الرئيسية / احدث التدوينات / كيمبي … الموسيقى والقضية

كيمبي … الموسيقى والقضية

Emmanuel Kembe_1

“كانت الموسيقى في نظري هي الحرية، أغني لأشعر أنني ما زلت على قيد الحياة، أغني لأعلم الناس كيف يصنعون ثورة، وكيف يرفضون أن يكونوا عبيداً لبشر مثلهم”

بوب مارلي

      يجدر بنا أن نتسأل، هل تسرق القضية الفن/ الفنان؟، أم أن القضية جزء من الفن؟، لطالما كان الفن تخليقاً، وتشكيلاً للجمال، من أجل تقديمه في قوالب يمكن من خلالها إثارة مكامن الحس في متلقيه، فأن في التجريد الفني أعمق درجات الفن، وأبلغ معانيه، حيث يخاطب العمل الفني إحساس ولاوعي المتلقي،  دونما الحوجة لتفسيرات وتوضيحات ووسائط، حينها يتعامل المتلقي مع النغمات الموسيقية المفردة، بدلاً عن المقطوعات المُغناة، والألوان، بدلاً عن الرسوم المصورة، والكلمات، بدلاً عن الجمل ذات المعنى القصصي. ولكن ما الذي يجعل الفن يهبط من علو التجريد إلى سهول الواقع؟.

      إن الفنان باعتباره صانعاً للجمال؛ لا يمكنه مطلقاً الانفكاك عن ذاته، والانفصام عن هواجسه، وقضاياه، ومشاكله، فتجي اعماله الفنية محملة بها، مبتعدا بها رويداً رويداً عن التجريد، ومقتربة أكثر عن القضية، بمقدار انشغاله بها، ومقدار تأثيرها عليه، وبقدر ابتعاده بفنه عن لاوعي واحاسيس المتلقي المجردة، فإنه يقترب من وعيه ومشاكله وقضاياه، بمقدار ما يحمل عمله الفني من معاني، أو كانه يبتعد من جهة، ويقترب من جهة أخرى، ولكن في كل الأحوال، يظل الإنسان هو القضية المحورية في الفن، مجرداً كان، أو غير مجرد.

      تمثل حالة الفنان “ايمانويل كيمبي” تجسيداً لظاهرة الفنان الذي كرس عمله وحياته وفنه لقضيته، كيمبي المولود العام 1969 بمدينة واو، استهل الدراسة بها، ثم اكمل تعليمه الثانوي بالخرطوم، في العام 1988، وحينها كانت الحرب قد اشتدت، وبدأت مدن الجنوب وقراها تخلو رويداً رويداً من سكانها بفعل النزوح، كيمبي بدأ مغنياً للحب، القضية الأولى، بأغنية “جنوبية”، يبث فيها شوقه، وهيامه، بفتاته الجنوبية، ومن ثم أجبر للفرار والبقاء لفترة طويلة منفياً، ولاجئاً، بعد أن أدي أغنيته الشهيرة “شين شين” في إحدى المهرجات الشعبية بالخرطوم، في العام 1994، والتي كانت تندد بسوء الأوضاع في الجنوب:

شين شين شين

وين تاني نلقى جمال لجنوبنا

بلدنا خربوا يا يمة

بلدنا خربوا بقى شين

مستنكراً فيها تجاهل، ولا مبالاة الشعب والحكومة، وتغافلهم عن مأساة الشعب في جنوب السودان:

هسع تمشي في ناصر،

تشوفو في سكة،

تلقى عضم ناس،

عضم ناس شكلو شين.

تمشي في امدرمان

تشوفو في شريعة،

تلقى ناس كلو مبسوطين،

ومسكين بي موتو في جنوب.

       اتخذ من اثيوبيا مخرجاً، بعد أن تم سجنه في الخرطوم، وأستقر فيها لمدة أربعة اعوام، كرس فيها نفسه للنضال بموسيقاه، والغناء لإيصال صوت المعاناة والألم، بعد أن أعلن عن إيمانه وتأييده لمشروع السودان الجديد، فغنى”Liberate South Sudan”  وغنى Sudan unite new””، داعياً فيها الفصائل الجنوبية المحاربة للتوحد من أجل الوصول للحرية والسلام. وفي مهجره، بالولايات المتحدة الأمريكية، أصدر كيمبي ست  البومات، يغني فيها للحب والسلام، رافضاً للحرب في الجنوب، وحرب دارفور لاحقاً، وكان مشهوراً بين السودانيين المهاجرين، والمنظمات المهتمة بالهجرة واللجوء، وازمات الحروب في السودان. لم ترفع الحظر عن أغانيه في السودان إلا في العام 2005، حين وقعت اتفاقية السلام بين طرفي الصراع في السودان، لتستمر موسيقاه مصدر إلهام، وأمل، للعديد من الفقراء، والمطحونين، ونازحي الحروب في السودان، وليغني هو حينها مبشراً بالسلام، وداعياً السودانيين للاحتفال “سلبريت”، يقول في مطلعها “صباح جاء … شمس طلع خلاص … مافي زول تاني بيكوري”، منادياً للإحتفال والرقص والمرح للسلام باستمرار، “بابا ما تدقو لينا نقارة … عشان نا سلبيريت كلو يوم … يمة دايرين مريسة ابيض … برميل كبير كالينا سالبيريت”. نظم كيمبي مهرجان الرقص والموسيقى السودانية في مدينة نيويورك، في يوليو 2007، ثم تبعها برحلة إلى الخرطوم، كانت الأولى له بعد أن غادرها فاراً من استهداف السلطات له، ورغم أن الزيارة قوبلت بتجاهل، ولا مبالاة من الإعلام الرسمي، إلا أن محبيه من النازحين، استقبلوه بحفاوة، تبين مقدار تأثيره عليهم، وأحيا حفلاً جماهيرياً بإستاد الخرطوم، في ليلة تابين الأب الروحي لنضال الهامش السوداني، د.جون قرنق دي مبيور، غنى فيها أغنيته الشهيرة “البطل HERO” التي تعدد مآثر الراحل، والقيم الجليلة التي غرسها، وتركها بعد رحيله، وتؤكد بقاء رؤيته.

      يستخدم كيمبي في موسيقاه إيقاع الريجي، وهو احد اشهر الإيقاعات الشعبية رواجاً في العالم، والذي استخدم في إلهام ثوار العالم ضد الظلم والاستبداد، فيكفي أن بوب مارلي كان ملهماً للعديد من الحركات التحررية في دول العالم الثالث، لدرجه أنه تم تكريمه عند استقلال زيمبابوي في العام 1980، لدور موسيقاه وكلماته في تحريك الثوار، كما أن أغانيه يتم ترديدها في المسيرات الاحتجاجية في مدن العالم المختلفة. ما يسهل انتشار موسيقى الريجي هو شعبيتها، كون أنها تمثل صوت الشارع، وهذا ما يبين أغاني كيمبي ذات الكلمات المبسطة، باستخدام اللغة العامية السودانية، وعربي جوبا، أو الانجليزية المبسطة، فهو يغني لسان حال الشعب في القضايا الاجتماعية، أو السياسية. فكيمبي كان مشغولاً بقضيته حد الانغماس والذوبان فيها، حيث غنى ضد الظلم والحرب، وبشر بالسلام “Waiting for peace”، ثم غنا ناصحاً الحكام، محذراً اياهم من الانجرار وراء بريق السلطة والمال “كرسي وقروشي”، محذراً أيضاً من الانفراد بالسلطة والقبيلة “اكلو براو”، وفي أغنية “كفاية” والتي غناها بعد توقيع اتفاقية مشاكوس، ردد محذراً من الصراع حول السلطة “نياكاما بيجيب مشاكل … ومشاكل بيجيب موتو كتير”، ومن ثم  دعى الشعب للإحتفال بالسلام “سلبريت” بكل اطيافه. أفني كيمبي عمره لقضيته، حتى توقفت الحرب، وتمكن الجنوب من تحقيق دولته، بعد فشل الوحدة، ولكن بعكس آمال الفنان العظيم تحققت تحذيراته، التي ضمنها في أغانيه، فقد خالف الساسة وعودهم، ونكصوا عهودهم، بل إنهم ربما أعادوا قضية الجنوب إلى نقطة الصفر، حيث رحلة البحث عن السلام والأمن والاستقرار.  فهل سيعود كيمبي ليغني مجددا؟، وهل تبقت في داخله طاقه ليعود لحلبة القضية مجددا؟، أم أن الإنهاك قد نال منه تماماً، كعداء وصل بعد بذل جهد كبير لخط النهاية، يصعب إقناعه باستهلال سباق جديد!!!.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً