حياتي مع موجة

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

• تأليف : أوكتافيو باث
• ترجمة : زعيم الطائي

حين غادرت ذلك البحر، تقدمت الموجة قريناتها فوق الماء، موجة عالية، ناصعة، شديدة البريق، وبالرغم من صيحات المويجات الأخريات اللواتي أخذن يتمسكن بملابس العوم التي ترتديها، ومناداتهن لها المحذرة، فقد قفزت الموجة من بحرها ممسكة ذراعي، سائرة حيث أسير، متوجهة حيث أتوجه.. لم تكن لدي رغبة في معارضتها، كي لا أشعرها بالمهانة أمام صديقاتها، إضافة الى النظرات المتفرسة التي لاحقتني من قبل الموجات العجائز الباقية، والتي أصابت حركتي بالشلل. حينما وصلنا المدينة، أوضحت لها استحالة بقائنا سوية، فحياة المدن تفوق قدرات تصورها، وليست كما أعتقدت بمحدودية عقلها القاصرة ضمن البحر، حدقت بي بجدية وأهتمام، (كلا، لقد أتخذت قرارك، ولايمكنك التراجع فيه) . حاولت باذلاً كل مافي وسعي أن أكون طيباً معها، صلباً، في سخريتي منها، لكنها أجهشت باكية، وأستمرت في النحيب وهي تعانقني، متوعدة أياي تارة، مهددة تارة أخرى، فلم أملك إلا أن أتقدم لها معتذرا ًعن خطأي بحقها.

في اليوم التالي ابتدأت رحلتي مع المصاعب والمشكلات، فكيف سنستقل القطار خفية دون أن تقع علينا أنظار المشرف، أوالشرطة والمسافرين؟ فمن المؤكد أن قوانين السكك لا تحترم شيئاً أسمه انتقال أمواج البحر على قاطراتها، كان فعلنا يستحق المحاسبة كما لو كنا نرتاد إحدى المناطق المحرمة. بعد تفكير طويل قررت الذهاب الى المحطة مبكراً، قبل ساعة من بدء الانطلاق، متخذا ًمكان جلوسي، حينذاك، بينما لم يكن بمستطاع أحد رؤيتنا، أفرغت خزان الماء الاحتياطي الذي يستعمله الركاب، وبعدها، بحذر شديد، صببت داخله رفيقة رحلتي.
أول المشاكل حدثت بعد أن رفع أثنان من الأطفال الذين بجواري عقيرتهم بالصياح يطلبون ماء ً، مما أضطرني الى أسكاتهم بوعد أحضار المرطبات والليمونادة حال وصولنا، بدا عليهما الاقتناع لولا اقتراب مسافرة ظاهر عليها العطش، أقبلت تطلب ماء ً، هممت بدعوتها هي الأخرى لكن نظرات رفيقها القاسية منعتني من ذلك، راحت السيدة تقترب من الخزان، في يدها كوب ورقي، وقامت بفتح الصنبور حتى كاد كوبها يمتليء تقريباً حينما هرعت قافزاً حائلاً مابينها وبين صديقتي الموجة، نظرت لي باندهاش، وبينما رحت أتأسف معتذراً، قام أحد الأطفال وفتح الصنبور من جديد، فأغلقته بشيْ من العنف، والسيدة تقرب الكوب من شفتيها، صاحت:
– (أغغ، هذا الماء شديد الملوحة!)
ردد أحد الطفلين كلماتها، نهض بعض المسافرين، مما حدا بزوجها للأسراع بمناداة المشرف، قائلا ً:
– (هذا الرجل قام بوضع الملح في الماء)
أسرع المشرف باستدعاء المفتش:
– (أذن، أنت وضعت مادة في الماء؟)
قام المفتش بدوره بأستدعاء البوليس :
– (أها، فقد قمت بتسميم مياه الشرب؟)
هرع الشرطي محضراً الضابط:
– (أها، أنت الذي سمم الماء؟)
نادى أخيراً الضابط ثلاثة من أعوانه، أخذوني معهم الى عربة فارغة، وسط همهمات المسافرين وتحديقاتهم المستريبة، وعند المحطة القادمة جرجروني الى السجن ثم ألقوا بي أرضاً، مرت أيام عديدة دون أن يكلف أحدهم نفسه بسؤالي أو التحدث إليّ، ماعدا ساعات الأستجواب الطويلة، وحالما شرحت لهم قصتي، لم يصدقني أحد، حتى السجان هز لي رأسه وقال:
– (الحالة خطيرة، خطيرة حقاً، أكنت تبغي تسميم الأطفال؟).
ذات يوم جلبوني أمام القاضي، (قضيتك صعبة) أخذ يردد عبارته (سأرسلك الى قاضي العقوبات). بعد مرور عام واحد، أتى أخيراً موعد محاكمتي، وبما أنه لم يكن هناك ضحايا، سهّل ذلك في إطلاق سراحي، فجاء حكمي مخففاً.
نادى عليّ مسؤول السجن:
– (حسن، أنت حر الآن، أنك لرجل محظوظ، لأنه لم يصب أحد بفعلتك، لاتكررها مرة أخرى، فلن تكون عقوبتك قصيرة كهذه). وتمعن بي بنفس النظرة المريبة التي أعتاد كل واحد أن ينظر لي فيها.

أخذتُ القطار الظهيرة، وبعد ساعات من الرحلة المتعبة بلغ القطار مدينة مكسيكو، استأجرت تاكسياً ليوصلني إلى البيت، وعند باب الشقة تناها ضحكات وأصوات غناء، فأحسست بألم في صدري، كأنما وجهت لي ضربة موجة مفاجئة. كتلك الدهشة غير المتوقعة التي تثير الأوجاع في الصدور، كانت صديقتي هناك، تضحك وتغني مثلما أعتادت أن تفعل دائماً.
– (كيف تمكنت من العودة ثانية؟)
– (الأمر في غاية البساطة، بواسطة القطار، أحدهم، بعد تأكده من أنني مجرد كمية من مياه مالحة، صبني في محرك القاطرة، كانت رحلة وعرة شاقة، وسرعان ماصرت مع الأبخرة البيضاء في المدخنة، التحمت بمطر المحرك الهاطل، تضاءل حجمي وأصبحت من الخفة بمكان، فقدت الكثير الكثير من قطراتي).
وهكذا غير حضورها حياتي، فبيتي ذو الرواق المعتم، وآثاثي التي تكوم عليها الغبار.. مُلئت فجأة بالهواء الندي، وضياء الشمس، والأصوات، وأنعكاسات الزرقة الممتزجة باللون الأخضر، وصدى الأصوات المفرحة لمختلف أنواع البشر، كم موجة كانت هناك؟ فقط واحدة، فكيف تهيأ لها أن تصنع شاطئاً، وصخوراً لميناء خلف الحيطان، الصدر والجبهة تتوجهما الرغوة، حتى الأركان المهجورة، والزوايا المغبرة المذلة بحطام الفقر، أصابتها لمعات من لمسات ضوء يديها، بدأت كل الأشياء تتضاحك بأسنانها البراقة، دخلت الشمس المبتهجة أعماق الغرف القديمة، حيث أخذت تمكث ساعات طويلة في مختلف أرجاء البيت، هاجرة البيوت الأخرى، هاجرة كل المنطقة، المدينة، وعموم البلاد. وفي بعض الليالي، تبقى الى أوقات متأخرة، فتأتي النجوم المرتاعة لتراقبها خلسة من خلال أشرعة البيت. إن الحب لعبة، وخلق دائم في منتهى الروعة، كل ذلك كان شاطئاً، ورملا ً، فراشَ نومٍ بملاءات نظيفة، متجددة، لو عانقتها، تنتفخ لك مفتخرة، وتطول بشكل غير معقول، كنسغ سائل ينبعث من قصبة غصن شجرة حور، وحالا ً تبتدىء تلك الزهيرات الخفيفة، بالغة الرقة، في نبعها الأبيض المريش، في برقوق الابتسامة، التي تتناثر فوق رأسي وظهري، مغطية جسدي كله بالأبيض اللامع، أو تتمدد أمامي، أزلية مثل الأفق، حتى أغدو متحولاً أفقا يكتنفه السكون، ممتلئاً ومتلوياً، تغلفني كما الموسيقى أو مثل شفتين ضخمتين، كان وجودها رواحاً ومجيئاً دائماً تتخلله مداعباتها المستمرة، دندناتها، وقبلاتها. منغمراً في مياهها، منقوع الجوربين.. وبلمحة عينيها أطفو عائداً من جديد، في أعلى مراحل الدوار، معلق بشكل غامض، حتى أتساقط مثل حجارة، فأحس نفسي مودعاً بلطف فوق اليابسة بخفة ريشة، لاشيء ممكن مقارنته في النوم وسط تلك النعومة المترقرقة، ثم تصحو كأنما وجهت اليك آلاف الضربات اللذيذة من كرباج ضوئي، أعتداءات تصحبها قهقهات متوالية مستمرة.
لكنني لم أتوصل يوماً الى مستقر كيان وجودها، لم ألمس التعرية الحقيقية لمكامن الموت ومواطن الآلام، ربما تلك التي لم تتمثل في الأمواج، ذلك الموقع السري الذي يجعل من أية امرأة متهالكة ضعيفة، الزر الكهربائي لكافة محاور أجهزة تعشيقها، والاختلاجة التي تعقب غفوة الأغماء الأخيرة، كانت أحاسيسها بالضبط كتلك التي لدى أيّ امرأة، موزعة في مويجات صغيرة، ليست لها مراكز، بل وجودها الحقيقي في لامركزيتها، تنقسم مبتعدة عن مستقرها أغلب الأوقات، لتعود الى الالتحام مجتمعة عند مجرتها ثانية، متمددة بولهٍ في ذلك الالتحام القصي، مع ذبذبات نجوم عوالم نائية، ليس هنالك شك في وجودها، لكن مركزها…. لا، لم يكن لها مركز نهائياً، فقط فراغ مثل قلب الزوبعة، كان يخنقني كل يوم ويمتصني بهدوء.
نتمدد من جانب الى جانب، بقناعات متغيرة دوماً، نتهامس، نبتسم، نتموج، فتتساقط فوق صدري متجلية كنبات مدندن، تغني في أذني، صوت حلزونة صغيرة، شفافة وضئيلة، تتمسك بأقدامي مثل حيوان ضعيف، أمواج هادئة، واضحة، باستطاعتي قراءة كل ما يجول بخاطرها، بعض الليالي، يتغطى جسدها بعطر فسفوري، وعناقها أشبه بعناق قطعة من الليل موشومة بالنار، أحياناً تكون معتمة مرة الطعم ولاذعة، تأتي ساعة تزأر فيها دون توقع، متشكية، متلوية، حتى تصل تأوهاتها الى مسامع جيراننا، فتخدش الريح البحرية أبواب البيت، وثتبات هادرة من صوتها العالي الصاخب، مزمجرة فوق السطوح، تغضبها الأيام الغائمة، فتحطم الآثاث، تتفوه بكلمات مسيئة، تدثرني برغوة خضراء رمادية مهينة، تروح باصقة حينا وباكية أحياناً أخر، مقسمة، تطلق نبوءاتها تجاه القمر، والنجوم، نحو الضياء الأثيري للعوالم الأخرى، ثم سرعان ماتغير طبائعها فتظهر على الحالة الرائعة التي أفضل رؤيتها فيها، لكنها تبقى خطرة كالمد الجارف.
وشيئاً فشيئاً، بدأت تفقد شعورها بالوحدة، بعد أن امتلأ البيت بالحلزونات والقواقع، والقوارب الشراعية الصغيرة التي أخذت تقوم بأغراقها متى ما استبد بها الغضب (سوية مع الآخرين، محملة بالتصورات الغريبة، تترك جبهتي في كل ليلة لتغرق بين زوابعها الخفيفة والهائجة) لا أعلم كم من الكنوز الصغيرة فقدت في ذلك العهد؟ لكن زورقي وأغنية الحلزون الصامتة لم تكونا كافيتين، كان علي أن أتولى أمر المستعمرة السمكية داخل البيت، وأعترف أن الأمر لايخلو من الغيرة وأنا أرقب السمكات حائمة حول صديقتي، يداعبن صدرها، ينمن مابين ساقيها، وينغمرن بتزيين شعرها بوميض الضوء الذي تبعثه طيوف من شتى الألوان.
بين كل تلك السمكات كانت قلة منهن على الأخص تمتاز ببغضها وشراستها، نمور صغيرة في الحوض المائي، بعيونها الواسعة المفتوحة على الدوام، كواسر بأفواه متعطشة للدماء، لا أعرف وفق أي مزاج يبعث اللعب معهن في نفسها الأبتهاج، يعرضن أمامها بوقاحة متناهية ما يعتقدنه مهماً في رأيهن، فيما هو في نظري مدعاة للأهمال والتجاهل، كانت تقضي الساعات الطوال حصراً مع تلك المخلوقات البغيضة. ذات يوم، لم يكن بوسعي السكوت، فتحت الباب وقذفت نفسي منطلقاً إثرهن، لكنهن أنسللن برشاقة شبحية من بين يديّ، بينما راحت تتضاحك وهي تهرس جسدي الى أن اسقطتني، حتى ظننت أنني غارق لامحالة أو على وشك الموت، شحب لوني، فاضطرتْ لتركي بعد فترة عند الجرف وهي تقبلني، لم أفهم شيئاً، كنت تعباناً خائر القوى، ونفسي يتآكلها الأذلال، في الوقت نفسه أغمضت عيني من شدة الأثارة التي داهمتني، كان صوتها عذباً وهي تحدثني عن منتهى اللذة في الموت الجميل، غرقاً، ولكن عندما أتتني الصحوة من جديد، لازمنى الشعور بالخوف حتى صرت أمقتها وأكن لها البغض من كل أعماقي.
لقد أهملت كل شؤوني الأخرى في الفترة الماضية، الآن، بدأت زيارة بعض أصدقائي، مجدداً بعض علاقاتي السابقة الحميمة، وقابلت أحدى حبيباتي القديمات، مُحلفاً إياها أن تصون سري، حكيت لها قصة حياتي مع الموجة، لا يحرك المرأة قدر أمكانية الاحتفاظ برجل، استخدمت لخلاصي كل فنونها، ولكن ماذا بوسع المرأة، سيدة النفوس والأجساد، أن تفعل أمام صديقتي المتغيرة على الدوام – متماثلة ومتحولة باستمرارية تفوق الوصف.
أقبل الشتاء، تغير لون السماء إلى الرمادي، وخيم الضباب فوق المدينة، بدأ الرذاذ النازل في التجمد، فتعالى بكاء صديقتي أغلب الليالي، وقد آثرت أن تعيش في عزلة طوال نهاراتها، تداري أوقات نحسها، متهجئة في تأتأة وهدوء مقاطع مفرداتها، مثل عجوز متذمرة في زاويتها، حيث أصبحت شديدة البرودة، حتى صار النوم الى جوارها يتطلب التعرض للأنجماد والأرتعاش طول الليل، وشيئاً فشيئاً، أخذ يتغير منها، وبشكل عميق، الدم والعظام والأفكار، باتت متمنعة، قلقة، وكنت كثيراً ما أتركها، أهجرها، وأطيل غيابي، فتسكن في ركنها رافعة عقيرتها بنواح عال، تقضم بأسنانها الفولاذية ولسانها المنشاري حواف الجدران، التي كانت أصلاً على وشك الأنهيار، تلومني أطراف الليل وأثناء النهار، وقد تلبسها كابوس من الهذيانات المتصلة، تتضمن شمساً وشطئاناً يغمرها الدفء، حلمت بتغيرات كتل الجليد الهائلة في القطب، أبحرت تحت السماء الزرقاء ساعات الليل لأشهر عديدة، راحت تمعن في أهانتي ولعني وهي تطلق ضحكاتها، ملأت البيت بالقهقهات والأشباح، أستدعت كل وحوش الأعماق، العميان منهم بطيؤو الحركة، والخشنون المسرعون، محملة بشحنات كهربائية، يتفحم كل شيء بعد أن تلمسه، بقوامها الحامضي تتحلل الأشياء الى مكوناتها الأولى حال مرورها، في كل الأمكنة، تحولت عناقاتها الحارة الى حبال خانقة كثيرة العقد، وتحول جسدها الى شرائط مطاطية مخضوضرة، تضرب بسياطها الصلبة من يقف أمامها، تضرب، وتضرب، لذلك وليت هارباً من أمامها، تتابعني ضحكات الأسماك المرعبة وأبتساماتها المفترسة.
هنا في الجبال، بين المنحدرات وأشجار الصنوبر، أشم صفو هذا النسيم العليل مفكراً بانعتاقي، بعد مضي شهر، قفلت عائداً، متخذاً قراري، كان المكان بارداً جداً على رخام المدخنة، بعد خمود النار، وجدت تمثال الثلج هناك، حيث لم يعد لجمالها المرهق تأثيره أو سحره السابق في نفسي، حشرتها في كيس واسع من الجنفاص، وخرجت الى الشارع حاملاً إياها على كتفي أثناء سباتها، قمت ببيعها الى نادل من أصدقائي يشتغل في مطعم بعيد عند الضواحي، سارع بتقطيعها في الحال الى أوصال صغيرة، ثم تركها ثلجاً مضاعاً في الأسطل التي يستعملها لتبريد القناني وأواني الشرب.

ﺷﺎﻋﺮ ﻭﺃﺩﻳﺐ ﻭﺳﻴﺎﺳﻲ ﻣﻜﺴﻴﻜﻲ

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة