هيلجا

17619550_10212265564892711_1039260937_n

بقلم: أمير جويلي

      هيلجا تعاني كونها شبقة في جذورها الموغلة في روح الإله الملغزة، فقد أربك محياها الألم الطافح في أصابع قدميها المنتصبة دوماً من فرط الإلحاح في طلب الاشباع. تبحث بإصرار فظ عن بشري نصفه إله، يختم جسدها المحترق الذي لا تشعره إلا حقيبة دماء، يتلقفها الرجال العجائز بلا جدوى، قلب هيلجا أصفى وأنعم من جسدها، وهو مُلتهب بحب الإله، بدرجة لا يضاهيها إلا لعنة إطفاء شبقها المستعر. تحيا في خضم صراع ضارمة نيرانه، بين رغبة أوجدتها بإيمانها في تبجيل الإله، وأخرى وُجِدت فيها بلا ذنب جنته، وستطاردها حتى قبرها، نصفان يباعد بينهما اتساع الشكل بين الإله والمسخ، عينان ذئبيتان، ووديعتان، تتناوبان على النظرات، دون إرادة منها، أو تحت وطأة تحكم. في قلب تضرعها للسماء، يأتيها ألم الرغبة الضروس من العظام، يصرخ كمحارب عزيز أدمته ضربات السوط في الأسر الغاشم، وفي لياح النهار، يتساوى أرازل القوم وأكرمهم على بابها، في الصف المتناوب على جسدها العاصي ارتشاف المُتع.

      عاشت أيامها الملعونة في عروج من درجة الأقصى منها، وصولاً للشقاق بين النفس وذاتها، حتى كانت كحيوان بري مظلم، إلا العينين وحمامة بيضاء، لا تملك إلا الجمال النقي، يتصارعان بلا راحة بين قضبان صدرها اللحمية، انفصل كل ما فيها عن نظيره، تحولت العينان كل عيْن باتجاه، وعاكست حركات كل يد الأخرى، وكذا القدم، وبقية الانفعالات في كل نصف. انعدم منها الشعور بالوجود، والرغبة الفطرية في البقاء، وبعد ما طافت شوارع البلدة على قدميها المنتصبة الأصابع عشرات المرات، برجاء يائس للناس أن يجلدوها بالسوط حتى الموت، أو يرجمونها بالحجارة، أو يحرقونها معقودة في جذع ميت، ليرحموها من هذا العذاب، استجاب الناس لبؤس حالها، وعقدوها بصخرة، ورجمها الرجال بغّل لا يعلمون سبباً له، سوى أثر الخزي الذي أصابت ذكوريتهم به، وسالت على الصخرة دماءها الطاهرة، والنجسة معاً، وماتت، ولم تلفظ صرخة، ولم يأتي وجهها بإيماءة ذعر، وكانت عينتاها تحدقان باستمتاع عجيب، واحدة في الإله، والأخرى في الشيطان.  بعدها ألهبوا في جسدها النار، لتنتهي وتختفي من العالم، فخافوا أن يدفنوها مع الأسلاف، فتصيبهم بالجحيم في الجانب الآخر، وتركها الناس ملتهبة في الخلاء، وعادوا لمحياهم الزائف، لكن تبقي أحدهم لم يغادر، وظل يتأمل تلاشي جسدها، قطعة وراء الأخرى، حتى صارت رماداً، تعصف به الرياح، فدنا منها، وملأ قبضته برمادها الدافئ، وركع على ركبتيه، رهبة ومهابة لملمسه المقدس، وتركه ينسل ببطء شديد من بين شقوق أصابعه، وهو في تأمل شعائري. ثم قال في نفسه: (ماذا لو أن الإله والشيطان وجهان لحقيقة واحدة!، تجلت تلك الحقيقة في هيلجا، كرسالة من القوة اللانهائية، لنفهم تلك الحقيقة المؤكدة، والمحالة التصديق).

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة