الرئيسية / احدث التدوينات / الخيال في الكتابة … أدب غابرييل غارسيا ماركيز (3)

الخيال في الكتابة … أدب غابرييل غارسيا ماركيز (3)

Gabriel-García-Márquez

باب الريحِ في الخيال لحظة الكتابة :

“الخيال لغة هو من التخيل وهو ما يراه الإنسان في يقظته، ويقال وَقَفَ يَتَأمَّلُ خَيَالَهُ أي بمعنى أنه يرى صُورَتَهُ الْمُنْعَكِسَةَ فِي المِرْآةِ”المعجم الوسيط ومعجم المعاني .

إن أعظم ما يمتلكه الإنسان هو الخيالالكاتب الأرجنتيني بورخس

الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبح فناًالكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز

أعتقد ان سبر الواقع دونما احكام مسبقة عقلية، يبسط أمام روايتنا بانوراما رائعة، ومهما أعتقد بعضهم أن منهجها هروبي – فإن الواقع سيثبت عاجلاً أو آجلاً – أن المخيلة على حقغابرييل غارسيا ماركيز يتحدث عن الخيال والمخيلة للكاتب.

قافلة نصية :

    الخيال من جمع خيالات وأَخْيِلَ: إحدى قوى العقل التي يُتخيّل بها الأشياء أثناء غيابها، وهي على اعتبار انها قوّة باطنيّة قادرة على الخلق والابتكار ونتصوّر بها الأشياء ونتمثّلها، كان نقول ونحن نتحدث عن شيء ما “ما حدث يفوق الخيال” أو كأنه سعى وراء الخيال.

كأن تجادل سكون الريحِ :

     (ماركيز) يطلق عليه أبو “الواقعية السحرية” في كتابته عن الريحِ حيث يتحرك الساكن على عناد المتحرك، فهو يمانع الاقتراب ويتمسك بالبعد وهو جدال الخالدين في مسار الهواء، الجدل عنه يتزايد فيقترب منه بشكله الناحل ليصله، يقرعه بهداوة وتأني، كوة المغلق من خيالات النحول لشكل آخر مغاير لما عرفته تخرج من بين سطوري لباب الجدار الموصد من عظم الريحِ في ناصية المسكن المفتوح، على شارع  مترامي ما بين الساكن والمتحرك، يغفو المتحرك حين يكممه رهق الحراك، ويصحو الساكن ليتحرك وتدفعه الريحِ، تلك هي علاقة البعيد بالقريب في ما يكتبه ماركيز، فسكون الريحِ ليس هو بالقرار الأخير، فكلما يقترب الساكن من المتحرك، يهرع المتحرك ليعدو بعيدًا قريبًا ، فلا قريب يتطلع لملاقاة البعيد ولا بعيدًا ينشط ليلثم ظهر القريب منه، وكليهما في بحر الخيال عائمين وسائحين.

لعنة الخيال في الكتابة لدى ماركيز :

(هو جنوبي وخيالي بالفطرة)

حين يعتمد الكاتب على خياله يغدو ملعونًا بموهبته وسجينًا في قالب فراديسه ،،،،

ملكة الخيال قد تغرق الكاتب في سطوره بلا هوادة أو تغير لمسمى المكتوب عنه أو عن مسماه الحقيقي، و(ماركيز) لا يجامل في كتاباته التي يقوم بها، ولذا فهو خيالي بالفطرة وملعونٌ به..

     كقارئ كثيف المتابعة لمحتوى السطور، تصيبني ليلاً لعنة ضياء القمر بالرغبة في التحدث بلغة أخرى من الكلمات غير مطروقة،  وكمثلها يتسلل اللص ليسرق النفائس ليلاً والناس نيام، وهو ما تفعله الرواية التي يكتبها (ماركيز) بكل زخمها الجميل وأحداثها الواقعية فتكاد تزاحم الروح شهقاتها، والنفس رواحها فهي تسرق الذهن وتتملكه لها طوال فترة القراءة وحتى لما بعد الإكمال، سفر في سفر ورحلة غير منتهية من الاستغراق.

     حين تكتب عن شيء ما او نصٌ ما، هو الأقرب كأن تفرط في وضع أساس متماسك من البناء اللغوي، وتدع الذهول والدهشة والإثارة تبدو على ملامح القارئ، ويتبين ذلك من خلال ردود أفعاله المتواصلة، يقلب الصفحات ويشرب من ماء الأوراق، فلا يستطيع ترك الكتاب ليتجرع بعض الماء ولا هو يغامر بغلق الصفحة التي يطالع فيها، وهو ما يجعل الكاتب (كماركيز) يسافر بكْ من العدم إلى العلن، من اللاشيء إلى كل الأشياء، الخيال لديه هو بوابة الذهاب إلى اللاعودة بعد المرور بمعبر العودة .

(ماركيز) من أنجح الكتاب في إثارة الذهول والدهشة والإثارة على سحنات قرائه على اختلاف لغاتهم ومواقعهم، (ان القلوب مثل اللصوص لا يعيدون ما يتركه الآخرون لهم )، وهذه صورة حية متميزة من بلاغة معنى الخيال الواقعي في الكتابات لدىّ (ماركيز) .

كشاف الكلمات لا يقوى على فرضية إخفاء الكلمات، له خيال يلامس واقع الحال حين تبدأ في الكتابة، وجل شغله ككاتب لاتيني هو وصف هو ركض مستمر بين فضاء السطور.

    استخلاص منسوج البناء النصي لدى (ماركيز) هو كثيف ومركز، مكونات التخيل هي الطفولة وشغبها البريء وحياة الريف بالقرية ومجالسة كبار السن في المقهى بالقرية وتنقلاته مع والدته، وولعه بتلك الأسفار المتكررة، وإدمانه الشره للقراءة والاطلاع بلغته الأم، كلها أدت لشغل عقلية (ماركيز) بتخيلات غارقة في العمق والثراء، وهي كمثال الكتابة الوصفية المتخيلة من عميق الذاكرة – وهنا تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد ذاكرة قديمة ولا أخرى جديدة أو حديثة – (أن تكون لصاً ليس أسوأ من أن تكون مغفلاً) – من لا يوجد لصوص في هذه المدينة 1986م، أو كأن يتعمق الخيال في بحر الذهن لبعد آخر من التخيل الموصوف لبعض الذكريات السابقة والتي لا يمكن نسيانها مثل ما يلي : ( راحت آنا تغني بين أسنانها المطبقة، مال (داماسو) بكرسيّ على حائط لفناء محاولاً أن يكبت قلقه، منذ ثلاثة شهور، عندما بلغ سن العشرين، كان خط شاربه الذي يشي بإحساس خفي بالتضحية وأيضا بنوع من الرقة، قد أضاف لمسة من النضج إلى وجهه الذي يحمل آثار الجدري. منذ ذلك الحين بدأ يحس كأنه شخصٌ رائد، لكن هذا الصباح بذكريات الليلة السابقة، التي تطفو على مستنقع صداعه، لم يستطع أن يعرف من أين يبدأ الحياة.)من لا يوجد لصوص في هذه المدينة 1986م

     نقاد أدب الرواية الحديثة في القرن الحادي والعشرين، يرون أن هناك استخدامًا لبعض المفردات ( ما يعرف بالدالة على الخيال والتخيل)، من قبل الروائيين والكتبة المجددون، وهو ما يغير أو قد يتسبب في خلق طريقة أخرى ما لكيفية تلقي المكتوب من عميق تعب الكاتب، من طريقة تلقي المرء القارئ للرواية أينما كانت بيئة كاتبها مختلفة عن بيئتهم التي تمكنوا فيها من قراءة ما قام بكتابتهم أولئك الكتاب، وهذا الاختلاف في البيئات لا يعجل بالشعور بالتخمة من كثرة التردد والإعادة المتكررة في قراءة تلك الكتابات لهؤلاء الكتاب على غرابة هذا الاختلاف فيما بينهم.

     في أدبية ماركيز المبدعة، تفاقمية أن الوصف هو جزء الخيال الذي يقوم بإشعار القارئ بوجود مغزى ما لكل تمت تعبئته على جوف الصفحات، كما هي وهمية القبول والتسليم بأن ماركيز يباشر حكاياته كما لو أن السطور تبتلع الكلمات، هي كجدلية امتلاء البحر بالماء، السطور شديدة الولاء والإخلاص لمعاني الكلمات وليس لبنائها اللغوي أو حتى تراصها النهجي، السطور بالأوراق لا تعبأ إلا بالمحتوى الخفي لما تحت جلد تلك المفردات والعبارات.

خلفية ماركيز الريفية هي ما جعلت معظم نقاد القارة الجنوبية يطلقون عليه writer by birth بمعني كاتب بالميلاد، ولعل التنشئة الريفية القروية والحميمية التي أحاطت بسنوات كاتبنا الكبير باكرًا ، هي من أكثر الجدليات التي تثير شحنة التخيلات وصانعة الخيال الخصب generator of pure imagination  لدى غارسيا وبالصورة الفذة لمكملات التنقيب عن المفردة الباهرة، والتي ساعدته في إنجاز أعماله المستوحاة من خلفية حياته بالقري والريف، لكن بصورة واقعية وساحرة.

علاقة الخيال في السرد بروح الوصف والتشكيل بنصوص ماركيز :

في قصة (ورود صناعية)، التي نشرت بالعام 1986م في مجموعة (لا يوجد لصوص في هذه المدينة)، قالت المرأة العمياء: “مينا، إذا أردتِ أن تكوني سعيدة فلا تعترفي مع الغرباء”، وهنا نستشعر المهارة المثيرة للإعجاب لماركيز في تخيل أثر الحديث مع الغرباء بالاعتراف لهم، والدعوة هنا للاعتراف فقط مع من نعرفهم فهم يحفظون الأسرار لنا ويكتفون بالتعليق على حالنا، أما الغرباء فهم يبشعون بنا بعيداً وقريباً حتى في غيابهم عنا ويبشرون بفضائح أسرارنا لدى الغرباء الآخرون الذين لا يعرفوننا.

     ويورد ماركيز في مقطع آخر (أجابت المرأة العمياء: ” إنني مجنونة، ولكنكِ في الغالب لن ترسليني إلى المصلحة العقلية ما دمت لم أبدأ في إلقاء الأحجار” من ذات القصة، وروح التشكيل هي موزون العلاقة ما بين تخيل جنون العقل لهذه العجوز العمياء وجنوح العاطفة للبنت التي تعتبر جدتها كالسجان الذي يفرض عليها الحركة ويقيدها، فهي لا ترى إلا رغبة هذه العجوز في كبتها والاستمرار في مراقبتها على الرغم من إيمانها القاطع بعدم قدرتها على الرؤية والنظر بشكل صحيح وسليم، وهو ما يماثل العبقرية في الوصف لدى كاتبنا المتميز ماركيز، وهو ما قالت لها (البنت) هنا حين بلغت منها ضيقًا وحرجًا كبيرين “قالت المرأة العمياء “لقد ذهبت إلى المرحاض مرتين هذا الصباح، وأنت لا تذهبين أكثر من مرة واحدة!”، رفعت مينا رأسها ثم شعرت بإحساس مختلف، شعرت ان المرأة العمياء عرفت أنها تنظر إليها، قالتإقذفي بنفسكِ في أعماق المرحاض، إذا كان ما أفعله يهمك إلى هذا الحد“.

     ماركيز يهبنا صورة تشكيلية خيالية حين يقول بلسان بطلته في قصته عينا كلب أزرق : “انا التي أجئ في أحلامكَ كل ليلة وأقول لك – عينا كلب أزرق”، ويكتب عنها ماركيز بلسان رفيقها في القصة ” قالت إنها ذهبتْ مرةً إلى مخزن أدوية ولاحظت نفس الرائحة التي شمتها في حجرتها ذات ليلة بعد أن حلمت بيّ، وقالت لنفسها وهي ترى الأرضية المكسوة بالفلين النظيف الجيد في مخزن الأدوية ( لابد وأنه قريب من هنا).

     هنالك مفردات عذبة وبباطن جمل ما في النصوص التي تتمركز داخل روايات (غابرييل غارسيا ماركيز)، تثير فوح الكتابة وروحها وتخرج عبقها الحقيقيّ لدى (ماركيز)، “في نهاية الشارع كانت ثمة صالة رقص كبيرة وخاوية ومكسوة بإكاليل من الورق الذابل”، وكتلك التي تغرق في عميق الوصف الوجداني البحت، حيث تندمج رائحة خليط ما مع أصوات أو أنغام على الخلفية مثل “في مؤخر القاعة ثمة فرقة موسيقية على منصة خشبية، كانت رائحة الماكياج الخانقة تغطي المكان“، وهنا يمكننا ان نتلمس ونستشعر وجود هذه المفردات الغنية بالوصف – كأن تغدو رائحة المكياج خانقة دلالة على الكثرة بطغيان الألوان أو عدم التناسق في وضعه، أو كأن تسمع أصوات تعزف بشراهة لموسيقى ما دون أن تتبين معالم الألحان المعزوفة منها فالضجيج يملأ المكان، بالإضافة إلى الحركة على أرضية من الخشب تثير الإزعاج والضوضاء أكثر واكثر..

     عبارات على شاكلة : “رجل عجوز جدًا له اجنحة ضخمة” و”الحب وشياطين أخرى” و”الرجل الملاك الذي سقط في الوحل ذات صباح ممطر” هي من أكبر الدلالات على أن أديبنا الكبير (غابريل غارسيا ماركيز) هو ملك أدب الواقعية السحرية في الكتابة على اختلاف النهج المتبع فيها، وما يجعله متميزًا هو بساطة الاستخدام لهذه المفردات والعبرات الغير مطروقة وهو ما يحفز موهبة التخيل لارتفاع هبة الخيال لديه، فحين تقرا له تجد نفسك أمام جملة لن تقابلكَ في موضع آخر مثل “البيت الأسمنتي الضخم التائه في عزلة الصحراء“، وهذه الروح التي كتبتها لعمري فهي روحٌ شيقة من نفس نهمة وتواقة للمزيد من الإبداع والابتكار التخيلي، وهو ما يبرع فيه (ماركيز) ويغدو أكثر نشاطاً وجمالاً.

     “لم تسمعه إيرنديرا، كانت تجري في عكس الريح، كانت أسرع من غزال، لم يكن أي صوت على الأرض قادراً على إيقافها، لم تدر رأسها رغم الهواء المشبع بالبخار الناري، مرت ببرك الملح، وأفواه شعاب التلك وأكواخ قرى المستنقعات إلى آخر ما تحتويه علوم الطبيعة البحرية، إلى أن وصلت إلى بداية الصحراء، لكنها واصلت جريها حاملة في يديها صديري السبائك الذهبية، هربت إلى ما وراء الرياح الجافة والأماسي التي بلا نهاية، لوم نعد نسمع عنها شيئاً، ولم نعثر على أي أثر لتعاستهامن حكاية إيرنديرا البريئة – نشرت لأول مرة عام 1972م

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان