الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : مقابلة مع زيجمونت باومان “وسائل التواصل الاجتماعي فخ”

ترجمات خاصة : مقابلة مع زيجمونت باومان “وسائل التواصل الاجتماعي فخ”

11

نشرت في 25/يناير/2016م

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

احتفل زيجمونت باومان للتو بميلاده التسعين، وقام برحلتين جويتين من مدينة ليدز، موطنه في شمالي بريطانيا، لحضور حدث في بورغوس شمالي اسبانيا. صرّح بأنه متعب عندما كنا في بداية المقابلة، لكنه مازال قادرًا على التعبير عن أفكاره بهدوء ووضوح، متأنيًا في كل إجابة لأنه يكره تقديم أجوبة بسيطة لأسئلة معقَّدة. لقد أصبح باومان شخصية قيادية في علم الاجتماع منذ تطوير نظريته عن (الحداثة المائعة) في أواخر التسعينات، والتي تصف الاتفاقات في عصرنا بالمؤقتة والعابرة، وأنها صالحة فقط حتى إشعار آخر. تم اختيار أعماله : عن عدم المساواة، ونقده لما يراه فشل السياسة في إرضاء توقعات الناس، بالإضافة إلى رؤية شديدة التشاؤم لمستقبل المجتمع من قبل ما يسمى “حركة الخامس عشر من مايو الساخطة” في إسبانيا، رغم أنه بيَّن نقاط ضعفها باستمرار.

ولد باومان في بولندا عام 1925م. هرب والده إلى الاتحاد السوفييتي عقب الغزو الألماني عام 1939م. في عام 1968م، بعد أن تم عزله من التدريس وطرده من الحزب الشيوعي، مع آلاف اليهود الآخرين عند اندلاع حرب الستة أيام -غادر إلى المملكة المتحدة وحصل على وظيفة في جامعة ليدز، حيث هو الآن أستاذ فخري. نالت أعماله العديد من الجوائز الدولية، من بينها جائزة أمير إسبانيا، استورياس 2010م.

أعرب عن رؤيته المتشائمة للعالم في كتب مثل “هل نستفيد جميعًا من غنى الأقليّة ؟ ” Does The Richness Of The Few Benefit Us All? في عام 2014م، والذي يقول فيه أن العالم يدفع سعرًا باهظًا للثورة الليبرالية الجديدة التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، وأن الثروة لم تتحقق لبقيَّة الشعب. في “العمى الأخلاقي” المنشور في العام الماضي (2015م) حذّر باومان، مع شريكه الكاتب ليونيداس دونسكيس، من فقدان المجتمع في عالمنا المتمادي في الفردانية.

سؤال: لقد وصفت عدم المساواة كـ “ورم خبيث” .. هل الديمقراطية مهددة؟

 

جواب: يمكننا وصف ما يحدث في هذه اللحظة كأزمة ديمقراطية، انهيار الثقة : الإيمان بأن قادتنا ليسوا فقط فاسدين أو أغبياء، بل عاجزين. الفعل يتطلب السلطة، ونحن نحتاج السياسات، التي هي القدرة على تحديد ما يجب فعله، ولكن انتهى عصر تزاوج السياسة والسلطة في يد حكومة الأمة. أصبحت السلطة عالمية، لكن السياسات ما زالت محلية كما كانت من قبل .تم بتر أيادي السياسة. فالناس ما عادوا يؤمنون بالنظام الديمقراطي، والسياسة لا تفي بوعودها، نرى ذلك مثلًا في أزمات الهجرات : إنها ظاهرة عالمية. لكننا مازلنا نتصرف بفكر محدود. لم تنشأ مؤسساتنا الديمقراطية للتعامل مع أحوال مستقلة. والأزمات الحالية للديمقراطية أزمات مؤسسات.

سؤال: في أي اتجاه يتأرجح البندول الذي وصفته بين الحرية والأمن؟

 

جواب: إنه لمن الصعب التوفيق بين هاتين القيمتين. إذا أردنا تحسين الأمن فعلينا إذن التخلي عن بعض الحرية. وإن أردنا حرية أكبر فعلينا التنازل عن الأمن. وتستمر هذه المعضلة للأبد. قبل أربعين عامًا صدقنا أن الحرية قد انتصرت وبدأنا عربدة استهلاكية. بدأ كل شيء باستدانة المال: من العربات، المباني…إلخ وكان المرء يدفع مقابلها لاحقًا. كان نداء اليقظة في 2008م عنيفًا ولاذعًا عندما اضمحلت السلفيات. كانت الطامة أن الانهيار الاجتماعي آذى الطبقة الوسطى بالذات، ساحبًا إياها إلى حالة من الزعزعة، والتي بقيت فيها تلك الطبقة، لا يعرفون إن كانت شركاتهم ستندمج مع أخريات وسيتم تسريحهم. لا يعرفون إذا ما كان الذي استدانوه سيظل في حيازتهم… لم يعد الصراع بين الطبقات بل بين كل فرد والمجتمع. لم يكن فقدانًا للأمن وحسب، بل للحرية أيضًا.

سؤال: تقول أن التقدم خرافة لأن الناس ما عادوا يؤمنون أن المستقبل سيكون أفضل من الماضي ؟

 

جواب: نحن في فترة من انعدام التنظيم بين وقت كنا نملك يقينيات وآخر لم تعد فيه الطرق القديمة تنفع. لا ندري ما الذي سيبدل هذا الوضع. نحن نجرب طرق جديدة لإنجاز الأمور. حاولت إسبانيا اختبار طرق جديدة من خلال حركة الخامس عشر من مايو 15M، عندما سيطر الناس على الأماكن العامة، يحاولون إبدال الإجراءات البرلمانية بنوع من الديمقراطية المباشرة. لم يدم ذلك طويلًا. استمرت سياسات التقشف ولا أحد كان بإمكانه منع ذلك، ولكنهم كانوا قادرين على التأثير نسبيًا في إيجاد طريقة جديدة لبلوغ غاياتهم.

سؤال: قلت أن أشباه حركة الخامس عشر من مايو، وحركة الاحتلال العالمي، تعرف “كيفية إخلاء الطريق، ولكن ليس كيفية خلق شيء راسخ”؟

جواب: يتغافل الناس عن اختلافاتهم لبلوغ هدف مشترك. إن كان ذاك الهدف سلبيًا، عن معاداة أحدهم، فهناك فرصة أكبر للنجاح. بطريقة ما سيكون الأمر انفجارًا للدعم. لكن الانفجارات قوية، وسريعة التلاشي.

سؤال: أنت تؤمن أيضًا بعدم وجود احتمال للقيادة في ائتلافات ألوان الطيف؟

جواب: مثل هذه الحركات تفتقد القيادة، وهذا، على وجه الدقة، هو سبب نجاتها. ولكن بذات الدقة، فهي لا تستطيع تحويل إحساسها بالغرضية إلى فعل؛ لأنها تفتقد القيادة.

سؤال: في إسبانيا، ساهمت حركة 15M في إنشاء قوى سياسية جديدة؟

 

جواب: التغيير من حزب إلى حزب لن يحل مشكلة. المشكلة أن الأحزاب مخطئة، بل إنها لا تتحكم بمجرى الأمور. مشاكل إسبانيا هي جزء من المشاكل العالمية، ومن الخطأ الظن بأنك تستطيع حلها داخليًا.

سؤال: ما رأيك في المشروع الكاتالوني المستقل؟

 

جواب: أعتقد أننا ما زلنا نتبع قواعد فرساي عندما تأسست فكرة “أن لكل أمة حكم نفسها”. ولكن هذا خيال في عالم اليوم، حيث لم يعد هناك أقاليم متجانسة، كل مجتمع ليس إلا مجموعة من الشتات. ينضم الناس للمجتمعات التي يخلصون لها ويدفعون الضرائب، لكن في نفس الوقت لا يريدون التخلي عن هوياتهم. أنقطع الاتصال بين الهوية ومكان العيش. الحال في كتالونيا، كما في اسكوتلاندا ولومبادي، هي تعارض بين الهوية القَبَلَيَّة والمواطنة. إنهم أوروبيون، لكنهم لا يرغبون في التحدث إلى بروكسل عبر مدريد، بل عبر برشلونة. ينطبق ذات المنطق في كل الدول تقريبًا. ما زلنا نتبع ذات القواعد التي تم تأسيسها في نهاية الحرب العالمية الأولى، لكن طرأت العديد من التغييرات على العالم.

سؤال: أنت متشكك حول الطريقة التي يحتج بها الناس على وسائل التواصل الاجتماعي بما يُسمى “النشاط السريري”، وتقول أن الإنترنت يغمسنا عميقًا في الترفيه الرخيص. فهل تقول أن الشبكات الاجتماعية هي أفيون الشعوب الجديد؟

 

جواب: تغيرت مسألة الهوية مما ولد عليه المرء إلى مهمة: عليك إنشاء مجتمعك الخاص بك. لكن المجتمعات لا تُنشأ، إما أن لديك مجتمع أو لا. ما يمكن أن تكونه الشبكات الاجتماعية هو بديل. الفرق بين المجتمع والشبكة الاجتماعية أنك تنتمي إلى المجتمع، بينما الشبكة تنتمي إليك. تشعر بالسيطرة، يمكنك إضافة أصدقاء إذا أردت، وحذفهم كذلك. أنت تتحكم في الناس المهمين الذين يقربون إليك، وكنتيجة يشعر الناس بحال أفضل؛ لأن الوحدة والهجران هما الخوف الأعظم في عصرنا الفرداني. لكن الأمر بمنتهى السهولة عند إضافة أو حذف أصدقاء على الإنترنت لدرجة أن الناس تفشل في تعلم المهارات الاجتماعية الحقيقية، والتي يحتاجها المرء عندما يخرج للشارع، عندما يذهب إلى مكان العمل، حيث تجد الكثير من الناس الذين عليك الدخول معهم في تعامل حساس. الأب فرانسيس، الرجل العظيم، قدّم أول مقابلة له بعد اختياره لـ يوجينيو إسكالفاري، الصحفي الإيطالي الذي نصب نفسه ملحدًا. كان ذلك آية: الحوار الحقيقي ليس أن تتحدث إلى من يشاركك الإيمان والقناعات. إن وسائل التواصل لا تعلمنا التحاور لأنه من السهل تفادي التناقض. لكن معظم الناس يستخدمونها ليس للاتحاد مع بعضهم، ليس لتوسيع آفاقهم، ولكن على النقيض، لإيجاد مساحة من المألوف، حيث لا يسمعون سوى أصداء أصواتهم، وحيث ما يرونه هو انعكاس وجوههم. وسائل التواصل مفيدة، فهي توفر المتعة، لكنها فخ.

 

عن يس المك

mm
قاص ومترجم من السودان