المفاجأة أنه ترك ما يكفي من المال بحيث تبقى ألف ومائتان دولار بعد دفع تكاليف دفنه. والأكثر ادهاشاً أنه ترك وصية لصالح السيدة هوجن ، وكتب البندقية ذات الماسورتين ومن عيار 12 للسيد جون هوجن الصغير. فرح السيد هوجن لذلك رغم أنه لم يمارس الصيد يوماً وقام بتخزين البندقية خلف دولاب الحمام حيث كان يواري الأشياء من جون الصغير. لم يكن يرغب في أن يتعاطى أطفاله مع البنادق ولم يشتر أي خزنة مقذوفات. ومن تلك الألف ومائتين اشترت السيدة هوجن طقم أسنانها كما اشترت دراجة لجون الابن. ولجون الابنة اشترت شنطة حمل دمي ودمية تمشي وتتحدث مع ثلاثة فساتين غيارات وحقيبة صغيرة بطقم مكتمل لمكياج لعب أطفال. رأى السيد هوجن أن هذه الأشياء قد تفسد الأطفال ، ولم يبدُ ان ذلك صحيحاً منه لأن نمرهم في المدرسة ظلت جيدة كما هي وتحصّل جون على وظيفة توزيع صحف. كانت سنة عامرة بالمشاغل حقاً. وأراد الأبناء جون وأخته أن يسجلا في مسابقة (أنا أحب أمريكا) القومية لمقدمها و. د. هيرست. ورأى السيد هوجن أن ذلك شططاً لكنهما وعدا بأن يفعلا ذلك أثناء اجازة الصيف فوافق، أخيراً.

لم يلاحظ أحد أي شيء مختلف في السيد هوجن. صحيح أنه ظل يفكر في السطو على البنك ولكنه يفعل ذلك في الأمسيات فقط ، حين لا يكون هناك اجتماع لمحفلة ماسونية أو فيلم ، لذا فإن الأمر لم يتحوّل عنده لوسواس ولم يلاحظ الناس أي تغيير عليه.
ولأنه درس كل شيء بعناية فائقة ، فعند حلول عطلة عيد العمل لم تجده غير مستعدٍ أو عصبي.

لقد كان ذلك الصيف حاراً. وموجات الحر أطول من المعتاد.
كان يوم السبت هو نهاية اسبوعين من حر متصل. احتد الناس منه وتاقوا للخروج من المدينة رغم أن الريف لم يكن أقل حراً.
آل هوجن لم يفكروا في هذا. ما أثار الطفلين هو أن مسابقة كتابة المقال ضمن برنامج (أنا أحب أمريكا) شارفت على الانتهاء واقترب موعد اعلان أسماء الفائزين بها. والجائزة كانت رحلة لمدة يومين لواشنطون دي سي ، مدفوعة التكاليف بالكامل و ب(تظبيطات) كاملة – غرفة في فندق، ثلاث وجبات في اليوم، فسح مجانية بالليموزين- وليس ذلك للفائز وحده بل لمرافق معه- كذلك زيارة للبيت الأبيض ومصافحة الرئيس، كل شيء حسن.
وكان السيد هوجن يرى أن طفليه قد رفعا سقف آمالهما أكثر من اللازم وقالها لهما:
– عليكم التحضير لخسارة المسابقة. من المحتمل أن هناك آلاف وآلاف المتقدمين للمسابقة. فإذا رفعتما سقف آمالكما قد يفسد ذلك فصل الخريف. لا أريد أي وجوه طويلة في هذا البيت بعد انتهاء المسابقة.
وقال لزوجه السيدة هوجن:
– لقد كنت ضد هذا من البداية.
حدث ذلك في الصباح الذي رأت فيه السيدة هوجن نصب واشنطون التذكاري في قعر كوب الشاي لكنها لم تخبر بذلك سوى روث تايلر، زوجة بوب تايلر. كانت روثي قد أحضرت معها أوراق اللعب وقرأتهم في مطبخ آل هوجن لكنها لم تجد أية رحلة! فأخبرت متأثرة السيدة هوجن أن الأوراق تخيب في أغلب الأحيان. فمثلا عندما حدثتها الأوراق عن أن السيدة وينكل ذاهبة في رحلة إلى أوربا في ظرف أسبوع ، حدث العكس حيث وقفت شوكة حوت في حلق وينكل فخنقتها حتى ماتتت… تساءلت روثي، كأنها تفكر بصوت مسموع، عن الرابطٍ بين شوكة الحوت والرحلة عبر المحيط إلى أوربا.. قالت:
– يجدر بنا تأويل هذه الأمور بشكل صحيح.
كذلك خمنت روثي بأنها ترى من خلال الورق مالاً قادماً لآل هوجن. فأوضحت لها السيدة هوجن:
– المال وصل سلفاً من المسكين لاري.
فقالت روثي:
– لابد أنني خلطت أوراق الماضي والحاضر معاً. ثم أضافت:
_ يجدر بك تأويل هذه الأمور بشكل صحيح.

انبثق يوم السبت. قال التقرير المناخي الباكر على الراديو: استمرار الحر والرطوبة. أمطار خفيفة ومتفرقة ليلة الأحد وصباح الإثنين.
قالت السيدة هوجن لزوجها:
– وما هو الغريب في الأمر؟ إنه يوم عطلة عيد العمل!
قال السيد هوجن:
– إنني سعيد بحق أننا لم نخطط لشيء.
ثم أكمل أكل البيضة وقش الصحن بباقي قطعة الخبز.
قالت السيدة هوجن:
– هل وضعت القهوة في القائمة؟
أخرج الورقة من جيبه وراجعها
– نعم. إنها هنا. قهوة!
– لقد أتتني فكرة مجنونة أنك نسيت أن تكتبها. قالت السيدة هوجن. ثم واصلت:
– سنذهب أنا وروثي لحضور احتفال طائفة المذبح بعد الظهر. سيكون في منزل السيدة ألفريد دريك. أنت تعلم بأنهم جديدون في المدينة. أتحرق حقاً لمعاينة متاعهم!
– لا شيء يذكر ، إنهم يشترون منا. فتحوا حساباً عندنا الأسبوع الماضي. قال السيد هوجن ثم سأل:
– هل زجاجات الحليب جاهزة؟
– إنها في الرواق.
وقبل أن يلتقط الزجاجات نظر السيد هوجن لساعته وكانت تشير لخمس دقائق قبل الثامنة.
التفت وهو على وشك نزول العتبات ونظر خلال الباب المفتوح للسيدة هوجن فقالت له:
_ هل تريد شيئاً يا حبيبي؟
رد عليها:
– لا. وكررها ثانية.
– لا. ثم مشى نازلاً العتبات.
سار إلى الناصية واستدار يميناً في شارع سبونير ، الشارع الذي يصب في شارع رئيسي بعد مربوعين. وعند ذلك يقبع محل فتوشي ، وفي الملف منه يقع البنك والزقاق بجوار البنك.
التقط السيد هوجن نشرة اعلانية ملقاة أمام باب البقالة وفتح الباب.
مشى عبر المحل ، فتح الباب المؤدي للزقاق ونظر إلى الخارج. حاول قِطٌ أن يفرض دخوله عبر الباب لكن السيد هوجن منعه بقدمه وأغلق الباب، خلع معطفه وارتدى مئزره الطويل ، أحكم رباطيه خلف ظهره ثم أحضر المكنسة من وراء طاولة الخدمة ، كنس خلف الطاولة وكب كل القاذورات في إناء جمع الزبالة ، مشى عبر البقالة وفتح الباب المؤدي للزقاق. كان القط قد اختفى. أفرغ محتويات الإناء في برميل القاذورات طارقاً الإناء بحذق ليخلّصه من قطعة خس ظلت عالقة. ثم عاد إلى داخل المحل واشتغل على مسودة الطلبية القادمة.
حضرت السيدة كلوني وطلبت نصف رطل من لحم الخنزير المقدّد. قالت إن الجو حار فوافقها السيد هوجن :
– الأصياف تزداد حراً
قالت السيدة كلوني فجأة :
– كيف حال السيدة خلف المواعيد؟
– بخير. قال هوجن. وستذهب لإحتفال الطائفة.
_كذلك أنا. أتطلع لرؤية أثاثاتهم. ثم خرجت.

وضع السيد هوجن قطعة تزن حوالي خمسة أرطال من لحم الخنزيرالمقدّد في قطّاعة الشرائح، ثم نشر الشرائح على ورق شمعي وغطاها بنفس نوع الورق ووضعها في خزانة التبريد.
في التاسعة إلاّ عشر دقائق ذهب السيد هوجن نحو أحد الرفوف ونحّى جانباً صندوق مكرونة لينزل صندوق كورن فليكس من جنبه ، قام بتفريغ محتوياته في الحوض الصغير الملحق بخزانة التبريد.
وبخنجر موز قطع قناع ميكي ماوس المرسوم على ظهر صندوق الكورن فليكس ثم أخذ ما تبقى من الصندوق وكسحه بالماء في المرحاض ثم رجع إلى المحل واستأصل شريطاً من قماش ، ربط طرفيه بعد تمريرهما من ثقبين على جانبيّ القناع ثم نظر لساعته.
كانت فضية وكبيرة. ماركة هاميلتون ذات يدين سوداوين تشيران لدقيقتين قبل التاسعة.
ربما شكلت الأربع دقائق التالية كل زمنه في التوتر والعصبية، على الإطلاق.
في التاسعة إلاّ دقيقة، أخذ المكنسة وخرج يكنس رصيف المشاة. كنسه بسرعة فائقة. وبينما هو يراقب ، في الحقيقة، فتح السيد وارنر أقفال البنك.
ألقى السيد هوجن تحية الصباح على السيد وارنر ، بعدها بثوانٍ برز موظفو البنك الأربعة خارجين من المقهى. رآهم السيد هوجن عبر الشارع وحيّاهم إشارةً فردوا تحيته. وبعد الانتهاء من الطوار دخل إلى المحل ، وضع ساعته على عتبة صغيرة تحت أزرار الأرقام في آلة النقود ثم أطلق آهةً عميقة جداً. كانت نفَساً عميقاً أكثر منها تنهيدة. فهو يعلم أن السيد وارنر قد فتح الخزنة الآن وسيكون حاملاً أطباق الكاش إلى شباك الصراف. نظر السيد هوجن لساعته ترقد على عتبة آلة النقود.
وقف السيد كينورزي عند مدخل المحل ثم هز رأسه بطريقة مبهمة واستأنف سيره. أطلق السيد هوجن تنفسه بطيئاً وتدريجياً ، مشت يده اليسرى خلف ظهره فجذبت رباط مئزره وزحفت بعدها اليد إلى ساعته حيث علامة الدقيقة الرابعة ، فغطتها.
فتح السيد هوجن درج الحسابات الجارية وأخرج منه مسدس المحل ؛ آيفر جونسون عيار 388 فضي اللون. تحرك بسرعة إلى المخزن. طرح عنه مئزره وارتدى معطفه ووضع بداخل جيبه المسدس ثم حشر قناع ميكي ماوس تحت المعطف بحيث لا يُرى.
فتح باب الزقاق وتطلع يمنة ويسرى ثم خطا خارجاً بسرعة تاركاً الباب موارباً بعض الشيئ. إنها ستون خطوة إلى حيث يدخل الزقاق مع الشارع الرئيسي .. توقف وتطلع نزولاً وصعوداً.
أدار رأسه نحو قلب الشارع لحظة مروره بنافذة البنك. وعند الباب المتأرجح للبنك أخرج القناع من تحت معطفه ووضعه على وجهه. كان السيد وارنر يدخل مكتبه لتوه مولياً ظهره لباب البنك. وكانت هامة رأس ويل كاب ظاهرة للعيان من خلال شبكة نافذة الصراف.
تحرك السيد هوجن بسرعة وبلا ضوضاء حول نهاية طاولة الخدمة ، داخلاً قفص الصراف والمسدس في يده اليمنى الآن. وعندما أدار ويل كاب رأسه، رأى المسدس فتجمّد. غطى السيد هوجن بإبهام قدمه تحت زناد اطلاق انذار القاعة. واشار بمسدسه لويل كاب فانبطح سريعاً على الأرض. فتح السيد هوجن درج النقود وبحركتين خاطفتين كدّس الأوراق الكبيرة فوق بعضها من أطباقها. وأتى بحركة كالجلد بالسوط بتحريك المسدس نحو ويل بما يفهم منها هذا أن ينقلب معطياً وجهه للحائط، ففعل.
تراجع السيد هوجن حول طاولة العد وخلع قناعه عند باب البنك وفي مروره بنافذة البنك أدار رأسه ناحية قلب الشارع. دخل الزقاق و مشى حثيثاً إلى مخزن المحل ودخله. كان القط قد دخل هو الآخر وجلس يرقبه من فوق كومة من كراتين المعلبات.
ذهب السيد هوجن إلى دورة المياه و مزّق القناع وأجراه مع الماء الدافق ، خلع معطفه وارتدى مئزر العمل ثم ألقى نظرة لداخل المحل واتجه إلى درج الحسابات الجارية حيث رجع المسدس إلى مكانه.
ضرب السيد هوجن زرار (لا بيع) ثم وزع، وهو رافعٌ الدرج الأعلى، المال المسروق تحت الطبق الأعلى ثم جذب الطبق إلى الأمام واغلق آلة النقود وحينئذ فقط نظر إلى ساعته فكانت 9:071/2.
علا الضجيج متدفقاً من البنك حين كان يحاول إخراج القط من مخزن المحل. أخذ مكنسته وخرج إلى الرصيف. سمع كل شيء وأدلى برأيه حين سُئل عنه. قال إن (الشخص) لن يفلت. فأين يمكنه أن يصل؟ وأضاف: والناس مقبلون على عطلة….
كان يوماً مثيراً بحق. وبدا السيد فتوشي مزهواً كما لو كان البنك ملكه. ودقت صفارات الإنذار لساعات طوال حول المدينة. وأوقفت المتاريس التي نصبت في حواف المدينة مئات المسافرين لقضاء عطلتهم. وتم تفتيش سيارات عدد من الرجال ذوي الهيئات المريبة.
سمعت السيدة هوجن بالقصة عن طريق التلفون فتهندمت قبل المواعيد التي تلبس فيها عادةً وحضرت للمحل في طريقها إلى لقاء طائفة المذبح. وتمنت لو أن السيد هوجن قد رأى أو سمع شيئاً جديداً ولكن هذا لم يحدث.
– لا أرى أن هذا الشخص سيفلت. قال لها.
كانت السيدة هوجن مستثارة لدرجة أنها نسيت أن تحكي له أخبارها الخاصة. ولم تتذكرها إلاّ بعد أن وصلت لدار السيدة دريك. لكنها أخذت إذناً بالإتصال بالمحل في أول سانحة أتيحت لها.
– نسيت أن أخبرك. لقد فاز جون بالتنويه المشرّف.
– ماذا؟
– في مسابقة (أنا أحب أمريكا)!
– فاز بماذا؟
– التنويه المشرّف.
– حسن. حسن ٌ- أي شيئ يأتي مع هذا؟
– طبعاً! اسمه وصورته ستعم البلاد. والراديو أيضاً. وربما التلفزيون حتى. لقد طلبوا صورته بالفعل!
– عظيم! أتمنى ألاّ يفسده هذا الأمر.
ووضع السماعة مكانها وهو يقول للسيد فتوشي:
– أعتقد أن لدينا أحد المشاهير في المنزل.
كان محل فتوشي يظل مفتوحاً حتى التاسعة مساء في أيام السبت. لم يأكل السيد هوجن سوى بعض القضمات الصغيرة من الشرائح الباردة، ليس كثيراً، لأن السيدة هوجن دأبت على حفظ عشاء دافئ له بالبيت.
كانت الساعة 9:05 أو 06: أو 07: عندما رجع للمنزل ذي القرميد البني في نمرة 2155 شارع شرق بابل. مر من الباب الأمامي نحو المطبخ حيث الأسرة تنتظره.
قال لهم: يلزمني دش بارد. ثم صعد نحو الحمام.
أدار مفتاح باب الحمام في القفل ثم سحب سلسلة المقعد وفتح الماء في حوض المغطس وحوض غسيل اليدين أثناء عده للنقود.
ثمانية آلاف وثلاثمائه وعشرون دولاراً.
تناول من أعلى رف في دولاب الحمام الجراب الجلدي المحفوظة فيه بزة فارس الهيكل خاصته فأنزله. كانت القبعة المريّشة لا تزال في هيئتها لكن ريشة النعام البيضاء بدت مصفرّة نوعاً ما وتحتاج لتغيير.
انتشل السيد هوجن القبعة ثم فصل الزي من قعر الجراب. وضع النقود داخل الزي ثم أعاد التفكير وسحب ورقتين وحشرهما في جيب بنطاله. ثم أعاد وضع الزي فوق النقود واضعاً القبعة في مكانها ، أغلق الجراب ودفعه إلى الرف الأعلى.
أخيراً غسل يديه وسد الماء من الحوضين. انتظرته السيدة هوجن وطفلاهما في المطبخ بابتسامة مشعشعة.
– خمّن ما سيمر به أحد الشباب!
– أمممم . ماذا؟
– الراديو. يوم الإثنين. قال جون الصغير وأضاف: في الثامنة.
– أعتقد أن الأسرة فيها أحد المشاهير. قال السيد هوجن. وأضاف:
– أرجو أن لا تكون الشابة قد تضايقت!
جذب السيد هوجن كرسيه مقترباً من المائدة وأرخى ساقيه وقال:
– حبيبتي. أعتقد أن لديّ أسرة لطيفة. ومد يده إلى جيبه وسحب ورقتين من فئة الخمسة دولار. مد واحدة لجون:
– هذي لفوزك! ثم دفع بالورقة الثانية نحو جون البنت:
– وهذي لكون روحك رياضية جيدة! لدينا شخص شهير وآخر رياضي! يا لها من أسرة رفيعة!
ثم فرك يديه ورفع الغطاء عن الطبق الدافئ أمامه:
– كلاوي! يا إلهي!
هكذا فعلها السيد هوجن.

روائي أمريكي حاز ﻋﻠﻰ ﺟﺎﺋﺰﺓ ﻧﻮﺑﻞ ﻟﻶﺩﺍﺏ ﻋﺎﻡ 1962

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً