الرئيسية / احدث التدوينات / قَصِيدةٌ واحِدة إِلى الخَلْفْ

قَصِيدةٌ واحِدة إِلى الخَلْفْ

210950_0

       مجنون، متشائم، ومع ذلك يطلق نكاته بدقة متناهية، أصابت إحداها كأس العصير، لولا القدر الذي يتدخل دوماً في ما لا يعنيه. هذا الإنسان بالإضافة إلى غموضه المعلوم من الدين بالضرورة؛ فهو خجول، حتى إنه يحاول إخفاء لحيته، وهي في الواقع ليست لحية تماماً، لأنه بقليل من التركيز، يمكنكِ ملاحظة أنها مجرد تسعة عشر شُعَيرة جمعتها الصدفة، لكنها كثة على أيّةِ حال. هذا الشخص جالسٌ أمامكِ الآن، يُفرقع أصابعه على إيقاع أغنية بوب مارلي “could you be loved”، التي تعزفينها الآن على الجيتار، يتنقل بابتسامته بين شفتيكِ، و أناملكِ. أنت تجلسين أمام هذا الشخص الآن، لكنه لا يوافقني الرأي، إنه يعتقد أن العالم الخارجي مجرد تبدي لما يعتمل في القلب، بقدر ما يكون الإنسان عاشقاً؛ يتجلى له العالم الخارجي أكبر، وأجمل، لذلك فأنتِ لستِ جالسة أمامه، إنما داخله، لكنه لا يجرؤ أن يقول لكِ ذلك، إنه فقط يقول لكِ أنكِ مثل الله، موجودةٌ في كل مكان.

     من الغريب أنكِ لا تشعرين بالفزع أمام هذا الشخص. تدندنين قليلاً، يثرثر هو قليلاً، وعندما تلتقي أعينكما يُصاب بالتوتر، يفتعل العطش، يتناول قارورة الماء، ليدلق جرعتين من الماء والعشق في جوفه ، يتنحنح خجلاً، يقرأ قصيدة، لكنه لا يكترث لتعليقك، ولا لتصفيق الفتاتان الجالستان على مسافة عطر، بل يسألكِ:

      ـ إذاً ما اسمه ؟

      ويشير بحركة خفيفة من ذقنه نحوه.

      فتقولين باستغراب:  ماذا؟ ، ألا يوجد ثمة شبه بينه والجيتارات؟

     ـ في الواقع فقد بدا لي أن علاقتكِ به أعمق من مجرد علاقة عازفة بجيتار، فظننت أنكِ ربما تعتبرينه حيواناً أليفاً، و خمنتُ أنكِ تُسمينه اسماً جميلاً.

      تندهشين لهاتِه الفكرة، تنظرين إلى الجيتار، المتكئ على الطاولة التي تفصل بينكما، تتناولينه، تمررين أناملك على أوتاره، بدون فكرة محددة، فيصدر صوتاً كما لو يعجبه الامر، ويستتبع ذلك الشخص، ذلك الغريب :

      ـ لو أنك سألتِني ربما اقترحتُ عليكِ اسم “جيتو” … أو “ريتو” ، أو “إيتو” ربما

      ـ حسناً، هذا كل ما لدي، فأنا لا أحمل شهادة جامعية في إطلاق الأسماء. تبتسمين، وأنت لا تدرين أنك بذلك تلونين المكان من حوله، لا تدرين أن ابتسامتك تُحِيل كرسيه إلى أرجوحة، لكنك تقولين له أن (ريتو) يليق بجيتارك.

      لا أحد يعلم لماذا تجلسين مع هذا الشخص الغريب، ولا منذ كم من الأغنيات والقصائد أنتما هنا، وربما لا تدرين أنتِ أيضاً، لكنكِ بكل تأكيد تجلسين هنا، أمامه، وهو أيضاً، هادئاً، كنارٍ في معبدٍ مجوسيّ، كصوفيٍّ اختلى بالله. لكنه لا يوافق على أنك تجلسين أمامه، إنه يعتبركِ موجودة داخله فحسب، وأنه يتواصل معك عبر أغنيات عثمان ألمو، والزنجبارية بي كي دودي، وماريام ماكيبا. ولكن ليس ذلك ما يجعله غريباً، إنه غريب بذاته، وربما تذكرين ما حدث قبل أغنيتين وقصيدة، لا تذكرين؟. حسناً ، إليكِ ما حدث.

       كُنتِ أنتِ تذوبين رويداً رويداً، في أغنية بوب مارلي “I wanna love you”، التي طلب منكِ عزفها، وللدقة فقد ذُبتِ تماماً، وما تبقى منكِ كان أكثر شفافةً من زجاج النافذة الوحيدة للمكان، وأرقّ من زجاج كأس العصير، الذي تغير لونه بسبب الموسيقى، وبحيث كان بإمكان ذلك الغريب أن يرى الأشياء من خلالك بوضوح، كان المكان يتخلّق في علاقة طردية مع الموسيقى، وبدأت تظهر في فضاء المكان كائنات يُفترض أن الله لم يخلقها بعد، كَحَمَامِ البحر. وبدون سابق إنذار، قام الغريب، وهبط إلى الطابق الأرضي، وعاد ومعه كأسي عصير، توجه إلى فتاة كانت تجلس وحدها في ركنٍ قصي، وضع الكأسين على طاولتها، ثم توجه إلى شاب كان يجلس وحده، تحدث معه قليلاً، ثم عاد وجلس أمامكِ، كما لو أن شيئا لم يكن، لكنه تدارك الموقف، وقال لكِ: إنهما يعيقان سير الأغنية، ربما لأنهما كانا يُحدقان فيكما بجدية، ويتساءلان عن الشيء الذي يُجلسُكِ مع هذا الغريب. لكِنّكِ، وأنتما تغادران، ستلاحظين أن الفتاة والشاب، انزلقا في الحديث، كما لو كانا يعرفان بعضهما منذ كانت الأغنية مجرد فكرة في رأس بوب مارلي.

      ذلك الشخص، الغريب أعني، ها هو يتفصّد شِعْراً، يقوم، يدور حولكِ قصيدتين، أنظري إلى قدميه، إنهما لا تلامسان الأرض، إنه يرتفع عنها بكثافة، ثم يرتفع، ثم

قبلَكِ ..

كُنتُ لا شيء

و الآن ..

أنا وترٌ،

و أنتِ عازِفتي

مطرٌ،

و أنتِ عاصفتي

وقلبي يتتبع نُبُوتَ وجهكِ

كطفلٍ يطارد نحلة

أو كقوس قزح خلفته عيناك الشتويتان

هذي النوافذ يا مليكتي،

و الستائر،

و السحب.

لا يثير مشاعرها سوى ما تخلفه قدميك من نيازك

و تلك العصافير في شفتيك.

أديري القلب رقصتين

أديري البحر ناحيتي

فما عدت أرغب بِبللٍ غير مكتمل

     ويرقص، ويرقص، وترقص الأشياء بأمره، مناديل الورق، يرقص العصير في كأسكِ، ينعَزِف الجيتار وحده، يستشيط المكان مَخْمَلاً، ويرقص، كَزَرافةٍ زُجَّ بها في كَمَان، فيتعرى، من فتات الروح، من ملابسه، من الشعيرات التسعة عشر، هو الآن كما خَلَقَتهُ أمه، جِنِّيَةُ الشِّعِر، ويرقص، حتى يكتسب خواص المغنطيس، آه .. لا تعرفين المغنطيس؟. إنه مخْلُوق من الشِّعِر، وتُثمِر ضفائركِ قُنْقُليزاً ، وتولي خصرها شطر الغريب، لكنكِ لا تأبهين، وكل الأشياء تنتصر للغريب، تنصهر في الغريب، وأنتِ جالسةٌ، هنا، على بِرْكَةُ الله، أمام لا شيء، وأمامكِ، لا شيء، وللمرة الاولى منذ بداية القصيدة، يرمش قلبك، ولا أثر للضفائر، أو الجيتار، أو الغريب، إذا من أنتِ بحق الوَرَلْ؟.

     حتماً لست الغريب، لأن تعريف الغريب أنه شخص يستطيع تحويل قبلة إلى كيروسين، وأنه يخرج من ثمرة الباباي، هذا لأن تعريف الغربة نفسه قد اختلف، فبحسب المعتز عباس عبدالله، أن الغربة هو التواجدُ بين قومِ عاقبهم الله بأن لم يجعل بينهم سِتْ شاي واحدة، وها أنتِ لا تزالين هنا، تنظرين إلى مكان الغريب بعينين مَسْجُوعَتَين، كأزهار(التِشْتِشْ) {1}، ثم، وبدون سابق إنذار، يظهر الغريب، جالساً إلى قلبك الأيمن، كتفاً بكتف، ويحدق في مكان الغريب، إنه، ويا للعجب، مفْتُول الشَّعَر، ينزع نظارته الأنيقة، ينكِزُك بمرفقه، بينما لا يزال ينظر إلى مكان الغريب، ويقول أنه خطرت له قصة عندما رآكِ عارية، سوف أتركه يقص عليكِ قصته بنفسه، لأنه من الواضح أنكِ لا تعيرينني انتباهاً، فانت لا تزالين تحدقين في مكان الغريب، الذي كان يجلس أمامكِ. إنه الآن يُقَلِّبُ نظارته، ويقول بصوت منهك، يقول لك:

      ـ إنها نظارة سوداء كما ترين، حينما علمت أني قد أراكِ؛ قلت لنفسي: “يبدو أنك محظوظ أيها الغريب اللعين، فها أنت أخيراً ستلتقيك، ستلتقيك، بعد قصيدة فقط أيها الغريب، ولكن مهلاً، كيف ستلتقي فتاة تدور حولها كل تلك العصافير، بهاتين العينين العزلاوين؟”. فقلت: “سأشتري نظارة سوداء، وسيكون كل شيء على ما يرام”.

      ولكن لا أنتِ ولا أنا ولا هذه النظارة فكرنا في مصير القلب، إنه القلب، لا أستطيع أن أدِسه ببساطة تحت إبطي، إنه القلب هل تفهمين؟.

      يا إلهي ! … إنه يمسك بيدكِ، الغريب يضم يدكِ إلى صدره، أعذريني على العودة المفاجئة، ولكن أنظري إلى يدك بين يديه، إنها تبدو تماماً كَبِيْرقَرٍ بين فكّي رغيف. آآآه، إنه يُمَسِّد راحة يدك بيده اليمنى، والآن، الآن فقط، ها أنت تنظرين إليه، وها هو يغرز عينيه في عينيكِ، تستقر يده اليمنى على راحة يدك بوقار غريب، اسمعي ما يقول:

أقسم بنهديك،

أقسم بهذه القصائد المتورمة،

أقسم بـ (ريتو)،

إني أقول الحب، ولا شيء إلا الحب،

الحب فقط يا (رِيتُورِسْتَا).

      ما يحدث الآن، أو ما يمكنني وصفه مما يحدث، على الرغم من كل الإكراهات،  وأيديولوجيا أحمر الشفاه، وكل صنوف السّلط؛ هو أنه يجلس ملاصقاً لكِ، وأنت تحسين بحرارة جسده،  وبنفس الدرجة التي يؤمن بها أنك تبدين مثقفة، وأنت تضعين رجلك اليمنى على اليسرى هكذا، وتدخنين، بذات الدرجة، تعرفين جيداً أنه لابد لديه شُعَيراتٍ أخرى في أماكن غير مأهولة بالسكان، وتعرفين بالإضافة لكل ذلك أنه شخص غريب، لكنك تنخرطين في الغناء معه، وهو يعزف على (ريتو) Because you” loved me”، وتتجاهلين أنه يرتدي جُبَّة خضراء، و أنه نَفسه تَرتَدِيه روح خضراء، وحتى الآن، لا أحد في هذا المقهى ـ ولا خارجه ـ يدري لماذا جلست مع هذا الغريب، في الطابق الأعلى، ذو النافذة الوحيدة، المستطيلة، التي تقع أمامكما مباشرة، لا يفصلها عنكما سوى كرسي الغريب، الذي كان يجلس أمامكِ، الطابق الذي لا يسع سوى قلوباً على أصابع النهار، الطابق الذي من فرط عاديَّتِه، يحتوي على لوحة وحيدة، معلقة على الحائط الذي على يساركما، إنها لوحة لدُمية حمراء، تبتسم بتكلف، لأن ابتسامتها أكبر على الناحية اليسرى، إنها لوحة كبيرة، تكفي لقتل فتاة تجلس بغنج ـ كهذه التي تَمُرّان أمامها الآن ـ إذا انتبهت فجأة لوجود دمية بهذا الحجم خلفها، فأنتما الآن تعبران الثلث الأخير من مساحة الطابق نحو السلالم، تعبران الهواء المثقل بالغياب، تعبران الإرهاصات الأخيرة لميلاداتٍ عديدة لقصيدة واحدة ، تعبران each other، تعبران كل شيء، ولا تعبران علامات الاستفهام، وتتركان خلفكما قبيلة بدائية من الموسيقى، وكرسيٍّ فارغٍ من غَرِيبه، يُحدق ملياً في القصيدة عبر المطر، وأنت تنزلين عبر السلالم خلف الغريب، تنسين على الطاولة أنه غامض، وغريب، كما تنسين مناديل الورق، تمران على طول الصالة، تخرجان، وكما خَمّنتُ، انتهى الأمر بكما داخل حوتٍ عجُوز، لتُنتَبذان بعد كثير من إدانات المرور.

      أنتما الآن في جانب المشاة من الجسر الحديدي، يتمطى النهر اسفله، أما لماذا أنتما هنا؟، لماذا تتكئان على السياج الفاصل بينكما والمغيب؟، تحدقان في دقيق الذهب المنثور على طول النهر؟، ولماذا تُحَنِّطان الزمن تحت ذريعة ما يسمى بالسيلفي؟، هذا لأن ذلك الغريب أوعز لكِ بتلك النَّعناعة التي نَعْنَشَتْ قصائده، ولكن لماذا هذا الغريب؟ … هااا؟ … لماذا؟. لا أحد يعلم، والأرجح أنك ايضاً لا تعلمين، لا أُخفي عليك أن هذا الغريب لا يروقني، ولكنه ـ للأمانة فقط ـ بارع في خلق المفاجئات، و ربما يجدر بك الاستماع إلى ما يود قوله الآن:

      ـ حسناً أيتها الجِيتَارِسْتْ، أو دعيني أُناديك بالجِيتَاراسْتَا، (هل أنت مندهشة؟، قليلاً؟، أنا كذلك). سأُغني لكِ قصة، ولكن لا تجزعي، لأنني لا أعني ما سأقوله حرفياً (يقصد ألا تحملي أغنيته، أو قصته، أو أياً يكن ما سيقوله على محمل الجد، ولكن ربما على محمل شيء آخر). تنتابني رغبة سامقة في أن أحملكِ، وأقفز بكِ في النهر، (هدئي من دهشتكِ. ومن الأفضل أن تقولي “لماذا” بدلاً عن ”  kew” ، لأن ”  kew” بالهندية ، ولدي حدس قوي بأن الغرباء لا يجيدون الهندية). Well، لن يؤدي ذلك إلى خروج قلب أحمرٍ كبيرٍ من النهر ليعلو مسافة عشرة امتار بينما تتساقط منه المياه، ولن يكف النهر عن اختطاف الحسناوات، وخصوصاً النوبيات، كما أنه لن يعود أدراجه ليجهز على سد النهضة، كما تنبأت الكتب السماوية، إنها مجرد رغبة تنتابني أيتها الجِيتَاراسْتَا، مجرد رغبة حمراء.

      في الواقع فإن لدى غريبنا هذا صفة أخرى أخفيتُها عنكِ، وهو أنه أَعْنَدُ من في السماوات ومن في الأرض، فحتى عند هذا البيت من القصيدة، ومع كل هذه الأدلة المادية، فإنه لا يزال ينكر أن يكون قد التقى بك فعلاً، ويُصر على أنك لم تغادري جوّانيته أبداً، وأنه لم يغادر غرفته، وأن غرفته لم تغادر بيتهم، وأن بيتهم لم يغادر مدينتهم التي لم تغادر دولتهم التي لم تغادر كوكبها الذي لم يغادر نجمه الذي لم يغادر مجرته التي لم تغادر عنقودها الذي لم يغادر كونه، الكون الذي لم يغادر الوجود، الوجود الذي هو مجرد فكرة ساذجة، وأبعد ما تكون عن الحقيقة.

     كنتُ أعلم بحكم مَجَازِي الثاقب أن ذلك الغريب لن يتوانى عن إثبات غرائبيته، لقد قال لي حرفياً: “أنتِ تشوشين الاتصال بيني وبينها، وإذا لم تتوقفي عن ذلك، لن أستطيع الانتهاء منكِ أيتها القصيدة الثرثارة”، وهو يعنيكِ أنتِ بـ (ـها) الملحقة ببينها، قولي له شيئاً ايتها الجيتاراستا، فربما يستصغرني لأنني قصيدة، فأنتم جنس البشر تنظرون إلى القصائد بنظام استعدادات يضعنا في خانة طيور الزينة، وهذا جهل بإمكانياتنا المعرفية، وعدم احترام للاركيولوجيا الذي نقوم به في الذوات البشرية.

      – حسناً أيتها القصيدة، ولكن أخبريني أولاً، ما هذا؟.

      ـ إنه ريتو، حيوانكِ الأليف.

      – ماذا أرتدي؟.

      ـ بلوزة رمادية، وصدرية برتقالية، و …

  • Stop ، stop … و ما تلك هناك على الحائط؟.

      ـ إنها مرآة، إنها كبيرة كفاية لتقتل ذلك الغريب، إذا نظر إلى نفسه فيها.

     – أممممم، كم نافذة في هذه الغرفة؟.

     ـ واحدة، ولكن ما هذا الاستجواب الغريب؟.

     – لأنكِ أسرفتِ في إحتساء الفراشات، وأنتِ الآن ثَمِلَة أيتها القصيدة.

     ـ wait ، wait ، wait ، wait. هل إلتقيتِ ذلك الغريب؟ أجيبي بنعم أو لا؟.

     – الإجابتان خاطئتان.


[1] – أزهار التِشْتِشْ: أزهار خريفية تنبت في مناطق جبال مرّا، تتمتع بالالوان البرتقالية و الصفراء.

 

عن بييرا كُرا

mm
قاص من السودان