زهرة صفراء

14808824_1587819017910335_761067435_o

 

• تأليف : خوليو كورتاثار
• ترجمة : يحيى حمداي

يبدو الأمر أشبه بمزحة، لكننا خالدون. أعرف ذلك باختبار العكس، أعرفه لأني أعرف الفاني الوحيد. روى لي قصته في حانة بشارع كامبرون، كان ثملا بحيث لم يكن قول الحقيقة ليكلفه شيئاً رغم أن صاحب الحانة والزبائن المسنين على الكونتوار ضحكوا حتى خرج النبيذ من عيونهم. وبالنسبة لي، فلا بد أنه لمح على وجهي أثر اهتمام ما، لأنه تكدس عليّ بثقة، فانتهينا بأن سمحنا لنفسينا، بطرف طاولة الركن التي تتيح الشرب والحديث في سلام. روى لي بأنه كان متقاعدا من البلدية وبأن زوجته ذهبت مع والديها لفترة معينة، كانت تلك طريقة من عدة طرق يقبل بها بأنها هجرته. لم يكن شيخا البتة ولا جاهلا أبدا، بوجه نحيل وعينين مسلولتين. كان للحقيقة يشرب لينسى، وقد أعلن ذلك انطلاقاً من الكأس الخامسة من النبيذ الأحمر. لم أشم منه تلك الرائحة التي هي نمط باريس غير أنه ما إن بدا وحيداً حتى شرعنا نشم الغرباء. كان يعتني بأظافره، وكان رأسه خالياً تماماً من القشرة.
روى بأنه في حافلة من الخط 955 كان قد رأى طفلاً في عمر الثالثة عشر تقريباً، وبعد برهة من مشاهدته اكتشف بأن الطفل كان يشبهه كثيراً، أو أنه كان على الأقل يشبه الذكرى التي يحتفظ بها عن نفسه عندما كان في تلك السن. وشيئاً فشيئاً راح يقبل بأنه يشبهه في كل شيء، في الوجه، واليدين، وخصلة الشعر المنسدلة على الجبهة، والعينين المتباعدتين كثيرا، ثم في الخجل إضافة إلى ذلك، في طريقة الاحتماء بمجلة حكايات، وحركة إعادة الشعر إلى الخلف، والبطء الذي لا خلاص منه في الحركات. كان يشبهه إلى الحد الذي كاد عنده يفلت قهقهة، غير أنه عندما نزل الطفل في شارع رين نزل هو كذلك تاركا صديقا له ينتظره في مونبرناس. بحث عن عذر ليكلم الطفل، سأله عن أحد الشوارع فسمع، دون أن يثير ذلك دهشته بعد، صوتاً كان صوته أيام الطفولة. وعند هذا الحد وقع عليه ما يشبه الإشراقة. لا شيء مُفسَّراً غير أنه في غنىً عن التفسير، فقد كان يتحول إلى غامض أو غبي حين يتم السعي ―كما هو الأمر الآن― إلى شرحه.
وبإيجاز، فقد تدبر أمر معرفة بيت الطفل، وبالمقام الذي يمنحه إياه ماضيه كمدرب كشفية، شق طريقه إلى حصن الحصون ذاك، إلى ذلك البيت الفرنسي. عثر على بؤس عفيف، وأمّ خط الشيب شعرها، وخال متقاعد، وقِطَّين. وبعد ذلك لم يكلفه عناء كبيراً أن سمح له أخوه باصطحاب ابنه الذي يشرف على إتمام السنة الرابع عشرة من عمره، فصار الطفلان صديقين. شرع في زيارة بيت لوك كل أسبوع؛ كانت الأم تستقبله بقهوة أعيد تسخينها، وكانا يتكلمان عن الحرب، والاستعمار، وعن لوك كذلك. وراح ما بدأ كإشراقة يأخذ ترتيباً هندسياً، راح يأخذ ذلك المظهر البرهاني الذي يحلو للناس تسميته حتمية. كان علاوة على ذلك ممكنا صياغته ضمن كلمات يومية: كان لوك هو مكرراً، لم يكن ثمة فناء، كنا كلنا خالدون.
―الجميع خالدون، أيها الشيخ. انتبه، لا أحد تمكن من اختبار ذلك غير أن الحظ اختارني أنا في إحدى رحلات خط 95. خلل صغير في النظام، طية في الزمن، تغير آني بدل التعاقبي، فقد كان يجب أن يولد لوك بعد مماتي، وبدل ذلك… دون احتساب الصدفة الغرائبية للقائي به في الحافلة. أظن أني سبق وأن قلته لك، كان ذلك نوعا من اليقين التام، بلا كلمات. كان ذلك وانتهى الأمر. لكن بعد ذلك بدأت الشكوك، لأنه في تلك الحالات، يعامل المرء كأبله أو يلجأ لتناول المهدئات. وإضافة إلى الشكوك، عن طريق تصفيتها واحدا تلو الآخر، البراهين على أني لم أكن مخطئا، على أنني لم أكن محقا عندما ساورني الشك. إن ما سأقوله الآن هو ما يثير أكبر قدر من الضحك لدى أولئك الأغبياء، عندما يخطر لي أحياناً أن أرويه لهم. لم يكن لوك أنا مكرراً فحسب، بل إنه سيكون مثلي، مثل هذا الشقي المسكين الذي يتحدث إليك. ما إن يراه المرء يلعب، يقع دائماً وقوعاً سيئاً، بحيث تلتوي قدمه، أو تخلع ترقوته، تلك الأحاسيس المرهفة، تلك الحمرة التي تعلو وجهه بمجرد ما يسأله أحد سؤالا ما. أما الأم، بالمقابل، فكم يسرها الحديث، كيف يروون للمرء أي شيء رغم أن الطفل هناك يموت من الخجل، الأشياء الحميمية الأكثر إثارة للدهشة، طرائف الظهور الأول للأسنان، رسوم سن الثامنة، الأمراض… لم تكن السيدة الطيبة تشك في شيء، بالطبع، وكان الخال يلعب معي الشطرنج، كنت أشْبَهَ بفرد من العائلة، حتى أني دفعت لهم مالاً يمكنهم من بلوغ نهاية الشهر. لم تكلفني معرفة ماضي لوك أي عناء، كان يكفي أن أدرج أسئلة ضمن المواضيع التي تهم العجوزين: روماتيزم الخال، وشرور البوابة، والسياسة. وهكذا رحت أتعرف على ماضي لوك بين تعريض الشاه للخطر والانطباعات حول ثمن اللحم، وهكذا راحت البرهنة تتم بصورتها الأكثر يقينا. لكن افهمني، بينما نطلب كأسا أخرى: لقد كان لوك أنا، كان من كنته أنا عندما كنت طفلا، لكن لا تتصوره نسخة مأخوذة بالاعتماد على الورق الشفاف؛ بل هو بالأحرى صورة مشابهة، افهم، يعني ذلك أنه بينما خُلع معصمي أنا في عمر السابعة فقد خُلعت ترقوة لوك في نفس العمر، وفي التاسعة أصبنا على التوالي بالحصبة والحمى القرمزية، وإضافة إلى ذلك فقد كان التاريخ يتدخل، أيها الشيخ، فأنا لازمتني الحصبة خمسة عشر يوما، بينما عولج لوك في اليوم الرابع، تقدم الطب وأشياء من أسلوب الحياة. كان كل شيء متشابها ولذلك، لإعطاء مثال عن الحالة، فقد يحدث أن يكون خباز المنعطف تجسدا لروح نابوليون، وهو لا يعرف ذلك لأن النظام لم يصب بخلل، لأن الفرصة لم تتح له أبدا لمجابهة الحقيقة في حافلة؛ لكنه إذا توصل إلى معرفة هذه الحقيقة بشكل من الأشكال، فسيمكنه الفهم بأنه تكرر وبأنه يكرر نابوليون، بأن العبور من منظف صحون إلى مالك مخبزة جيدة في مونبرناس هو الصورة نفسها للقفز من كورسيكا إلى عرش فرنسا، وبأنه بالحفر البطيء في تاريخ حياته سيجد اللحظات المكافئة للحملة على مصر، ولحكومة القناصل ولمعركة أوسترليتز، حتى أنه قد يعرف بأن شيئا سيحدث لمخبزته في غضون سنوات، وبأنه سينتهي في “سانتا هيلينا” ما، التي قد تكون شقة صغيرة في طابق سادس، غير أنه مهزوم أيضاً، ومحاط بماء الوحدة، وفخور كذلك بمخبزته التي كانت كطيران العقبان. هل فهمت يا سيدي، هل فهمت؟
كنت قد فهمت، لكني كنت أرى أننا أصبنا جميعا في الطفولة بأمراض نموذجية في مواعيد ثابتة، وبأننا جميعا تقريبا كسرنا عضوا ما من أعضائنا ونحن نلعب كرة القدم.
―أعرف، فلم أحدثك سوى عن الصدف التي يمكن رؤيتها. مثلا، فأن يشبهني لوك ليس أمرا ذا أهمية كبيرة، رغم أنه كان مهما لإشراقة الحافلة. ما كان مهما حقيقة هو التداعيات، وذلك يصعب تفسيره لأنه يهم السلوك، يهم ذكريات غير دقيقة، حكايات الطفولة. في ذلك الوقت، أقصد عندما كنت بعمر لوك، مررت بفترة قاسية بدأت بمرض لا نهاية له، وبعد ذلك، قبل أن أتم فترة نقاهتي، ذهبت للعب مع الأصدقاء فكُسرت أحدى ذراعيّ، وبمجرد ما تعافيت من ذلك وقعت في حب أخت تلميذ من صفي فعانيت كما يعاني أي شخص عاجز عن النظر إلى عيني فتاة تسخر من أحدهم. مرض لوك كذلك، وبمجرد تعافيه دعوه إلى السيرك وأثناء نزوله السلالم انزلق فخلع ساقه. وبعد ذلك بفترة وجيزة، فاجأته أمه يبكي بجانب النافذة، بمنديل صغير أزرق في يده، منديل ليس من مناديل البيت.
وكما لو أنه كان على أحد ما أن يلعب دور المعارض في هذه الحياة، قلت بأن مغامرات الحب الطفولي كانت المتمم الذي لا يمكن تفاديه للرضوض والتهابات غشاء الرئة. لكني قبلت بأن ما يتعلق بالطائرة كان شيئا مختلفا. طائرة بمروحة نابض، أتى بها هو لأجل عيد ميلاد الطفل.
―عندما أعطيتها له تذكرت مرة أخرى لعبة البناء التي كانت أمي قد أهدتني إياها عندما كان عمري أربع عشرة سنة، وتذكرت ما حصل لي. حدث أني كنت في الحديقة، رغم أن عاصفة صيفية كانت قادمة، وكانت الرعود قد صارت تبلغ الأسماع، ورحت أبني رافعة على طاولة السقيفة، بالقرب من الباب المفضي إلى الخارج. ناداني أحد ما من البيت، وكان علي الدخول لدقيقة. عندما عدت، كانت علبة اللعبة قد اختفت، وكان الباب مفتوحا. ركضت، وأنا أصرخ يائسا، إلى الشارع حيث لم يعد بالإمكان رؤية أي أحد، وفي نفس تلك اللحظة وقعت صاعقة على الشاليه المقابل. وقع كل ذلك كما لو في حركة واحدة، وكنتُ أتذكر ذلك وأنا أعطي لوك الطائرة، وبقي هو ينظر إليها بنفس السعادة التي نظرت بها أنا إلى لعبة البناء. جاءت الأم وفي يدها فنجانا من القهوة لي، وكنا نتبادل الجمل المعتادة عندما سمعنا صرخة. كان لوك قد جرى إلى النافذة كما لو أنه سيقذف بنفسه إلى الفراغ. كان وجهه أبيض وعيناه مغرورقتان بالدموع. تمكن من أن يتمتم بأن الطائرة انحرفت أثناء طيرانها، فمرت بالتحديد عبر فراغ النافذة نصف المفتوحة. “لن أراها ثانية، لن أراها ثانية” كان يردد باكيا. وسمعنا صراخا في الأسفل، دخل الخال جريا ليعلن بأن حريقا شب في البيت المقابل. هل تفهم الآن؟ أجل، من الأفضل أن نتناول كأسا أخرى.
وبعد ذلك، وبما أنني بقيت صامتا، قال الرجل بأنه كان قد شرع في التفكير فقط في لوك، في حظ لوك. كانت أمه قد وجهته إلى مدرسة للفنون والحِرَف، لينفتح أمامه بتواضع ما كانت هي تسميه طريقه في الحياة، لكن ذلك الطريق كان مفتوحاً مسبقا وكان يمكنه هو فقط، هو الذي لم يكن بإمكانه الحديث دون أن يعتبروه أحمقاً أو يحولوا بينه وبين لوك بصفة نهائية، أن يقول للأم وللخال بأن كل شيء كان بلا جدوى، بأن لا شيء سيفعلانه سيغير من النتيجة التي ستبقى هي نفسها، الخزي، والرتابة التي تدعو إلى الرثاء، والسنوات الرتيبة، والخيبات التي تقرض الثياب والروح، والاحتماء بوحدة مؤلمة في حانة الحي. لكن أسوأ شيء لم يكن مصير لوك؛ كان الأسوأ أن لوك سيموت بدوره وسيمثل رجل آخر صورة لوك وصورته الخاصة، إلى حين موته ليدخل رجل آخر بدوره إلى العجلة. لم يعد لوك يهمه تقريبا؛ في الليل، كان أرقه يسقط أبعد، على لوك آخر، على آخرين قد تكون أسماؤهم روبيرت أو كلود أو ميشيل، نظرية لا نهائية من شياطين مسكينة تكرر الصورة دون علم منها، مقتنعة بحريتها واختيارها. كان نبيذ الرجل حزيناً، لم يكن ثمة شيء يمكن فعله لأجله.
―الآن يسخرون مني عندما أقول لهم بأن لوك مات بعد بضعة أشهر، إنهم أغبياء بما يكفي كي لا يفهموا بأن… نعم، لا تشرع يا سيدي أنت أيضاً في النظر إليّ بتينك العينين. مات بعد بضعة أشهر، ابتدأ الأمر بنوع من الالتهاب الشُّعَبيّ، كذلك كنت أنا قد أصبت في نفس ذاك العمر بالتهاب الكبد. أنا كانوا قد أخضعوني للعناية بالمستشفى، أما أم لوك فقد تجشمت عناء رعايته بالبيت، وكنت أذهب إلى هناك كل يوم تقريبا، وبين الفينة والأخرى اصطحب ابن أخي ليلعب مع لوك. كان ثمة ما يكفي من البؤس في ذاك البيت لتصير زياراتي عزاء بكل ما للكلمة من معنى، صحبة لوك، علبة الرنكة أو الحلوى الدمشقية. لقد اعتادوا على أن أتكلف أنا بشراء الأدوية، بعد أن حدثتهم عن صيدلية يبيعونني فيها الدواء بأثمان تفضيلية. انتهوا إلى قبولي كممرض للوك، ولا بد أنك تتصور أنه في بيت كذاك، حيث يدخل الطبيب ويخرج دون أي اهتمام، لا أحد ينتبه كثيرا إلى ما إذا كانت الأعراض النهائية تتطابق كليا مع التشخيص الأولي… لمَ تنظر إلي هكذا؟ هل قلت شيئا في غير محله؟
لم يكن قد قال شيئا في غير محله أبدا، خصوصا بالنظر إلى كمية النبيذ التي كان قد شربها لحد تلك اللحظة. بالعكس تماما، إلا إذا استثنينا كون اعتبار أن موت لوك المسكين كان قد جاء للبرهنة على أنه مهما كان حيز الخيال فسيحا فقد يبدأ وهْماً في حافلة 95 وينهيه بجانب سرير يُحتضر فيه طفل بصمت، إلا إذا استثنينا كون ذلك أمراً مريعاً. قلت له ذلك لطمأنته. بقي ينظر للحظة إلى الهواء قبل أن يعود إلى الكلام.
―حسناً، كما تشاء. والحقيقة أنه في تلك الأسابيع التي تلت الدفن أحسست لأول مرة بشيء يمكن أن يكون شبيها بالسعادة. كنت لا أزال بين حين وآخر أذهب لزيارة أم لوك، كنت أذهب إليها بعلبة بسكويت، لكني لم أعد أهتم كثيراً لا بها ولا بالبيت، كنت أشْبَهَ بغريق في بحر يقين عجائبي بكوني أول شخص فانٍ، بإحساسي بأن حياتي تُستهلك يوما بعد يوم، نبيذا بعد نبيذ، وبأنها ستنتهي في الأخير في أي مكان وفي أي ساعة، معيدة بذلك حتى النهاية مصير شخص ما غير معروف مات، الله وحده يعلم متى وأين، غير أنه بالنسبة لي أنا فأعرف بأني سأموت بالفعل، بلا أي لوك آخر يدخل في العجلة ليعيد ببلاهة حياتي البلهاء. اِفهم ذاك الكمال، أيها الشيخ، واحسدني على كل هذه السعادة ما دامت.
لأنه، على ما يبدو، لم تكن قد دامت. تُبين ذلك الحانة والنبيذ الرخيص، وتينك العينان حيث تشع حمى لم تكن للجسد. غير أنه كان قد عاش بضعة شهور يتذوق كل لحظة من رداءته اليومية، من فشل حياته الزوجية، من فوضى حياته في عمر الخمسين، وبالتأكيد من فنائه غير القابل للتعديل. ذات مساء، وهو يعبر اللوكسومبورغ، شاهد زهرة.
―كانت على حافة أحد البساتين، كانت أي زهرة صفراء. كنت قد توقفت لإشعال سيجارة ورحت أستمتع بمشاهدتها. وكان الأمر كما لو أنها كانت هي كذلك تنظر إليّ، تلك اللقاءات، أحيانا… أنت تعرف يا سيدي، يشعر بها أي فرد، ذلك الذي يسمونه جمالاً. كان ذلك تماماً، كانت الزهرة جميلة، كانت جميلة جدا. وقد كنت مُدانا، كنت سأموت في يوم ما إلى الأبد. كانت الزهرة رائعة، ستكون ثمة زهور جميلة دائما لرجال المستقبل. فجأة فهمت العدم، ذلك الذي كنت أعتقد بأنه يعني السلام، نهاية السلسلة. أنا كنت سأموت، ولوك كان قد مات بالفعل. لن يكون هناك زهرة بعد لشخص مثلنا، لن يكون هناك شيء، لا شيء مطلقا، والعدم هو ذاك، ألا تكون هناك زهرة بعد أبداً. أحرق الفوسفور المشتعل أصابعي. في الساحة قفزت إلى حافلة ذاهبة إلى أي مكان ورحت أنظر بشكل غير معقول، أنظر إلى كل ما كنت أشاهده في الشارع وكل ما كان في الحافلة. وعندما بلغنا المحطة الأخيرة نزلت وصعدت إلى حافلة أخرى كانت تحمل أشخاصاً من الضواحي. خلال كل المساء، وحتى خيم الظلام، نزلت من حافلات وصعدت إلى أخرى وأنا أفكر في الزهرة وفي لوك، أبحث بين الركاب عن شخص يشبه لوك، عن شخص يشبهني أنا او لوك، عن شخص يحتمل أن يكون أنا مرة أخرى، عن شخص يمكنني النظر إليه وأنا أعرف بأنه أنا، وأتركه بعد ذلك يذهب دون أن أقول له شيئاً، حامياً إياه تقريبا حتى يتابع حياته البائسة البلهاء، حياته الحمقاء الفاشلة نحو حياة أخرى حمقاء فاشلة نحو أخرى…
دفعت الثمن.

مفكر وأديب أرجنتيني.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة