الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : نعي زيجمونت باومان

ترجمات خاصة : نعي زيجمونت باومان

نعي

ترجمة : أثير الهويشيل

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا )

الكاتب البولندي زيجمونت باومان هو أحد علماء الاجتماع في جامعة ليدز عُرف بتحليلاته في قضية اللاجئين وظهور الشعوبية اليمينية ووصفها “كأزمة الإنسانية”.

نشر المفكر زيجمونت باومان في كتابه الصادر سنة 2000 منذ أصبح مهتمًا بالحركة المناهضة للعولمة العالمية مصطلحًا مجازيًا هو “الحداثة السائلة” الذي يعني به اختفاء الهياكل والمؤسسات القوية بمجرد تقديمها الأساس المستقر بجودة المجتمعات الحديثة، والنتائج المترتبة عليه بالنسبة للأفراد والمجتمعات.

ينوه باومان بروفيسور علم الاجتماع في جامعة ليدز (منذ عام 1971م-91، أستاذ متقاعد) بأن عالمنا المتصف “بالحداثة السائلة” لا يمكن أن يحتفظ بشكله ولا أن يظلّ على حاله وقتًا طويلًا. كالأزياء التي نتابعها، الأحداث التي تمس اهتمامنا والأشياء التي نحلم بها وكل ما نخشاه. أنتج باومان ما يقارب 60 كتابًا تتمحور مواضيعها عن الاتساع المتفاوت بين السلطة والسياسة الدولة والسوق والمنافسة على الرأسمالية ، كما أن مصير الفقراء المجتمع والضعفاء تكتسب أهمية خاصة فيما يطرحه ويحلل أبعاده في عدد من كتبه. وقال: ” عندما يتقاتل فيلان فإن العشب يدفع الثمن.”

لقد كان عمله مؤثرًا خاصةً من بين الناشطين الشباب في أسبانيا، إيطاليا وعلى نطاق أمريكا الوسطى والجنوبية. “شاهد العالم بعيون أضعف المجتمع” قالها المفكر زيجمونت باومان “عندها أخبر أي شخص أن مجتمعاتنا بصراحة جيدة، متحضرة،  متقدمة، حرة”

أفضل كتب زيجمونت باومان، “الحداثة والهولوكوست” الذي ظهرت طبعته الأولى عام(1989م). قدم فيه صورة صارمة عن احتمال الإبادة الجماعية مخبأة داخل المجتمع البيروقراطي الحديث والامتيازات المتعلقة بالترتيب والكفاءة فوق قيم الأخلاقية كذلك المسؤولية والعناية بالآخرين. تشكلت له صورة في مذكرات “الشتاء في الصباح” للكاتبة زوجته جانينا باومان ،الذي نقح لاحقًا بكتاب كما ما وراء الجدران : هروب جيتو وارسو – قصة الفتاة الصغيرة (2006). وتجاربه الخاصة في رعب القرن العشرين.

كان باومان حذرًا من تقديم أي بديل مخطط للمستقبل ،لقد رفض الإعلان عن أي مقترحات ملموسة لمعاناتنا المشتركة. لكنه احتفظ بتعهد لشكل من أشكال النظام الاشتراكي التي بقيت ثقافة مضادة ومعاكسة، حتى حينما سحبت الحكومة الاشتراكية عتلات الطاقة بشكل علني. آمن باومان بأن المجتمع الراقي بحق لا يمكن أن يرضى بأنه كان جيدًا بما فيه الكفاية.

كأناس يختارون إدارة شؤونهم الفردية كمستهلكين، آملين التوصل إلى حلول لمشاكلهم الخاصة بالتسوق، توقفوا عن التصرف بشكل جماعي كمواطنين يتشاركون قضايا عامة مشتركة. حيث  يقول : ” هل يمكن لمفاهيم تحقيق المساواة، الديمقراطية وتقرير المصير الذاتي أن تنجو حينما يُرى المجتمع أقل وأقل كمنتج لعمالة مشتركة وقيم مشتركة ولا يُرى أبعد من حاوية للخدمات والبضائع المتاحة لتلتقطها أيدي الأفراد المتنافسين؟”

أما عملية سحب الثقة من القادة السياسيين كانت سببًا لفقدان الإيمان والمطالبة بـ “استرداد السيطرة” من النخبة المهتمة بمصلحتها. أشار باومان على سبيل المثال إلى إفلاس المصرف في السنوات 2007-2008 كنتيجة فورية لما يُسمى بإنشاء “دولة رفاهية للأغنياء”. و بعد أن عاش من خلال نوعان من الاستبدادية حذر باومان من أن التغيير المطلوب سيكون استبدادًا في الشخصية.

وكأحد السكان الأصليين في بوزنان  في وسط غرب بولندا، كان باومان من أول ضحايا النازيين، وبعدها الحزب الشيوعي. وهو  نجل المحاسب بورتيز باومان، وزوجته صوفيا (كوهنني) فر مع أسرته حين اندلاع الحرب العالمية الثانية إلى الاتحاد السوفيتي. ومُنح صليب بولندا العسكري للشجاعة للقتال ضد الجيش النازي.

وفي عام 1948 تزوج جانينا وكان محاضرًا في علم الاجتماع بجامعة وارسو، وفي عام   1964 أصبح بروفيسورًا. وبعد مرور أربع سنوات نُفي هو وأسرته وبناته الثلاث ،ليديا، أيرينا، وآنا  نتيجة حملة لمعادة السامية من النظام الحكم الشيوعي ليصبح لاجئًا للمرة الثانية. ولتدفعه تجاربه في الفقر، التهميش والاغتراب معنويًا باتجاه علم الاجتماع.

بعد الوظائف المؤقتة في جامعة تل أبيب (على الرغم من انتقاده لمعاملتهم للفلسطينيين) ثم في كلٍ من حيفا وملبورن أستراليا في عام  1979استقر باومان وعائلته في بريطانيا، وهناك توجه إلى قسم علم الاجتماع في ليدز.

كان باومان يكتب بانضباط وغزارة، في عام 1980 ،قاموا باستدعائه عن عمد إلى المبنى في تمام الساعة 4:30 صباحًا إلى مكتبه لبدء العمل بعد الترتيبات لحفلة الموظفين الطلابية. ومنذ ذلك الحين استمر باومان في نشر مؤلفاته لبقية حياته.

في السنوات الأخيرة عُرف باومان بتحليلاته في أزمة اللاجئين عبر أنحاء أوروبا والولايات المتحدة ونعتها “بالأزمة الإنسانية”. وكان وعد أوروبا للتعاطف الاجتماعي قد عنى الكثير بالنسبة له. اعتقد باومان أن الاتحاد الأوروبي وقف كحارس لحماية الحقوق صعبة الاكتساب و للحماية المشتركة ضد الحرب والأمن الاجتماعي. فيما عُدت آخر محاضرة له في جامعة ليدز في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي قارن بين المحرقة  وبين مقدرة الشعوبية على جعل الجميع هو ” الآخر” بدون أدنى شفقة أو رحمة أو ندم.

حصد باومان جوائز عدة من ضمنها جائزة the Theodor W Adorno prize عام 1998  في حفل مراسم تسليم الجوائز في فرانكفورت لم يشعر بأن النشيد الوطني البولندي أو البريطاني مناسبان له حيث شعر بالغربة في كلاهما، لذا استقر على نشيد البهجة النشيد الوطني الأوروبي.

تخدم أعمال باومان كتذكير لنا بأننا نحن البشر صنعنا بأيدينا ما حولنا و لذا فمن الممكن إعادة صناعته وتشكيله أيضًا. كتب باومان لكل مشاعره وعواطفه وتشاؤمه؛ لأنه آمن بأن هذا التحدي يمكن ويجب أن يواجه.

توفيت زوجته جانينا في عام 2009، وبعد ست سنوات تزوج باومان من أليكساندرا جيسيكا كينيا  وهي عالمة اجتماع أيضًا، لقد أنقذته من جديد مع بناته الثلاث وحفيداته وثلاث من أحفاده.

* زيجمينت باومان ،ولدفي 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1925, توفي في 9 كانون الثاني/يناير 2017

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة