الرئيسية / احدث التدوينات / الحبيبة والسمك !

الحبيبة والسمك !

2

حبیبتي السابقة تقبع خلف باب الذاكرة مباشرةً.. فهي أول ما أراه حینما أفتح الباب وآخر ما أراه حین أغلقه .. حاولت أن أطردها لكنها لم تستجب، ” عنیدة حتى في ذاكرتي !”، حاولت أن أبدل مكانها في الذاكرة لكنها رفضت وقالت أنها تحب الجلوس جوار الشباك !! .. فقلت لها أنه لا توجد شبابيك في ذاكرتي ! .. فقالت:

“لذلك أجلس جوار الباب؛ إنه أکثر مكان دافئ في ذاكرتك هذه التي تبدو کثلاجة مليئة بالطعام” !!

الحل الوحید الذي وجدته لإخراجها هو استئصال الذاکرة ذاتها .. لکن صدیقي کان له تعبیر آخر عن هذا الاستئصال، إذ قال:

“ذلک هو الطبیعي؛ بدون حبیبتک أنت رجل بلا ذاکرة .. منفي في غیاهب النسیان” !

قبل أسبوع رأیتها في أحد المطاعم، جالسة في طاولة مقابل الباب مباشرة، فکانت أول ما رأیته حینما فتحت الباب وآخر ما رأیته حینما خرجنا أنا وصدیقي، قلت لصدیقي أن هذا الموقف یشبه ما یحدث في ذاکرتي تماما، فذاکرتي مثل کل الرجال المحترمین؛ لا تحتوي إلا علی حبیبة سابقة وصنوف مختلفة من الطعام وبعض الأشیاء غیر المهمة مکدسة في الأرکان! .. ضحک صدیقي وقال: “إذن أنت تتذکرها في کل مرة تتذکر فیها طعامًا؟!” .. فقلت له: “نعم ! .. وأنا أحب الطعام جدًا وأتذکره کثیرًا !” ..

فقال: “لماذا لا تترکه إذن .. أعني تترک الطعام إلی أن تتعود علی نسیان حبیبتک ثم تعود له !”.. فقلت له: “لا .. سأموت حینها..” ! .. فقال ضاحکًا: “ستموت شوقًا أم جوعًا ؟!” .. فقلت له: “یبدو أنه لا فرق بین الإثنین في هذه الحالة..” !

فکرت فیما بعد أن أعمل “ریجیم” لأتذکرها أقل ! .. وبذلک أضرب عصفورین بحجر؛ أنقص وزنًا من جسدي ووزنًا من ذکریاتي، لکن الأمر لم یفلح؛ فوجع مقاومة وجبة لذیذة بالنسبة لي أشد قسوة من وجع تذکر حبیبة سابقة .. !

نصحني صدیقي بأن أذهب لطبیب مختص، ورغم اعتقادي بأن الأمر لا یحتاج طبیبًا لکني ذهبت .. و الغریب أن الطبیب نفسه قال لي أن الأمر لا یحتاج طبیبًا ..

“إذا أردت أن تنسى حبیبة سابقه فعلیک أن تحب واحدة جدیدة،، هذه حقیقة معروفة من زمن الانجليز !! ” ..

فقلت له: “لقد جربت ذلک ولم ینفع، فالفتيات حين يدخلن إلى ذاكرتي و يجدنها أمام الباب .. يخرجن فورًا ! ” .. فقال: “آه .. یبدو أنها فتاة من النوع الإرهابي !!” .. فقلت: “ماذا تعني؟!” .. فقال: “فتاة تلبس حزامًا ناسفًا وترفض الخروج من الذاکرة، فإذا حاولت إخراجها بالقوة فسوف تفجر نفسها والذاکرة معًا !! .. لکن اطمئن؛ عندي الحل .. هناک نوعین من الغذاء، غذاء جسدي وغذاء روحي، والاثنان مرتبطان ببعضهما، فطالما أنک تتذکر هذه الفتاة مع تذکرک للطعام “أي الغذاء الجسدي” فهذا یعني أنک إعتدت عليها کغذاء روحي ، أي أنک لا زلت تحبها ..!” ..

فقلت له: “لا .. أنا متأکد أنني لم أعد أحبها !” .. فقال الطبيب: “کیف افترقتما ؟” .. فقلت له منزعجًا:

“إنها فتاة خائنة .. لقد وجدتها جالسة في أحد المطاعم مع حبیبها السابق .. وحین سألتها قالت أنه لاقاها صدفة في المطعم ودعاها لوجبة سمک ، وأنه لولا أن وجبة السمک لذیذة جدًا لکانت خرجت من المطعم فورًا !!”..

ضحک الطبیب ثم تأسف وقال: هي تحب الطعام أیضًا ! .. حسنا أین المشکلة ربما کلامها صحیح ..” .. فقلت له بانفعال: “صحیح ماذا ؟! .. أنها حتی لا تحب السمک ! إنها تکرهه بالذات وتحب کل ما عداه من المأکولات فکیف أصدقها ؟!!” .. فقال الطبیب: “وماذا کان ردها حینما قلت لها أنها لا تحب السمک ؟!” .. فقلت:

“قالت لي: (وما ذنبي أنا .. نعم کنت لا أحب السمک، لکن تلک الوجبة بالذات أحببتها جدًا ولم أستطع مقاومة رائحتها و طعمها لذلك لم أقم قبل إکمالها .. مثلما قابلتک أول مرة بالضبط .. أتذكر؟ .. کنت أکره الرجال جدًا ولکني أحببتک منذ أول لقاء .. والآن تأتي وتلومني..؟!) ..”

تأهوه الطبیب ثم قال لي:

“یالک من غبي .. هل أنت تغار من جلوسها مع حبیبها السابق أم من حبها المفاجئ للسمک ! .. إسمع .. هذه الفتاة تحبک و أنت تحبها فارجع لها واطلب منها السماح” .. نظرت للطبيب بغضب و قلت له “تبا لک !” .. ثم خرجت منه منزعجًا ونادمًا علی أني أتیته أصلًا .. وفضلت أن تبقى هذه الفتاة کشوکة في ذاكرتي من أن أذهب لها طالبًا السماح..!

ثم مرت الأیام إلى أن قابلتها صدفة في المطعم لیلة البارحة _حبیبتي السابقة التي تقبع خلف باب الذاکرة مباشرة، فهي أول ما أراه حینما أفتح الباب وآخر ما أراه حین أغلقه، حاولت أن أطردها لکنها لم تستجب_ “عنیدة حتی فی ذاکرتي” .. انزعجت جدا لرؤیتها في المطعم، فکرت حینها أن أدعوها لوجبة سمک ثم أدس فیه سمًا لأقتلها وأرتاح !! .. ثم حینما أتی طبق السمک؛ إنسا بت منه رائحة جمیلة جدًا .. فأکلته معها .. !.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .