دبلن تحت المطر

14808824_1587819017910335_761067435_o (2)

 

• تأليف : فرود غريتّن
• ترجمة : سالم علي

في اللحظة التي قررتُ فيها الإيواء الى السرير، رنّ التلفون . كنتُ قد رتبت البيت وأطفأت الأضوية في غرفة الاستقبال ، وتركت فقط التلفزيون مفتوحاً ليغسل الغرفة بوهج أزرق. التقطت التلفون بعد الرنّة الأولى ، خشية أن تستيقظ العائلة.
لم أسمع صوتاً من الجانب الآخر ، سوى خشخشة التلفون وحفيف الريح الناعم.
قلت : “نعم ، من يتكلم ؟”
لاجواب . وخطر لي أنهم ربما كانوا لصوصاً ، يتصلون للتأكد من وجود أحد في البيت أم لا.
وسألت : “من هذا ؟”
لكن لا جواب هذة المرة أيضاً . اخفضت صوت التلفزيون بالريموت . وخيّل لي أني سمعتُ صوت أنفاس . كانت أنفاساً خافتة تصدر من فم قريب جداً من سماعة التلفون في الجانب الآخر. لكني كنت في شك من أمرها ، حقيقة هي أم خيال ، أم مجرد خشخشة في الخط.
قلت : “سأقفل الخط الآن” ، ولبثت واقفة في مكاني.
انتظرت وأذني متحفزة لسماع أقل نأمة. كان التلفزيون يعرض فيلماً إعلانياً يصور نحلة تحط على زهرة ، ثم سيارة تسير عبر إحدى الصحارى ، وعارضة أزياء بشعر طويل أشقر تسير على منصة لعرض الأزياء. كانت جميع اللقطات تتحرك ببطء مع قطعات سريعة.
بدت لي مشاهدة الإعلان التلفزيوني دون صوت شيء يبعث على الأستغراب. لقد رأيت هذا الإعلان آلاف المرات وأعرف بالضبط ماذا سيقولون أويفعلون ، كنتُ أستطيع قراءة الكلمات على شفاههم رغم غياب الصوت.
قلت : “سأغلق الخط”.
لكني عندما هممت بغلق الخط فعلاً سمعت صوتاً مألوفاً.
قال الصوت : “هذا أنا”.
قلت : “يا إلهي لقد أخفتني . من أي مكان تتصل ؟”
سألني : “ألا تستطيعين الكلام ؟”
قلت : “بلى أستطيع . زوجي نائم . نوبة عمله في النهار وذهب لينام مبكراً . كنت أشاهد فيلماً في التلفزيون ، وأطالع صحيفة”.
سألني : “كيف حالك ؟”
كان يتحدث بصوت خفيض يشوبة الغموض ، وكأنه ينبعث من مكان سحيق .
قلت : “لاأدري ، كالعادة ، وأنت ؟”
قال : “لاأدري ، كالعادة” .
وضحكنا ..
– “كيف كانت السفرة ؟”
– “جيدة . جيدة جداً”.
حل بيننا صمت ، لم يبدده أي منا . لكني كنت أسمع حفيف الريح وأتخيل نبضات الهاتف وهي تسري في الأسلاك عبر المسافات الممتدة من دبلن الى هنا .
– “أين تسكن ؟”
– “في فندق يُدعى فنبار”.
– “كيف تجده ؟”
– “مكب نفايات . مكب نفايات حقيقي . لو ترينه ستنكريه”.
– “هل تطل نافذتك على منظر ؟”
– “نعم”.
– “قل لي ماذا ترى الآن ؟”
– “أوه … إنها دبلن القذرة العجوز . أمامي نهر ، وكذلك رصيف السفن . ومحطة كنغزبردج . وثمة عاشقان تحت مظلة . إنها تمطر . تمطر كما هو شأن سماء دبلن دائماً”.
قلت : “أنا أحب الفنادق . إنها عامرة بالحياة”.
– “لكني لا أعتقد إنك ستحبين هذ الفندق”.
تخليته في غرفة فندقه في دبلن ، يقف بجانب النافذة . وخيوط المطر تسيل على الزجاج . وفي الخارج تتنفس دبلن الغامضة ، بروائحها الغريبة ورنين أصواتها المختلفة . تمنيت أن أكون معه هناك ، لأمسك بيده وأخرجه من غرفته وأنزل به الى ردهة الفندق ، ومنها الى المدينة ، الى دبلن الغافية تحت المطر .
قلت : ” لقد أشتقت اليك” .
لم يجب . وفي هذة اللحظة بدأ التلفزيون يعرض مسلسلاً جديداً . مجموعة من سيارات الشرطة تطارد سيارة فورد فضية مهشمة النوافذ ومبعّجة .
ظل صامتاً .
– “قل شيئاً ، أرجوك ، لاتظل صامتاً هكذا …”
أجاب : “لا أدري ماأقول” ثم سكت .
ند عن غرفة الأطفال صوت سعال. ثم سمعت جارنا الساكن فوقنا يجرجر قدمية على أرضية شقته ، وصوت سيارة في الشارع تبتعد مسرعة .
قال أخيراً : “أتعلمين ، عندما غادرتُ ذلك الصباح ، شممت رائحتك على يدي …”
جلستُ على الكرسي الموجود بجانب التلفون ، ونقلتُ السماعة من يسراي إلى يمناي ، وتناهى إليّ صوت أنفاسي اللاهثة ، كان يحدثني عن سفره في طائرة تغص برجال الأعمال ، قال : “عندما جلست هناك ، كانت رائحتك تنبعث من كفّي ، كل تفاصيلك ، شعرك ، عطرك ، جلدك …” ثم أمسك عن الكلام . أردتُ أن أقول شيئاً ، أي شيء ، لكني لم أجد ما أقول .
قال : “مازلتِ هناك ؟”
قلت: “نعم”.
– “طوال الطريق المؤدي الى فندق فنبار ظلت رائحتك تفوح مني”.
بلعت ريقي ، وسحبتُ نفساً عميقاً .
– “ثم نزلت الى المدينة ، وسرت تحت المطر . وشيئاً فشيئاً بدأت رائحتك تختفي” .
سألته : “والآن؟”
– “الآن أستطيع فقط شم رائحة المطر ، رائحة الدخان ورائحة أكلة السمك والبطاطا”.
قلت : “أفتقدك . أريدك أن تعود”.
قال : “لن أعود . لا أستطيع”.
– “كيف ذلك ؟”
– “لقد فات الأوان”.
حدقت بالتلفزيون ، ورحت أبدل القنوات بالريموت كمن في غيبوبة . على الشاشة رجل يقبل إمرأة ثم يطوق أحدهما الآخر ويختفيان في شارع ماطر كثيف
الضباب .
قال من الطرف الآخر لخط التلفون : “ليلة سعيدة”.
قلت : “ليلة سعيدة”.
لكن لم يجرؤ أي منا على غلق الخط . ومكثنا كل في مكانه ، مصغين لصفير الخط ، مصغين لصمتينا.
قلت : “لا تقفل السكة”.
ثم انقطع الإتصال .
لبثتُ جالسة في مكاني ، لاحظت أن قلبي كان يدق بعنف ، وسمعتُ أحداً ما يفتح صنبور الماء في الطابق الأعلى. كان بإمكاني سماع صوت الماء بوضوح حتى من مكاني هنا في الطابق الأرضي . نهضتُ لأطفيء التلفزيون ، لكني سمعت التلفون يرن للمرة الثاني .
رفعت السماعة .
قلت : ” نعم”.
وأجابني الصمت .
سألته هل هذا أنت يا حبيبي .
لا جواب ، غير صفير الخط الأثيري نفسه .
قلتُ : “لا تقفل الخط هذة المرة ، أرجوك ، لا تقفله …”
قال : “أردت فقط أن .. أنا …”
وأمسك عن الكلام ، ثم قال : “اذهبي الى النافذة”.
سألته : “ماذا؟”
وكرر قوله : “اذهبي الى النافذة . هل يسمح لك سلك التلفون بالحديث قرب النافذة ؟”
سألته : “لماذا ؟”
– “فقط نفذي ما أقول ، هل السلك طويل ؟”
قلت : “سأرى إن كان بوسعي فعل ذلك”.
كان طول السلك يكفي للوقوف بجانب النافذة ، فوقفت حاملة التلفون بيد والسماعة باليد الأخرى ، ورأيت وجهي منعكساً على الزجاج ، يغطيه وهج التلفزيون الأزرق .
قال : “افتحي أحد المصابيح . أريد أن أرى وجهك”.
– “أين أنت يا عزيزي ؟”
– “فقط افعلي ما أقول . اضيئي المصباح . أريد أن أراك”
وأضئتُ أحد المصابيح الأرضية .
سألته : ” أين أنت ؟”
– “الآن أستطيع رؤيتكِ”.
– “أين أنت ؟”
– “في سيارة واقفة في المرآب”.
قلت : “هذا غير ممكن . أنت تمزح”.
قال : لست مازحاً . أنا جالس في سيارة تقف خارج البناية . وأستطيع الآن رؤيتك”.
– “لا أصدقكَ أنت غير موجود هنا. أنت في فندق فنبار في دبلن”.
– “عدتُ بالأمس . عدت لأراك . كدت أجن في فندق فنبار”.
ثم حل الصمت .
بعدها قال : “أتدرين إني كنت أتبعك طوال اليوم”.
– “غير معقول . لا أصدقك . أنت غير موجود هنا . غير موجود هنا”.
قال : “لوحي لي بيدك”.
حدقت في الظلام بقوة . لكني لم أرَ شيئاً غير أودا الغارقة في العتمة ، وأنوار مصابيح الشارع الصفراء ، ووجهي المنعكس على زجاج النافذة .
لكني لاحظت شبح رجل . ولم يكن ذلك الشبح سوى جارنا الذي خرج ليدخن وينظر الى السماء .
قلت : “أنت غير موجود هنا”.
– “أنا هنا”.
– “أثبت ذلك”.
– “لقد ذهبتِ اليوم إلى طبيب الأسنان ، ثم إلى مقهى دوموس”.
قلت : “آه … يا إلهي ، يا إلهي، يا إلهي …”
رفعت له يدي ولوحت.
قال : “أستطيع أن أراك تلوحين”.
وواصلتُ بيدي التلويح إلى صورته النابتة وسط العتمة .
قال : “أتعلمين بأن ذراعيك تلك تذكرانني بالمطعم الذي شهد لقائنا الأول”.
قلت : “نعم أذكر ، وكيف أنسى”.
قال : “أتذكر الآن وهج شمس الخريف ، أتذكر كنزتك الصوفية ، تلك الرمادية ، القصيرة الأكمام ، هل تعرفينها ؟ لقد عشقت ذراعيك ، وهما يسترخيان على قماش الطاولة الأبيض ، ذراعيك الجميلتين المكسوتين بالزغب الناعم”.
ملتُ برأسي نحو النافذة ، وشعرت ببرودة الزجاج على جبيني الساخن .. كان بوسعي الوقوف على هذا النحو حتى الأغماء ، حتى السقوط والغياب في الهاوية.
– “اريني ذراعيك ، ياحبيبتي !”
لم أدرِ ما أفعل . وضعت التلفون على حافة النافذة ، ورفعت ذراعي أمام نافذة الليل المُعبأة بالصمت والظلمة ، ولبثت على حالي تلك زمناً لا أعرف طوله..
وأخيراً أنزلت ذراعيّ ، والتقطتُ سماعة التلفون ثانية ، سألته : “أين أنت؟ لا أستطيع رؤيتك”.
لم يجب . أطفأتُ النور والتلفزيون ، فغرقت غرفة الاستقبال حالاً في الظلام ، رغم ذلك عجزت عن رؤيته .
قلت : “اخرج من السيارة . أاخرج من السيارة حتى أراك ياحبيبي”.
لكنه لم يجب .. وخشيت أن يغلق الخط ثانية ، سمعت الأطفال يسعلون ، وصوت النبضات وهي تطرق بعنف داخل عروقي . كدتُ أفقد توازني ، وسقطتْ بالفعل سماعة التلفون من يدي ، راحت تتدلى من حافة النافذة ، مهتزة كالرقاص جيئة وذهاباً في الفضاء المظلم . وظل صوته يراودني وكأنه قادم من عمق سحيق .
كان يقول : “اخرجي وقابليني ، اخرجي وقابليني”.

كاتب من النرويج

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة