الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : شغف وتشاؤم

ترجمات خاصة : شغف وتشاؤم

9

ترجمة : محمد عبد العاطي

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا )

اختبر زيجمونت باومان رعب الحرب وعاش تجربة المنفى المؤلمة، هذه التجارب جعلته نصيرًا للمستضعفين وناقدًا لاذعًا للأوضاع الراهنة، وهو أكثر علماء الاجتماع تأثيرًا في أوربا، وسيبقى فذًا ومتفردًا.

يثير الاسم (زيجمونتباومان) الرهبة بين زملائه من علماء الاجتماع، (الإزهار المتأخر) هي العبارة التي تبرز لوصف إنتاجه الغزير منذ تقاعده عن العمل في جامعة ليدز عام 1990،  مؤلفًا الكتاب تلو الآخر، بصورة سنوية تقريبًا، ومعظمها تستكشف مواضيع لم يتم التطرق إليها من قبل، تثير الإعجاب لتناولها نطاقًا عريضًا من المسائل، من الحميمة إلى العولمة، ومن الهولوكوست إلى برنامج الواقع (الأخ الأكبر).

بعمر الثامنة والسبعين (في وقت كتابة المقال (المترجم)) لم يفقد شهيته المعرفية الكبيرة، منقبًا في مواضيع متنوعة كالفلاسفة الأوربيين الغامضين والمغمورين،  ومسلسل (ايست اندرز)، كما لم تضعف لياقته في كتابة آلاف الكلمات أسبوعيًا من منزله بضاحية ليدز الخضراء.

يعد باومان الآن من أكثر علماء الاجتماع تأثيرًا في أوربا، وهو مرغوب فيه عالميًا كمحاضر، كما يقضي أحيانًا عدة أشهر متجولًا بين روسيا وشرق أوربا والصين وألمانيا (حيث يحتفى به بشكل خاص) وفرنسا.

تفوق شهرته بالبر الرئيسي من أوربا -حيث يحظى علم الاجتماع بكثير من الاهتمام- شهرته في المملكة المتحدة، حيث تجنب عن قصد الشخصيات المعروفة في علم الاجتماع مثل توني غيدينز صاحب نظرية (الطريق الثالث).

يقول انه لا يهتم بالذين يتقلدون زمام السلطة، إنما بعامة الناس الذين (يناضلون لأجل أن يكونوا بشرًا). ما يشغل باله هو كيف أن الأعراف الاجتماعية تعيق إمكانية التحرر، الأمر الذي يجعله ينتقد الأوضاع الراهنة بشدة، خاصة في اهتمامه المتزايد بكيفية إيجاد مجتمع الأفراد لقضية مشتركة، وكيفية تجديد وتقوية الحقل العام.

قد يكون صحيحًا أن أصحاب السلطة لا يرون أهمية لآرائه في علم الاجتماع المتشددة في حكمها على الرأسمالية الليبرالية. لا ينظر باومان إلى المستقبل بتفاؤل وقد اظهر تشاؤمًا مريرًا في مؤلفاته الأخيرة، داعيًا إلى التشكيك في مقدرتنا على الحب، ومقدرتنا على الاستمرار في وضع الأحكام الأخلاقية، واحتمالية حدوث هولوكوسوت في المستقبل، وما يطلق عليه (ميوعة الحداثة)، حيث تتغير الهوية باستمرار مما يولد قلقًا ومخاوف غير مسبوقة.

دفعت هذه القتامة في آرائه ببعض معجبيه مثل جيف مولغان لان يصفوا أنفسهم بـ “المعجبين المتشككين” يزعم مولغان أن باومان يسقط تشاؤمه (كشخص من وسط أوربا) على كل شيء، تشاؤمه المتجذر في خلفيته كيهودي بولندي نجا من الحرب العالمية الثانية كلاجئ بالاتحاد السوفيتي، وطرده من بولندا عام 1968 في أعقاب عملية تطهير معادية للسامية.

لكن باومان لا يعير اهتمامًا لتهمة التشاؤم، في الواقع، إنه أكثر تفاؤلًا شخصيًا مقارنة بما يقوله في كتبه، ويمكن تلخيص طريقة تفكيره الحالية في واحدة من عباراته المفضلة:”هل نتحمل مسؤولية مسؤوليتنا ؟،هل نتقبل ونعترف بمسؤولياتنا سواءً كانت شخصية أو سياسية أو عالمية ؟ “الكثير من كتاباته عن العولمة تركز على زعمه بأنها أساسًا مشكلة أخلاقية.

يشير باومان إلى أن فرضية فرويد القائلة بأن البشر قايضوا الحرية من اجل الأمن قد انعكست فنحن الآن قد قايضنا الأمن من أجل الحرية، وهذه الحرية تصحبها مسؤوليات غير مسبوقة في إدارة حيواتنا العاطفية الخاصة وفي ممارساتنا السياسية.

يقول زميله عالم الاجتماع ريتشارد سينيت، البروفيسور بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية،أنه بجانب تشاؤمه البولندي يكمن لديه تحديًا فكريًا تجاه المجتمع المعاصر، وهو أمر إيجابي.”عندما تتحدث إلى زيجمونت ، يكون متفائلًا جدًا “، جدير بالذكر أنه وفي هذه المرحلة من عمره لا يزال مطلعًا على ما يدور حوله، ويريد أن يعرف ما سيحدث العام القادم، ويقترح أن هناك فضاءً حقيقيًا لاستكشاف المسؤولية الشخصية، وذلك ما يجعله متصلًا بالشباب، الكثير من المفكرين في عمره يعتقدون أن العالم قد ذهب إلى الجحيم، على سبيل المثال ادورنو، الذي بدا في أواخر حياته وكأن لا شيء يعجبه، لكن أعمال باومان لا يمكن قراءتها على هذا النحو، بل تقرأ (لنجعل العالم مكانًا أفضل).

على النقيض من كل الكليشيهات عن انعزال الشباب وعدم اكتراثهم، نجدهم منجذبين نحو فكرة العمل الأخلاقي، فهم يروق لهم عندما يخبرهم أحدهم أنهم مسئولين عن الاتصال بالآخرين بطريقة أخلاقية، وهذا هو سبب شعبيته.

يجادل باومان بأن التشاؤم الحقيقي هو عدم فعل أي شيء لأنه ليس هنالك ما يمكن تغييره، “لماذا أؤلف الكتب؟ لماذا أفكر؟ لماذا علي أن أكون شغوفًا ؟ لان الأشياء يمكن أن تكون مختلفة، يمكن أن تتغير للأفضل، دوري هو أن أحذر الناس من المخاطر وأحثهم على أن يفعلوا شيئًا، يقول الفيلسوف ليفيناس: لا تعزي نفسك بأنك قد فعلت كل ما بوسعك فعله، لان ذلك غير صحيح.ويعتقدليفيناس أنه يمكنك أن تميز الشخص الأخلاقي إذا لم يكن يعتقد انه أخلاقي بما فيه الكفاية، وبنفس الطريقة تميز المجتمع العادل، الذي ينتقد نفسه لأنه ليس عادلًا بما يكفي”

نظرًا لهذه الطاقة الأخلاقية، ليس من المفاجئ أن باومان قد وصف بـ(نبي ما بعد الحداثة) في كتاب يحمل هذا الاسم ألفه دينيس سميث، كما يشير ايان فالكرو زميله السابق بجامعة ليدز، أن باومان يقارن المجتمع بيوتوبيا ودائمًا ما ينظر إليه من وجهة نظر الشخص المستضعف.

يقول باومان بانفعال: ” إن مفهوم ما يعرف بالطبقة الدنيا بغيض للغاية، فأنت لست طبقة دنيا، بل تم إقصاؤك، قرأت تقريرًا يصف الأحياء الفقيرة الناشئة في أمريكا باعتبارها أماكن للتخلص من الأشخاص غير المرغوب فيهم، وكيف أنهم يصبحون بؤرًا للكراهية،  نحن عادةً ما نتحدث عن النواحي المالية للفقر، وهي في غاية الأهمية ولن أقلل من أهميتها،  لأنه غرور من الذين هم أفضل حالًا أن يعتقدوا أن الحرمان من المال ليس أمرًا مؤلمًا، لكنني اعتقد أننا عادةً لا نقدر مدى ألم الإذلال، أن تكون محرومًا من قيمة ذاتك وهويتك، وسبل كسبك لمعيشتك والوفاء بالتزاماتك نحو عائلتك وجيرانك.

في مجتمع المستهلكين يتنعم الناس بالأشياء المترفة، فإذا كنت تحدد قيمتك بالأشياء التي تقتنيها وتحيط نفسك بها، أن تتعرض للإقصاء أمر مذل، ونحن نعيش في عصر الاتصالات، كل شخص يعرف كل شيء عن كل شخص، هناك مقارنة عالمية، فأنت لا تقارن نفسك بجيرانك فحسب، بل بالناس في جميع أركان المعمورة،وبما يعتبره الناس حياة كريمة ولائقة. إنها جريمة الإذلال. “

 مرت الاهتمامات الفكرية عند باومان بالعديد من التقلبات والتغيرات، إلا أن ما يربط بينها هو النقد الأخلاقي الصارم وتعاطفه الشديد مع المستضعفين، وهو ما جذبه في البداية للماركسية التي درسها مراهقًا بالفرقة البولندية في الجيش الأحمر بالاتحاد السوفيتي إبان الحرب العالمية الثانية، وأشعلت حماسه كعضو شاب في الحزب الشيوعي في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات أثناء إعادة بناء بولندا بعد دمار الحرب، وعلى ضوئها تنامت خيبة أمله في الشيوعية السوفيتية كأكاديمي بجامعة وارسو عندما كان عضوًا في مجموعة تحاول تطوير(ماركسية إنسانية). وهو لا يزال يدعو نفسه اشتراكيًا، ويصر أن العالم يحتاج للاشتراكية في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى، ويصفها قائلًا: “نصل حاد مغروز في ظلم المجتمع يعمل على استئصال الغرور وحب الذات عند الأغلبية الراضية. “

لكن باومان التزم بالاتجاه الرسمي للماركسية لفترة قصيرة، يقول: “تعرفت على غرامشي وقد منحني الفرصة للتحرر من الماركسية التقليدية، لكنني لم أصبح معاديًا للماركسية كما فعل الكثيرون، تعلمت الكثير من كارل ماركس، و أنا ممتن لذلك”.

 ليس من السهل التدقيق في تفاصيل حياة باومان لمعرفة الأحداث التي شكلت اهتماماته الفكرية، فهو رجل يحرص على خصوصيته، مؤيدًا لفرضية ريتشارد سينيت بأن ثقافة الاعتراف تفسد الحياة العامة.

يتفادى الأسئلة التي تتعلق بحياته المبكرة بتعليقات تقلل من أهمية نفسه، يقول: “ليس لدي القابلية لتقديم حياتي كقصة”، على مر الأعوام لم يكشف سوى عن القليل من التفاصيل منها مولده بمدينة بوزنان غرب بولندا لعائلة متواضعة، ومعاناته في سبيل التعليم كيهودي فقير،رحلته إلى الاتحاد السوفيتي بعد غزو الألمان والتحاقه بالجيش الأحمر، وتم تعيينه في بلدة نائية في شمال روسيا (لم يكن مسموحًا للغربيين بالتواجد في المدن الكبيرة)، وأمضى أوقات فراغه في الدراسة للحصول على شهادة في الفيزياء.

ثم يضيف بعض التفاصيل الجديدة لهذه الخطوط العريضة، يقول: “نشأت في المطبخ، كانت أمي امرأة وذات خيال وطموح عال، لكننا كنا فقراء نسبيًا، فكانت مقيدة بدور ربة المنزل، وكان أبي يعود من العمل في المساء مرهقًا ويستغرق في النوم على الفور، لكنني كنت شديد الفخر به، فقد كان رجلًا عصاميًا، فهو لم يرتد أي مدرسة لكنه تعلم أن يقرأ بعدة لغات، وكان قارئًا نهمًا لسلسلة كتب (Wide Horizons)،  وفوق كل ذلك كان في غاية النزاهة”.

” في الواقع، كدنا أن نفقد حياتنا بسبب نزاهته، في عام 1939 أثناء هروبنا من بوزنان إبان الغزو الألماني- كانت المدينة على الحدود تقريبًا- ركبنا آخر قطار متجه شرقًا،لكننا توقفنا في إحدى المحطات التي كانت تتعرض للقصف، كان يجدر بنا الهروب، لكن والدي أراد أن يجد مفتش القطار ليدفع ثمن التذاكر”.

على الرغم من إدراكه لكونه يهوديًا، نشأ باومان وهو يتحدث البولندية فقط، ويتناول الطعام البولندي، ويختلط فقط بالبولنديين. حاول جده أن يغرس بعض المبادئ اليهودية في زيجمونت الصغير، لكن بلا جدوى. تقول عنه زوجته جانينا، وهي يهودية متمسكة: “منذ تقاعده يقوم بكل الطبخ، وهو يلح على الضيوف ليتناولوا أصناف الكعك والمقبلات ويقدم القهوة والشاي بكرم الضيافة المعهود في شرق أوربا”.

أنقذه الهروب إلى روسيا من أفظع تجارب أوقات الحرب في بولندا- الأحياء الفقيرة الخاصة باليهود ومعسكرات الاعتقال والهولوكوست. يقول عندما كتبت زوجته مذكراتها الخاصة كفتاة شابة في الحي اليهودي بوارسو، عندها فقط أدركت مدى جسامة المعاناة التي مروا بها، تصف مذكرات جانينا(الشتاء في الصباحWinter In The Morning – ) والتي نشرت عم 1985،  كيف تمت تخبئتها، ونجاتها، بينما قضى معظم أفراد عائلتها نحبهم، وقد أثرت في كتاب باومان(الحداثة والهولوكوستModernity And The Holocaust – )الذي نشر بعدها بأربع سنوات، وقد لاقى الكتاب ترحيبًا حارًا في ألمانيا، وأثار الجدل في أماكن أخرى لعدم تحميله المسؤولية لألمانيا، كانت فرضية باومان أن الهولوكوست كان نتاجًا للحداثة دون الإشارة تحديدًا للقومية الألمانية.

 يشرح زميله بجامعة ليدز ريتشارد كليمنسترقائلًا: “تسبب الكتاب في ضجة عندما نشر في ألمانيا، قال إن ما تسبب في حدوث الهولوكوست هو بيروقراطية وتكنولوجيا الحداثة، ما فعلته الحداثة هو أنها أحدثت تداعيات غير مقصودة خاصة بالتعقيد البيروقراطي وهيأت الظروف التي تلاشت فيها المسؤولية الأخلاقية”.

يصرح باومان بأن إلقاء اللوم على ألمانيا يبرئ الجميع كليًا، بينما تم تبني أفكار علم الانسال وحظيت بمصداقية علمية في عدة بلدان بما فيها الولايات المتحدة والدول الاسكندنافية.

حفز الهولوكوست الاهتمامات الفكرية في كتبه التي ألفها منذ البداية إلى منتصف التسعينيات. “ما الذي في مجتمعنا يجعل حدوث مثل هذه الأشياء أمر وارد؟ المشكلة الحقيقية هي لماذا- تحت ظروف معينة – يقوم أناس محترمون- يكونون في العادة أزواج صالحون أو جيران طيبون- بالمشاركة في ارتكاب هذه الأشياء المروعة، هذا هو جوهر المسألة، ليس هناك عدد كبير من المختلين نفسيًا في العالم لمسائلتهم عن كل الفظاعات حول العالم، فهذه هي المشكلة بالنسبة لي، الأشخاص الذين – تحت ظروف أخرى- قد يكونون أعضاء مجتمع مثاليين، يتورطون في أعمال وحشية، رغم أنه يصعب القول إذا ما كانوا قد أصبحوا وحوشًا “.

“إن الأمر كله يتعلق بالفرد والمسؤولية الشخصية، أدهشني بحث أجراه فريق من علماء الاجتماع عن الذين ساعدوا الضحايا، وكانوا عينة تمثل كل السكان،لم يجدوا أي ارتباط بين العوامل التي يعتقد علماء الاجتماع أنها تشكل السلوك البشري مثل التعليم والمعتقد الديني والانتماء السياسي، وبين أعمال المقاومة البطولية ضد الشر، بطريقة ما، القدرة على المقاومة لا تتوقف على عملية التكيف الاجتماعي”.

عاد باومان بعد الحرب إلى وارسو كضابط بالجيش الأحمر، المنصب الذي كفل له الحصول على شقة لائقة وتعليم جامعي. وصف في إحدى المقابلات كيف أنه وجانينا يحتسيان الشراب في الأمسيات ويتأملان كيف أن هتلر قد غير حياتيهما،وللمفارقة، يدين باومان بتعليمه – بطريقة غير مباشرة – للنازيين، في فترة ما بين الحربين في بولندا كان معظم اليهود يستبعدون إمكانية دخول جامعة بولندية، أما خيار الدراسة بالخارج- الذي يسعى خلفه اليهود الأثرياء- ما كان ليكون متاحًا أمامه أبدًا. يقر باومان أيضًا أنه مدين بزواجه إلى هتلر، فالفجوة الكبيرة في المكانة الاجتماعية بين عائلته القروية الفقيرة وعائلة جانينا الثرية، كانت من الممكن أن تجعل علاقتهما مستحيلة.

لكن عندما التقى الاثنان في أوائل العشرينات من عمريهما بمدرجات جامعة وارسو، كانت جانينا تعيش مع والدتها وشقيقتها الصغرى وهن يتكلفن إخفاء فقرهن

“رأيتها، وعرفت أنه لا يتوجب علي أن أبحث أكثر، وخلال تسعة أيام عرضت عليها الزواج، لماذا لم أكن بحاجة للبحث أكثر؟ لست بشاعر” أجاب بإيجاز و أضاف أنها أهم امرأة في حياته، تعلق جانينا على زواجهما الممتد لخمس وخمسين سنة بدعابة ساخرة قائلة: “نحن بعيدان عن بعضنا بعد القطبين”.(كلمةPole  تعني القطب كما تعني أيضًا شخص بولندي.(المترجم))

كل إيماءة وحركة يأتيان بها تعبر عن الحب والاحترام المتبادل بينهما، تعترف بأنها تقرأ بإيقاع أبطأ مما يكتب به،وترافقه في جميع رحلات محاضراته.

 في الجزء الثاني من مذكراتها (حلم الانتماءA Dream Of Belonging – ) تصف جانينا بحنان علاقة حبهما وسنوات الزواج المبكرة السعيدة مع قدوم ابنتهما آنا والتي تعمل الآن بروفيسور رياضيات في فلسطين، ثم العناية الشديدة التي أولاها إياها بعد مولد ابنتيهما التوأم، ليديا وهي رسامة الآن، وايرينا المهندسة المعمارية.

 تلكم كانت الأيام السعيدة، على الرغم من الشقق الضيقة، وعجز بولندا في فترة ما بعد الحرب. كانت حياتهما مفعمة بدفء العائلة والأصدقاء، وازدهرت مسيرتيهما المهنيتان، كما كان الاثنان يحلمان بإنشاء مجتمع شيوعي جديد،عملت جانينا محررة نصوص أفلام بينما كان باومان يشق طريقه في علم الاجتماع، التخصص الأكاديمي الذي كان موضع جدل عام في ذلك الوقت، أسس وترأس تحرير مجلة (دراسات سوسيولوجيةSociological Studies – ) والتي بيعت جميع نسخها في أول يوم من نشرها.

تقول الزبيتاتاركوسكا، البروفيسور في الأكاديمية البولندية للعلوم: “كان علم الاجتماع مثار اهتمام أبناء جيلنا، وكان ينظر إليه كعلاج لعدد من المشكلات الاجتماعية والنفسية، ووسيلة لمساعدة الناس، والآن ينظر الشباب في اتجاه مختلف”.

وهي تعرف باومان منذ معاينتها للالتحاق بجامعة وارسو بعمر الثامنة عشر، وقد كان كتاب باومان (سوسيولوجيا الحياة اليوميةSociology of Everyday Life – ) الأكثر مبيعًا وقتها، هو ما ألهمها دراسة علم الاجتماع. تصف باومان بالأستاذ اللامع، يلتف حوله الشباب ودومًا يطالبهم بالأفضل ويعمل على استخراج كل ما لديهم.

 كان يجتمع ومجموعة منهم في شقته كل سبت في حلقة دراسية لمناقشة مختلف الأفكار، لكن الحلم لم يستمر، تصف جانينا في مذكراتها كيف أنهم، وللمرة الثانية، يتعرضون للنبذ، استقالت من الحزب خوفًا من القمع وعنف الشرطة والتيارات الخفية المعادية للسامية، وتم تخفيض رتبتها الوظيفية ثم فقدت عملها.

 لم يذكر باومان التفاصيل، لكنه أيضًا ضاق حوله الخناق ببطء، وأخيرًا عام 1968، بعد عشرون عامًا كأكاديمي، نفي مع عدد من أبرز المفكرين اليهود إلى إسرائيل،في عملية تطهير معادية للسامية بجامعة وارسو، تاركين خلفهم الأقارب والأصدقاء المقربين، تكتب جانينا عن إحباطهما لاضطرارهما لابتداء حياتهما مرة ثانية في أواخر الأربعينات من عمريهما. تتذكر تاركوسكا الفراغ الذي خلفوه: “جميعنا كنا مصدومين للغاية عندما طرد، فقد كانت كارثة”.

 كذلك لم تكن إسرائيل بالمكان المناسب لعائلة باومان، على الرغم من أن ابنتهما الكبرى كانت مستقرة هناك مع زوجها، وغادروا بعد ثلاث سنوات فقط، تقول جانينا: “كانت إسرائيل دولة قومية، ونحن لم نرد أن نتحول من ضحايا لإحدى القوميات إلى معتدين في أخرى”.

ذاعت سمعة باومان خارج بولندا، لذلك لم يكن هناك نقص في عروض العمل، رفض عرضًا من كانبيرا باستراليا، لأنها بعيدة جدًا عن أوربا،وقبل العرض التالي كرئيس لقسم علم الاجتماع بجامعة ليدز، بدعوة من نائب رئيس الجامعة وقتها، ادوارد بويل.

جاءوا وهم يعرفون القليل عن بريطانيا ولا شيء عن ليدز، لكنهم عاشوا في نفس المنزل- الفسيح من طراز الثلاثينات وتحيط به حديقة بالقرب من شارع رئيسي مزدحم- منذ ذاك الوقت.

تلقى عدد من عروض العمل من الجامعات ذات المكانة، مثل ييل. لم يسع باومان خلف المناصب الرفيعة في الجامعات البريطانية مثل كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، أو اوكسبريدج، تقول جانينا معللةً: “تنقلنا بما فيه الكفاية في الماضي”.

يعتقد فاكروان باومان لم ينتقل إلى مكان آخر، جزئيًا بسبب تجربة المنفى المؤلمة، وأيضًا لأنه أحب أن يُترك وشأنه، وقد وجد بيئة هادئة ومألوفة، شبه باومان بلاجئ أوربي آخر، عالم الاجتماع الشهير نوربرت إلياس الذي وجد الهدوء بجامعة ليستر. يتحدث باومان وزوجته برضا عن الترحيب الذي وجداه كبولنديين في بريطانيا.

يعتقد سينيت أن باومان اتخذ القرار الصحيح بعدم الذهاب إلى الولايات المتحدة، ” كان ليشعر بالتهميش هناك، انه احد المفكرين المهجرين الذين جاءوا إلى بريطانيا، فهم لا يندمجون إطلاقًا لكنهم في نفس الوقت يشعرون بالراحة إلى حد كبير، جميعهم يتحدثون بإفراط عن أزمة ثقافة وسط أوربا- الحرب العالمية الثانية والهولوكوست والشيوعية وانهيارها، ومما يحسب لبريطانيا انه أمكن لهؤلاء أن يعالجوا الأزمة الإنسانية الأوربية هنا حيث العديد من هذه المصطلحات غير مألوفة في المملكة المتحدة “.

يتمتع باومان بشعبية كبيرة في شرق أوربا وروسيا حيث يلقي المحاضرات بانتظام (يتحدث الروسية بطلاقة بالإضافة إلى البولندية والإنجليزية)، يعتقد فاكروان هذا الإعجاب في دول الاتحاد السوفيتي السابقة يعود جزئيًا إلى محاولاته أن يعبر عن رؤية أخلاقية في وسط الحطام الشيوعي، “هدفه هو كيفية إنقاذ المبادئ الأخلاقية الخاصة بالاشتراكية عندما انتهت الشيوعية، وقد فكر في كل هذا قبل الآخرين بسنوات، ورأى انهيار الشيوعية كفرصة عظيمة، ولكن بانقضاء فترة التسعينيات تصاعدت خيبة أمله لعدم التطرق للمسائل الأخلاقية، وبدلًا من ذلك أصبحت القيم الاستهلاكية أكثر رسوخًا من ذي قبل.

لكن مع كل شهرته العالمية، فهو شخص انطوائي ومفكر جعل لنفسه مسلكًا مستقلًا، بقول بحدة: “لم أحلم بالانتماء قط “

يجعله اهتمامه بالأخلاقيات عالم اجتماع من نوع غير عادي، لا يجري التحليلات الإحصائية المرهقة ولا المسوحات، بل يفضل التعميم الجازم والشامل الذي يمكن لقارئه أن يتقبله أو يرفضه أو يجادله، كذلك لا يبني حججه على جمع الحقائق بل على الاستفزاز، كما ليس لديه الاستعداد لتقبل الحدود التقليدية لعلم الاجتماع، يضعه مولغان في منطقة بين علم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس، الأمر الذي يجعله يبدو انتقائيا في نظر البعض. يتهمه مولغان بأنه مفكر غير منطقي ولا منهجي، بالنسبة لآخرين، فهذا تحديدًا ما يجذبهم إليه، التفكير المستقل وغير المتوقع مع الخطاب المجازي البليغ (وهو أمر لافت بالنسبة لشخص الانجليزية لغته الثالثة).

عن حرب العراق مثلًا، يقول: ” ما لدينا هنا هو متجر للخزف بداخله فيل ضخم، ولا يستطيع أحد ترويض لا مبالاته بثوابت العالم، ما دفع النخبة الحالية بالولايات المتحدة للحرب هو الاقتصاد الأمريكي، امتلأت المخازن العسكرية إلى أقصى حد، والآن وقد بدأت الحرب، هناك مجال لأوامر جديدة، إنها وسيلة لتحفيز الاقتصاد، لدى التكنولوجيا قوة الدفع الخاصة بها، إذا أنتجت أسلحة بقيمة مليار دولار عليك استخدامها. هذه الحرب لعب بالنار، سيكون الإرهاب هو المحصلة بعيدة المدى، وسيصبح العراق أفغانستان آخر، لكن هذه المرة لن يكون المجاهدين في صفوفنا، بل على الجانب الأخر، إنها قرار خاطئ للغاية “.

لم يؤسس باومان مدرسة في علم الاجتماع، على الرغم من أن كثير من علماء الاجتماع ينظرون لأعماله كنقطة انطلاق لأبحاث تجريبية أكثر. لم يسعى قط لإقامة علاقة مع الاتحاد البريطاني لعلم الاجتماع، رفاقه من الماركسيين عاملوه بشيء من الريبة خلال السبعينيات والثمانينيات، إما لأنه كان عضوًا بالحزب الشيوعي،أو لأنه طرد من بولندا، يتذكر فاكرو” كان باومان معروفًا بغموضه عندما جاء إلى ليدز لأول مرة”، ربما يكون الأمر نتيجة لتلك السنوات تحت الرقابة الشيوعية أو التجارب المبكرة لكونه يهوديًا في بولندا.

على الرغم من لطفه وخفة ظله التي جذبت حوله شبكة من الأصدقاء من أنحاء أوروبا، يزعم فاكروان باومان يمكن أن يوصف بما يسميه علماء النفس(الشخصية المحصنةa well-defended – personality)، يعتبر تحفظه ووضعه كلا منتمي مما ساهم في إثراء تحليله لكيفية تكوين البشر وكيف أنهم يعيدون صياغة فهمهم للعالم باستمرار، وفي غضون ذلك يفسحون المجال أمام احتمالات جديدة.

تمتد قطيعته إلى المجال الأكاديمي الذي كرس له حياته، فهو يذكر الأدب – كُتاب مثل ايتالوكالفينو و بورخيس- وليس علم الاجتماع أو الفلسفة كأعظم مصادر إلهامه، يقول: “كتبهما نموذج لكل شيء رغِبتهُ وجاهدت، بلا جدوى، للحصول عليه: سعة الأفق والألفة في جميع جوانب الفكر الإنساني، وتعدد أوجه الخبرات الإنسانية والحساسية تجاه إمكانياتها التي لم تكتشف بعد”.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة