الرئيسية / احدث التدوينات / الثامن من باندوراس “اليوم العالمي للرجل”

الثامن من باندوراس “اليوم العالمي للرجل”

new-imd-logo-700x

      ويسألونك لماذا لا يوجد يوم عالمي للرجل ؟! .. حسنًا.. الحق أنه كان يوجد يوم كهذا.. منذ زمان سحيق سحيق..

      المقربون حقًا.. المقربون صدقًا.. يعلمون أني الآن أبلغ من العمر مائتي ألف عام.. المقربون الذين قضوا نحبهم منذ آلاف آلاف السنين.. يعلمون أنني عشت من العمر ما يكفي لكي أعلم أنه لا يجوز كونا المساواة بين الرجل والمرأة.. الكون ثنائي القطبية لن يرضى بذلك.. هو يعشق الصراعات المحتدمة التي لا تنتهي..

      يحكي التاريخ الحقيقي الذي لا يعلمه بشر سواي.. يحكي أن النساء كن محور كل شيء في الحياة.. كن أسباب الحروب وبطلات السلام.. سيدات المنازل اللواتي تأمرن فتطعن.. ليس ذلك فقط.. اللغات أيضًا كانت في صفهن.. فكانت تاء التأنيث الساكنة تسمى تاء التذكير الميتة.. كانت هنالك ممالك تمنع قيادة الرجال للدواب الصناعية.. وأخرى تجيز للمرأة أن تتزوج من الرجال سبعة عشر رجلاً.. وأحيانًا أكثر من ذلك.. وممالك تمنع عن الرجال الحق في تولي مناصب قيادية.. بحجة أن الرجال كائنات غبية وقاصرة الفهم.. لا تنفع إلا لحراثة الحقول.. وتشكيل الحديد وقطع الأخشاب وحمل الأغراض الثقيلة.. وكان يتعين على كل امرأة حين تتزوج رجلًا (جديدًا) أن تشتري له طوقًا يسمى طوق الزواج.. وفي جلساتهن السرية.. كانت النساء تتهكمن من مباهاة الرجال بعضهم البعض بأطواقهم الفضية منها والذهبية.. الأغبياء (كن يقلن) يتباهون بأطواقهم التي نقودهم بها من أعناقهم ؟!

      كان وضع الرجال مزريًا إلى حد بعيد لا يوصف.. خصوصًا وأن نساء اليوم نسين أو تناسين هبة تتميزن بها عن صنف الرجال.. تسمى في علم الأحياء العتيق: (الاستحواذ العقلي) ألا وهي إمكانية دخول المرأة حيز عقل الرجل.. لتتحكم بتصرفاته وحركاته وسكناته متى شاءت.. لذلك كان من المهم جدا للمرأة أن يكون الرجل الذي تتزوجه/ تعشقه/ تصادقه/ عظيم البنية.. قوي الجسد.. تستطيع عضلاته المفتولة تنفيذ أشد أفكارها وخيالاتها تطرفًا.. فالرجل في عرفهن لم يكن سوى جسد فقط.. لا غير.. يسخرن متهكمات منهم حين يقلن: الرجال.. فارغي العقل ..

      حتى ما كان.. في زمان ما.. قبل آلاف آلاف السنين.. حين ظهرت امرأة حنونة القلب في مسرح أحداث الكون.. رقيقة المشاعر.. مرهفة.. تعشق الموسيقى والعدل.. وتمقت الاضطهاد الواقع على الرجال من جنس النساء.. دعت تلك النضرة خضراء الروح إلى مساواة الرجل بالمرأة في الحقوق.. هاج الكون الأنثوي وماج.. كيف يتساوى معنا في الحقوق من لا يحمل في رحمه روحًا جديدة ليهبها الحياة ؟! دعت إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الواجبات فهاج الكون الأنثوي الجائر.. هذه المرة بحجة أكثر ذكاءً.. قلن كيف نظلم الرجال بتكليفهم بواجباتنا المرهقة وهم لا يملكون عقولًا كعقولنا المبهرة ؟! إنهم حتى لا يمتلكون موهبة الاستحواذ العقلي..

     رفعت تلك الجميلة شعارات براقة واعدة.. قالت أن الرجال هم رياحين الأرض.. قيل أن رائحتهم النتنة لا تستحق سوى التأفف.. قالت أن الرجال هم نصف المجتمع.. ولن ينهض مجتمع يسير بقدم واحدة فقط.. قيل أن الرجال هم النصف المنقاد.. الذي لا يحق له سوى الانصياع لتعليمات النصف المفكر.. قالت الكثير والكثير من الشعارات والقصائد الممجدة للرجال.. وبراءتهم.. وضعفهم.. ولم تكل ولم تمل.. وبفضل إصرارها ومثابرتها.. انضم لحركتها الداعية لتحرير الرجال جمع مقدر من النساء ذوات الحس المرهف.. والرغبة الصادقة في إخراج الرجال من النفق المظلم.. من الحبس في قوقعة الجسد.. من ما يقال عنهم بأنهم فارغي العقل.. وأن روائح عرقهم الكريهة المنفرة ما هي إلا دليل رباني على أفضلية النساء.. ثم إن كان الرب يريد أن يجعلهم مساوين لنا في كل شيء.. لم جعل عقولهم مجوفة بما يسمح لنا بالسيطرة على أفكارهم دون مجهود يذكر ؟! لم فضلنا عليهم بالرحم الذي ينتج الأرواح البشرية.. ويمنح الحياة ؟! (كن يقلن)

      كانت تلك المجموعة المارقة من النساء تسمى (الذكوريين) ومع مرور الأيام.. والسنوات.. صار هناك أيضًا رجال (ذكوريون).. بل وظهرت دعوات اشد وانكى.. تدعي أن الرجال في غالب الأحيان متفوقون فكريًا وعاطفيًا على النساء.. لكن تلك المغالاة التي تعدت حدود المساواة كانت تخرج من أفواه بعض النساء اللواتي اكتشفن أن الحنان والرقة في التعامل مع الرجال.. والتمادي في الدعوة إلى حقوقهم.. يكسبهن حبهم بسرعة ويسر وسهولة.. والمعلوم في ذلك الزمن.. أن الرجل عندما يحب امرأة ينسج من حياتها جنة وارفة..

      تبنت الكثير من الممالك والدول تلك الدعوة.. وصارت تعتبر مقياسًا لتقدم الأمم.. وفي آخر نفق التقدم الحثيث صوب حقوق الرجال.. وصل الكون بكامله إلى نور المساواة.. الحق أن هذه المساواة استمرت لعام واحد فقط.. قبل مائة ألف عام أو يزيد بقليل لا يذكر.. حدث أن عاش الجنسين لاثنا عشر شهرًا بالتمام والكمال في مساواة تامة لاشية فيها.. كان لكل جماعة من البشر.. قائد ذكر.. وزعيمة أنثى.. قاض ذكر.. وقاضية أنثى.. المفاضلة في الاختيار بين الرجال والإناث كانت فقط مبنية على الكفاءة والمقدرة على أداء المهام الوظيفية.. دون كبير عناية بالجنس والنوع.. الأجور والرواتب كانت تصرف لمنسوبي الجنسين بنفس ذات القدر والمبلغ.. دون إجحاف أو تبرير فارغ.. كان زمانًا ذاخرًا بالأمن والأمان والدعة والجمال.. لكن دوام المساواة من المحال.. إذ مال ميزان الحياة (الذي لا يعتدل إلا مائلاً) من جديد.. هذه المرة باتجاه الرجال.. إذ أن تلك الدعاوى القائلة بتفوق الرجال على النساء في كل شيء.. تلك الدعاوى التي كانت تهدف في الأصل إلى استمالة قلوب الرجال.. ومن ثم أجسادهم.. تلك الدعاوى تغلبت حتى على أصوات دعاة المساواة فقط.. صارت الدعوة إلى المساواة حينها نوعًا من أنواع التخلف.. التطور الحقيقي كان يكمن في الدعوة إلى إثبات تفوق الرجال شكلًا ومضمونًا على النساء.. بعدها.. ومن بعد مئات مئات السنين.. صار الرجال محور الكون.. أسباب الحروب وأبطال السلام.. سادة المنازل الذين يأمرون فيطاعون.. اللغات أيضًا صارت في صفهم. فصارت تاء التذكير الميتة تسمى……….

     يا عزيزتي.. كل شيء في الكون كروي.. ليست الكواكب فقط

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان