الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: إلى مَي

بريد القراء: إلى مَي

1363243495529867_422109367878930_127950271_n

بقلم: إسراء رفعت

      تخيلي يا مي، أنني الآن وحيد، وأن العمر بأكمله يتراوح بين الخريف والشتاء. كُنتِ الربيع. في البيت لا يتجدد شيء، سوى الهواء، هذا إن فتحت النوافذ أو فتحت الباب، أغلق علي بابي لأنني أخشى أن يشغلني شيء عن أن أفكر فيكِ، وعن كيف تمضين وقتك في الحفرة التي وضعناك فيها، وتركناك، تركناكِ في كل هذا الجفاف والتراب والخواء وذهبنا. وخشيت عليك أول ليلة وحدك، خشيت عليك من المكان، تعانين الفوبيا إياها التي أحرص عليك منها، فأجعل الأشياء من حولكِ واسعة، غرفة نومنا الرحبة كبيرة علي يا مي، كبيرة جدًا وأنا على عكسك، أعاني فوبيا الأماكن الواسعة التي خلت من أحبابي!. لعله حان الوقت لأضيع في كل الاتساع الذي تركته خلفك وذهبتِ، الاتساع الذي كان يلزمه شخصان يسيران فيه بتناغم، يدًا بيد، وهما يبتسمان، أخترعُ لك النكات حين نكون في المصعد، أو في الازدحام، لتنسي خوفك، تأخذين شهيقاً عميقاً، وتلقين بالهواء مرتعبة، وأضحك منك، بعدها أساعدك على ألا تتوتري، ريثما ينتهي الأمر، وأحتاج لمن يخترع لي النكات في كل هذا الاتساع الضيِّق، لمن يضحك علي على الأقل. في أول ليلة بعد أن رحلتِ عانقني أخوكِ لمدة، وأصر علي أن أرتاح، كان يلمح إلى ألا أزور المقبرة، وكان ذلك في بالي، كان أول شيء في بالي، بعد أن أفلحت في أن أجعل الناس يرحلون عني، ويتركونني لوحدي ولذكرياتك. وكان يقف أمامي، فاقداً لفاقد، مجروحاً لمجروح، كنا نقف ألماً لألم، وفجأة أخذني بالحضن، بالكاد عثرت على يدي، رفعتهما مجاملة، ولأنه يقاسمني ألم أن ترحلي وتتركينا هكذا، لا أدري كيف هان عليك، لا أدري كيف ذهبتِ وتركتنا، لك حدس خارق في أن تعرفي التالي وماذا سوف يحدث، لم لم تستعمليه؟، وتلمحي لي أن أمراً فاجعاً على وشك الحدوث، وتواسيني، وتشدي على كتفي، لأن الوهن أصابهما، بالكاد أحرك القلم يا مي، في خط أشبه بالعبث، لا أرى أمامي وأنا أكتب من الدموع، ومن هذا الحزن الذي اجتاحني خلية خلية، كقنبلة، كفاجعة، لأنني بينما كنت أكتب، أوقعت على الطاولة عطرك، فانسكب على الورق، لتفوح رائحتك من الورق الذي أكتبه لك، وأكتبه عنك، ويعينني على كتابته القدر الضئيل الذي تبقى لي منك!.

      أنا أعبث يا مي، أعبث إذ أظن أنني أعيش بدونك، أنا ممتلئ بكل شيء سواك، وهذا يفرغني، يحاولون جعلي أنساك، وهم يرونني رجلاً ينهار كلما صافحه، أو عانقه أحد مواسياً، أو مؤدياً للواجب، أنا أعبث لأنني لا أعرف شيئًا عن الوقت الذي سأتناول فيه وجبتي التالية، التي ستحشرها أختي في فمي لقمة لقمة، وهي ترغمني على أن أبقى حياً، فيما أنا أود لو أرافقك إلى حيث تذهبين، أو أنحشر معك في تلك الحفرة الضيقة، ما دامت هذه وجهتك، حينها لن نخاف من أي شيء. لا أعرف شيئاً عن متى ستتوقف الدموع التي في عيني، أو متى يتوقف قلبي عن الاهتزاز في ضعف قوته، كما لو أنني أعيش اللحظة الأولى لخوفي على فقدك، أعيشها باستمرار، أنام وأصحو على نبضي الذي يوجعني، يضرب على جدراني كما لو أن القلب على وشك الخروج، لا آبه بقلبي يا مي، ولا حتى لو خرج، لأنك هربت من داخلي فجأة لتسكني الحجرة الصغيرة عليك وعلى خوفك، فليمنحك الله استثناء، وليوسع لك في مرقدك، أخاف عليك مما تخافين منه، أخاف عليّ من أنك غير راجعة، ومن أن صورتك لن تفارقني وأنت راقدة في منامتك الوردية، وقد رحلت رحيلك الهادئ بعكس صخبك، رحيلك الذي أفزعني فلم أصدقه، ولولا أنني أكاد أجن الآن لما صدقت، ولتوقعت أن تفتحي الباب، وتدخلي ضاحكة، لتعودي، وأعود كاملاً غير فاقد ولا مبتور، أنا يا مي كصورة أخيك التي مزقتها وأنت غاضبة عليه، أنا مُمزق يا مي، أنا الطفولة التي جعلتك تغضبين ذلك الوقت منه لأنه أخوك، فقط لأنه أخوك، من شدة براءتك، أنا أغضب الآن من شدة حزني وأكاد، أكاد أكفر، ولكن لا يسعني، لأن الله وحده هو الذي سأطمئن عليك عنده، وحده من سيعتني بك أكثر مني.

      كوني لدى الله في أمان. واشعري بي، حين أتحسس تراب مرقدك، كما لو أنه أنت، اشعري به رطباً من الماء الذي أرشه عليه، كأنني أرشه عليك، لأستعيد لحظةً كنت تضحكين فيها، كلما بللتك ذات غفلة، واشعري بي حين أضع على قبرك يدي، ارفعي إليّ يدك، وضعيها هناك مقابل يدي، لا تتركي يدي للتراب والفراغ إياك، أرجوك ألا تتركيها يا مي، لعلني أستطيع إكمال مهمة الحياة من جديد.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة