الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : الحداثة والهولوكوست

ترجمات خاصة : الحداثة والهولوكوست

222

ترجمها عن اللغة التركية: صبحي آدم

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

من هو باومان ؟

ولد زيجمونت باومان عام 1925 في بولندا، و أضطر هو و أسرته لترك بولندا في عام 1939 حيث انتقلوا  إلى روسيا ليكمل تعليمه هناك، ليعود لبلده مع الجيش الشعبي المنظم كفرقة تابعة للجيش الأحمر ( Morawski, 1998:38).

طُرد باومان و معه أستاذ يهودي أخر في عام 1968 من جامعة برشوفا و أبعد خارج بولندا، ليذهب لجامعة إلكين في تل أبيب لفترة قصيرة، انتقل بعدها لإنجلترا عام 1971 ليرأس هناك قسم علم الاجتماع في جامعة ليدز حتى تقاعده في عام 1990(Kilminster and Varcoe, 1998: 23-24).

كان باومان خلال فترته في بولندا منشغلًا بابتكار أطروحة منهجية حول مواضيع علم الاجتماع و أساليب البحث فيه و في أواخر السبعينات ترك مسألة البحث عن منهجية المعلومات( Morawski,1998 )  بعد الانتقال إلى جامعة ليدز في انجلترا مال باومان نحو دراسة التحولات التي طرأت على طبقة العمال الإنجليز بعد 1945(Spencer, 1998)، لكن النجاح الأبرز له كان في الفترة ما بعد 1980 أي بعد توجهه باهتمامه نحو دراسة الحداثة و ما بعد الحداثة (kilminster and Varcoe, 1998: 26).

الحداثة و الهولوكوست لدى زيجمونت باومان :

يميل المفكر البولندي باومان للتعميم في دراساته، و هذا يقوده ببساطة إلى الاختزالية، كثيرًا ما انتقدت طريقته في تناول الموضوعات ، حيث أنه دائمًا ما يرجئ الظواهر و المسائل لسبب معين أو بعض الأسباب، تناول المسائل بهذا الشكل يفوت على باومان قصدًا أو سهوًا الكثير من الأوجه الأخرى.

سنرى لاحقًا في  هذا البحث اختزالية باومان في تناول الحداثة و ما بعد الحداثة، حيث يختزل الحداثة في العقلانية و تحديدًا في التعريف الذي عرفها لها ويبر(Weber) بالعقل الوظيفي، حسب باومان الحداثة هي حالة البحث عن العقلانية و القطعية و النظام و الأحادية، يعني أن الحداثة هي حرب العقل ضد التقاليد و حرب القطعية ضد الشك و حرب الأحادية ضد التنوع وحرب النظام ضد الفوضى.

ينتقد باومان الحداثة بشدة تحديدًا في كتابه الحداثة و الهولوكست ويعتبر أن الحداثة هي المسئولة عن الهولوكست و مجازر أخرى، و يرى أنه لولا الحداثة ما فُكر في الهولوكست و قد ناقش الهجمات التي تعرض لها اليهود في التاريخ لكنه يرى أن تلك الهجمات لم ترقى إلى مستوى إبادة كما في الهولوكوست.

حسب باومان إن مجزرة الهولوكوست ليست ميراث منطقة معينة و أنها ليست منتوجًا ألمانيًا خالصًا و يدعي أن الهولوكوست لم يكن حدثًا استثنائيًا و لحظة جنونية و لا حتى لحظة طفوح القبح الإنساني للسطح بل هي نتيجة حتمية للحداثة، و يرى أن مجزرة الهولوكوست ليست انحرافًا مؤقتًا للحداثة بل هي مرض الحداثة و منتوجها.

( في مجتمعنا العقلاني، و في أرقى ساحات حضارتنا و في قمة الانتصارات الثقافية الإنسانية ولدت و طُبقت فكرة الهولوكست لذلك مشكلة الهولوكست هي مشكلة المجتمع و الثقافة و الحضارة ) (Bauman, 1997b: 11)

ويرى باومان أن الهولوكست هي وليدة العقل الوظيفي و النظم البيروقراطية الحديثة فلولاهما لما ولدت الفكرة، العقل الوظيفي الذي يرى اختيار بعض الوسائل للوصول إلى هدف معين مبررًا وما أنتجه من نظم بيروقراطية في رأي باومان هما اللذان جعلا فكرة الهولوكست مقبولة للعقل الإنساني، في جانب آخر يعتقد أن الهولوكست أكثر من أنها وليدة العنصرية الإثنية و الخوف من الآخر الأجنبي هي ظاهرة متولدة من الهوس بالتنظيم في تلك الفترة، حسب باومان الإبادة كظاهرة حديثة هي أحدى تصرفات أولئك المراقبين الذين يراقبون المجتمع و ينظمونه كأنه حديقة (Bauman, 1997: 126).

يرفض زيجمونت باومان العقل الوظيفي لأنه يحيد الفعل، الفعل المحايد يعني (لا حسن لا قبيح)، العقل الوظيفي و نماذج النظم البيروقراطية المعتمدة عليه تجعل معيار قياس الفعل الإنساني هو المعيار الفني الميكانيكي و ليست القيم الأخلاقية (Bauman, 1997: 270)، بتعبير روس فول (ٌRoos poole) العقل الوظيفي يرجح الإنتاجية و هي قيمة كمية (1993:60)، يرى باومان أن العقل الوظيفي يجرد الفعل من الأخلاق و يضع مكانها الفعالية أي حسن الأداء الميكانيكي.

البيروقراطية هي العنصر الثاني الذي جعل الهولوكست ممكنة، و لأن البيروقراطية هي العقل الوظيفي المجسد في المؤسسات فهي ذات قابلية لتجريد الفعل من الحسابات الأخلاقية، البيروقراطية تفصل الفعل عن الأخلاق بشكلين:  أولًا بتحييده  و جعله لا صلة له بالأخلاق يعني تخرجه من التقييم في دائرة الخطأ و الصواب بهذا يصبح الفعل مغلق أمام المبادئ الأخلاقية، و من ذلك القسم الوظيفي للعمل، نجد هنا الفعل يتوزع  بين الأشخاص بشكل لا يمكن أن يتحمل نتيجته شخص واحد و تصبح المسؤولية حائمة-عائمة، بهذه الصورة لا يمكن أن يتحمل شخص واحد المسؤولية بشكل نهائي. ينقسم الفعل إلى أجزاء صغيرة جدًا لدرجة لا يمكن أن يُدعى أن لديه تأثير على النتيجة الكلية، لذلك الفرد الذي قام بالجزئية الصغيرة لا يرى نفسه مسئولا عن النتائج الكلية، ثانيًا البيروقراطية تضع المسؤولية الفنية الأدائية مكان المسؤولية الأخلاقية، الغاية هي الوصول للنجاح الفني و تنفيذ العمل بصورة جيدة و تجريد الفعل من الأخلاق.

نتيجة لكل ذلك يربط باومان الظلم بشخصية المجتمع أكثر من الأفراد، في رأيه أن النازيين كأفراد ليسوا وحشيين  ولا برابرة، لكن شبكة العلاقات الاجتماعية للنظام الحداثوي التي كانوا فيها هي ما دفعهم للقيام بذلك الظلم، حسب باومان الحداثة لم تجعل الناس أكثر ظلمًا لكنها قدمت نظامًا يمكن أن يقوم فيه غير الظالمين بالظلم، الأشخاص الموجودون في شبكة التنظيم غير الشخصية المُحيدة أو أفراد المجتمع العقلاني صاروا أصحاب قابلية للقيام بأفعال من ذلك القبيل بفاعلية كبيرة(Bauman, 2001: 258).

يفهم مما سبق أن باومان  يطرح العمليات الحسابية العقلانية و البيروقراطية و ما تحتهما من علم و تكنولوجيا  كمسئولين و بشكل تام عن مجزرة الهولوكست.

تأثر باومان و بشكل مشابه بمدرسة فرانكفورد في تفسيرهم للحداثة بأفكار ويبر، ينظر ويبر إلى الرأسمالية و البيروقراطية كأمثلة لمحددات الحضارة الحديثة خلال مراحل تطور العقلانية، حيث أن الدولة  تنظم طرق الإدارة بواسطة البيروقراطية لتحقيق أهدافها و بنفس الشكل الرأسمالية تنظم مصادر الإنتاج، البيروقراطية هنا تمثل العقل الوظيفي، البيروقراطية و الرأسمالية يطبعان المجتمع لغاية محددة عن طريق وسائل فاعلة متعلقة بالعقل العام، عملية العقلنة هذه تعجل العقل الإنساني غير مبالي بدوره في قياس القيمة النهائية لغايات الفعل الإنساني مقابل الشرعنة الذاتية للغايات، لذلك تطبيع المجتمع الإنساني من ناحية وظيفية لا يتناقض مع حدوث نتائج لا عقلانية (التي لا يتقبلها العقل)، يتبنى باومان هذا التقليد الويبري في شرحه للعقل الوظيفي.

يصنف سورينسن(Sorensen) و سبونسر(Spence)  نظريات باومان الاجتماعية ضمن المدرسة التفسيرية الظواهرية المتأثرة بويبر، و هذا في نفس الوقت جعل باومان صاحب الخلفية الماركسية يتخذ مواقف مشابهة للنظرية النقدية لهوركماير و ادورنو، و يصرح باومان بهذا في أثره الحداثة و التناقض (Modernity and Ambivalence) 1991 خلال إلباسه لمراحل دياليتك التنوير صبغة تاريخية و اجتماعية، لكن باومان يرفض الماركسية الهجيلية، و لأنه ينتقد العقلانية بشكل متطرف و يميل للتفسيرية فهو يختلف عن النظرية النقدية و يحمل الجرم لعقلانية المجتمع و يرفض العقلانية الحداثوية بشكل تام، و حسب باومان الحداثة بدون أي شك هي أقل صفحات التاريخ إنسانية(Sorensen, 1995).

وفي اختلاف آخر كما أوضح جوس(Joas) بينما يفترض هوركماير(Horkheimer) و ادورنو (Adorno) ارتفاع مستوى الصوابية في ظل حاكمية العقل الوظيفي  على العكس تمامًا يرى باومان المرحلة كمرحلة تناقض ذاتي و تناقص للصوابية، بالإضافة إلى ذلك يسعى لوضع بديل مقابل ازدياد حاكمية العقل الوظيفي، في جانب آخر تدعي النظرية النقدية أن هنالك علاقة تبادلية بين الأسطورية و المنطقية كخصائص للحداثة، حسب رأيهم أن الفعالية التنظيمية و نجاح التجمع القومي  و الارتباط النوعي بالأسلاف وحد البرابرة بشكل لا مثيل لها، و يرى جونس موضحًا القصور في أبحاث باومان أنه مع عدم تركيزه على مسألة الفعالية التنظيمية و نجاح التجمع القومي يتجاهل كذلك الرومانسية، و يذكر جونس أيضًا أن باومان لم يطرح آلية القرار التي يمكن أن تقود لحل نهائي و كذلك يتجاهل مسألة تزايد التشدد لدى النظام النازي مع الزمن، و يرى  جونس أنه من المشكل بمكان  تعميم الخواص البيروقراطية للمجازر، و في سياق آخر باومان لا يذكر بأن الهولوكست حدثت في وقت الحرب، و هذا يجعل من غير الممكن تحليل العلاقة بين الخطط الحربية و خطط الإبادات.

حينما نأخذ كل هذا في الاعتبار يمكن القول بأن باومان الذي أراد طرح مجزرة الهولوكست كحدث اجتماعي و تحليلها ضمن مناقشات علم الاجتماعي المعاصرة، لأنه لم يكن صاحب خلفية تاريخية ما استطاع أن يتناول الموضوع بكل عناصره، ما قام به باومان هو التركيز على العناصر الظاهرة للوصول لبعض التعميمات الاجتماعية، أو بالأحرى جعل تلك العناصر كأسس، بنفس طراز التحليل السابق  يختزل باومان الحداثة في العقلانية الوظيفية و مؤسساتها الأخرى الممتدة في المجتمع كالبيروقراطية.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة