الرئيسية / احدث التدوينات / أدب المقاومة الإريتري

أدب المقاومة الإريتري

إرتريا

بقلم: جي. دامر*

ترجمة: علي زين

لمشاهدة الموضوع الأصلي (هنا)

     الكثير من الناس، بعضهم بجهلهم البريء، وآخرون بإهمال متعمد، يعتقدون أن كفاح الشعب الإريتري من أجل الاستقلال لم يكن إلا بالبندقية والدبابة. فلا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر إزعاجاً، وسوء فهم، فيما يتعلق بالنضال المسلح والسياسي للشعب الإريتري أكثر من تلك الفكرة. لقد كان دور السلاح في كفاح الشعب الإريتري من أجل الاستقلال، وإن كان حاسماً، إلاّ انه كان بمثابة الصوت الوحيد لشعب حرم من حقه الأساسي في تقرير المصير والخيار, وذلك عندما تم سلبه ومنعه من جميع الوسائل السلمية. إنها الحقيقة. ففي حين أن كفاح الشعب الإريتري من أجل الاستقلال بدأ كمطلب سلمي على حقهم في تقرير المصير، فمقاومة الاحتلال والهيمنة من جانب الغرباء كانت تقليداً راسخاً للشعب الإريتري منذ زمن سحيق. وبالتالي، فإن النضال المسلح أتى كرد فعل وبلا غرابة بالنسبة للأشخاص الذين خدعوا بمبادئ المجتمع الدولي، وتمت الإساءة لهم من قبل الدول القوية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وبالتالي سيكون من العبث أن نتصور أن المقاومة كانت مجرد عمل من أعمال العنف. فقد لعب الأدب دوراً هاماً في النضال المسلح والسياسي للشعب منذ البداية, و قبل حتى أن يتبنى المجتمع مهارات القتال الجسدي. إذ امتلأت جميع أنحاء البلاد، بالتراث والتقاليد الشفوية المعبّرة كالأغاني والقصائد التي كانت تُلقى في المناسبات العامة، إمّا ثناءاً وتمجيداً للأبطال الذين وقفوا مع شعبهم، أو انتقاداً للجبناء الذين خانوا شعبهم، أو إدانة وحشية للمستعمرين. واحد من الأمثلة على ذلك عندما نصح أحد الحكماء بحسرة شديدة الزعيم “راس ويلدميشل”، بعد أن سقط في الفخ الذي أعُد له من قبل رؤساء “تيغرايان”، محذراً القادة الآخرين من هذا الخطر من خلال قصيدة شفوية، لا يزال يتلوها بعض كبار السن حتى الآن. ليس هذا فحسب، فالقصائد كانت الطريقة الأكثر فعالية لتعبئة الشعب ضد أي خطر في ذلك الوقت. لقد اخترت للتو “رأس ويلدميشل” عشوائياً، ولكن هناك الكثير من الأمثلة التي تثبت حقيقة أن الأدب كان جزءاً لا يتجزأ من النضال السياسي للشعب الإيريتري.

      بحلول أواخر القرن التاسع عشر ومع ظهور الاستعمار الأوروبي، جاء الأدب في المقدمة كطريقة فعّالة للتعبير عن الكراهية للاستعمار. قصائد لشعراء أمثال “ديجيت بهتا هاغوس و زيماخ ويد إيكود”، أولئك القادة الأبطال الذين لقوا حتفهم ضد المستعمرين الإيطاليين في “هالاي”، والسجن الفظيع سيء السمعة في جزيرة “ناكورا ” سيئة السمعة. كل هذا كان بمثابة مثال واحد من تلك الأمثلة العديدة. وحتى وقتنا الراهن، حيث الوضع الأدبي للمجتمع في أدنى مستوى له، فلم يوثق الكثير من تلك القصائد. وبطبيعة الحال، فإن الكثير من الآداب الشفوية الأخرى قد تكون نسيت أيضاً. ومنذ أواخر الأربعينيات وحتى أواخر الخمسينات وأوائل الستينيات نشأت حقبة جديدة ليس فقط على مستوى الوضع السياسي لإريتريا وشعبها، ولكن أيضاً على مستوى الأدب الإريتري. فبعد هزيمة الدولة الاستعمارية الإيطالية الفاشية من قبل قوات التحالف في عام 1941، أعطيت إريتريا لبريطانيا العظمى كأراضي معادية للعدو حتى يتم تحديد مصيرها. وفي عام 1952، بعد أن فشلت القوى العظمى الأربع في الاتفاق على مستقبل إريتريا، قررت الأمم المتحدة، تحت ضغط وتأثير كبيرين من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، توحيد إريتريا مع الدمية الأمريكية في المنطقة، إثيوبيا. وكما قال “جون فوستر دولس”، وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك: بأن هذا القرار اتخذ ليس فقط ضد مبادئ الأمم المتحدة، ولكن أيضاً ضد الشعب الإريتري وضمير الحكومة الأمريكية, لحماية المصلحة الأمريكية في المنطقة. فتلك الخيانة التعسفية من قبل المجتمع الدولي بشكل عام، والإدارة الأميركية آنذاك على وجه الخصوص، تركت بقعة سوداء مستعصية في التاريخ السياسي للشعب الإريتري. وإضافةً إلى الإهانة والضرر، فقد ألغت الدولة الإقطاعية المتخلفة “أثيوبيا” قانون التسوية الفيدرالي، في حين لم تحرك الأمم المتحدة آنذاك ساكناً. والأسوأ من ذلك، أن أول أمر قامت به الحكومة الإقطاعية “أثيوبيا” التي احتلت إريتريا، هو قمع ركائز الديمقراطية والثقافة السياسية التي تجسد الشعب الإريتري, وذلك من أجل الإضرار مرة واحدة وبجدية وللأبد بالإرث السياسية للشعب الإريتري.

      في هذا الوقت، وصل الأدب الإريتري إلى مرحلة جديدة من التطور في تاريخه. ولسوء الحظ، فقمع حرية التعبير من قبل الدولة الإقطاعية أجبرها على البحث عن ملاذ في مراوغة الرقابة وترميز المعنى. فأغاني “أتوبراهان سيغيد”، و”الأمين عبد اللطيف”، و”تويلدة رضا”، وغيرهم من المطربين العظماء في ذلك الوقت كانت أعظمها أغنيات سياسية متخفية في قصائد الحب، وكان ذلك مظهر من مظاهر تطور العمل الأدبي في ذلك الوقت. فقد لعب هؤلاء الفنانون دوراً هاماً للغاية في رفع وتشكيل الوعي السياسي لعامة الشعب وللشباب بشكل خاص. كما أرسى أيضاً الأدب الراديكالي للنضال المسلح. وبحلول أواخر الستينيات، دخل الأدب وخاصة الغناء والشعر منه حقبة جديدة. وهي تجربة “الميدان”، أو الجزء من البلدة الذي يشن فيه الكفاح المسلح بشكل يسمح بممارسة الحرية بحرية. فكان من بين مقاتلي الحرية بعض من أفضل الشعراء والفنانين في البلاد, الذين ولدوا لتأكيد ونقل دور الأدب في الكفاح المسلح والسياسي لإريتريا إلى مرحلة أخرى. ذلك الدور الأدبي الذي لعب بفعالية لا مثيل لها. بتلك الأغاني الثورية التي جعلت الآلاف من الشباب يخضعون أنفسهم للموت في سبيل بلادهم وأمتهم في جميع أنحاء البلاد.

     من الصعوبة محاولة شرح دور الأدب بشكل تام في عملية نضال الشعب الإريتري من أجل الاستقلال ضمن هذه المقال. ولكن هذا فقط لتنبيه الكثير من الناس الذين تغاضوا عن أهمية ودور الأدب في نضالنا من أجل حقنا في تقرير المصير. ولا يزال الكثيرون حتى الآن غير مدركين لدورهم على الإطلاق, وذلك لأننا لم نقل ما ينبغي لنا أن نقوله بشأن كفاحنا من أجل الحرية عموماً, و حول دور القلم على وجه الخصوص. ولأن البنادق عبرت عن ذاتها، فالجميع يعرف ما هو دورها. فعلينا الآن أن نبدأ بالتعبير عن الآثار الصامتة للقلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*كاتب من إرتريا

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة