الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء : ذاكرة البحيرة “سفر في قصيدة الشاعر الفرنسي لامارتين “

بريد القراء : ذاكرة البحيرة “سفر في قصيدة الشاعر الفرنسي لامارتين “

7982300842_ba3ccbc881

بقلم : فوز محمد 

أقف الآن أمام بحيرة أزنجول، أدس يديّ في جيوب معطفي الفارغة، ونظري يذهب بعيدًا مع الطيور المسافرة لوجهة لا أعرفها وأتساءل؛ ‏أكلُّ بحيرة زرقاء حزينة مياهها هي بحيرة لامارتين التي تغنّى بها في قصيدته؟

‏كان المارة يعبرون من خلفي لا يعلمون ماذا يحصل بداخلي من ربكة، يلتقطون صور تذكارية سعيدة، البعض منهم يقذفون الحجر وسط البحيرة وهم يتبادلون الحديث والمزاح ثم يضحكون بصوت عالٍ ، بينما أنا أبحث عن جوليا شارل، ملهمة الشاعر ألفونس لامارتين قصيدته الشهيرة البحيرة، لقد كان يتعذر على سائحة مثلي العثور على بقايا الشعراء في غير أماكنهم.

‏لامارتين أرجوك حدثني عن المشهد الأول كيف كانت جوليا، ثم لماذا لم تعد في العام القادم؟ أحقًا ماتت أم أن المرض منعها من أن تلتقي بك عند بورجيه بحيرة الحب واللقاء!

‏لقد كنت أتساءل كيف يبعث لنا القدر الأمل في أشد الأوقات حلكة، فنعلو بذلك حتى نكاد نصل عنان السماء وإذ بنا في ومضة خاطفة نهوي إلى القاع،ولا أحد يشعر بسقوطنا سوانا نحن ،أنت مثلًا كنت في رحلة علاجية تتنزه في مدينة أكس ليبان تجلس على ضفاف البحيرة الصافية لا ترجو أمرًا ولا تأمل شيئًا فتصادف جوليا شارل وبعدها تنفجر البحيرة العظيمة التي بداخلك لتصير بحرًا ثائرًا لا تهدأ أمواجه، في المد تولد من جديد وفي الجزر تموت مرة أخرى، وكأن حياتك كلها عبارة عن رقصة موج قصيرة، لتعود بعد عام وحيدًا دونها معك صخب الينابيع ،ولون المياه، وصمت الشواطئ هناك حيث اللاشيء كتبت:

بحيرة الحب حياك الحيا فلكم

‏كانت مياهُكِ بالنجوى تُحيّينا

‏قد كنتُ أرجو ختامَ العامِ يجمعنا

واليومَ للدهر لا يُرجى تلاقينا

‏هذه الأبدية التي تحتم عليك أن تنفي تلك الروح العذبة الرقيقة خارج جسدك فتذهب حيث كانت جوليا، فلا الدهر يقف عندما طلبته ولا الأيام تمضي ..الزمن لا يتحرك عند غياب من نحب لتبقى أبدًا أسير اللحظة التي ماتت فيها روحك، دعني أناجي عنك هذا الفضاء لربما كان صوتي أرق من صوتك وكلامي أعذب مما تقول في قصائدك، دعني أنادي الحياة التي ركلت بحبك خارج كوكبها ليسقط في المدارات البعيدة الحالكة، لتغيب عنك جوليا إلى الأبد، أو دعني أخبرها بما قلت، أيتها الحياة الرتيبة ألا تسمعين لامارتين يقول :

يادهر قف فحرام أن تطير بنا

‏ من قبل أن نمتلئ من أمانينا

‏أتركي له هدنة طويلة يسترد فيها كل خسائره فما عاد في العمر متسع للهزائم، ويا بحيرة الحنين هل تدركين نداءه الحزين وهو يتوسل بك أن تحفظي ذلك العهد بين جنباتك وهو يقول:

‏فيا بحيرةَ أيامِ الصِّبا أبدًا

تبقين بالدهر والأيامُ تُزرينا

‏تذكارُ عهدِ التصابي فاحفظيه لنا

ففيكِ عهدُ التصابي بات مدفونا

‏على مياهكِ في صفوٍ وفي كدرٍ

‏ فليبقَ ذا الذكرُ تُحييه فيُحيينا

‏الآن أحاول أن أعبث بها أكتب على صفحة مائها بأصبعي (أعيدوا الزورق الصغير إلى قلب الشاعر) كنت أقصد بالزورق جوليا وكان الشاعر أنت لكن ما من مجاديف لزورق لا يستطيع أن يقطع كل هذه البحار لتبتكر سفينة أخرى تحملك بعيدا عن كل هذا الغرق، كنت قد ضللتنا طوال هذه الرحلة في روايتك روفائيل، لترمز لجوليا بـألفيرا وصديقها روفائيل بدلًا من ذكر اسمك لتعيد ذكريات حُب على ضفاف البحيرة في رواية بأسماء مستعارة حتى لا يفتضح أمر حب شفيف عذري آنذاك ، واليوم أنت بالٍ تحت التراب وأنا أنبش في حكايتك ،في قصيدتك ،ومشاعرك أيضًا

‏فهل تشعر بعبثي وأنا أحاول أن أعيدك إلى ذاكرة الماء؟

‏وبداخلي آخر بيت لك، آخر سؤال، آخر حلم هل ترجعين لنا أحلام ماضينا؟

‏ لوهلة بدت البحيرة أمامي تتراقص وكأن حنينك لم يصل إليها، عندها أدركت أنه ليست كل البحيرات تتشابه فبحيرة أزنجول هي أزنجول، وبحيرة بورجيه تبقى بورجيه، فلكل بحيرة عشاقها وشعراؤها، لأخرج يديّ من جيبي وأعود للمنزل وحيدة إلا من تلك القصيدة.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة